في اكتشاف قد يغيّر فهم الفيزياء الكمومية من جذوره، نجح فريق بحثي من الهند وبولندا في كسر حدٍّ نظري ظل لعقود يُعتبر غير قابل للتجاوز، يتعلق بقوة الترابط الكمومي عبر الزمن. الدراسة أظهرت أن الكيوبيتات، وهي اللبنات الأساسية للحوسبة الكمومية، يمكنها أن تُظهر ترابطاً زمنياً أقوى بكثير مما كان يُعتقد سابقاً، إذا سُمح لها بالتطور في تراكب زمني بدل مسار زمني واحد.
اعتقاد استمر أربعين عاماً
منذ عام 1985، اعتمد الفيزيائيون على ما يُعرف بـ متباينة ليغيت–غارغ لتمييز السلوك الكلاسيكي عن السلوك الكمومي عبر الزمن. الأجسام الكلاسيكية تلتزم بهذه المتباينة، بينما يمكن للأنظمة الكمومية أن تنتهكها، لكن ضمن سقف صارم عُرف باسم حد تسايرلسون الزمني. هذا الحد كان يُعد أقصى ما يمكن أن يبلغه الترابط بين ماضي النظام الكمومي وحاضره ومستقبله.
الدراسة الجديدة تُظهر أن هذا الافتراض لم يكن مطلقاً. فعندما لا يُجبر الكيوبيت على اتباع تطور زمني واحد، بل يُوضع في حالة تراكب بين تطورين زمنيين متنافرين، فإن الترابط الزمني يمكن أن يتجاوز ذلك السقف النظري بشكل واضح.
كيف كُسر الحد المستحيل
اعتمد الباحثون على نظام بسيط ظاهرياً يتكون من ثلاثة كيوبيتات داخل جزيء واحد، تمت دراسته باستخدام تقنية الرنين المغناطيسي النووي. أحد الكيوبيتات عمل كمتحكم زمني وُضع في حالة تراكب كمومي، ليقرر في الوقت نفسه كيف سيتطور الكيوبيت الثاني وفق مسارين زمنيين مختلفين. الكيوبيت الثالث استُخدم لقراءة سلوك الكيوبيت المستهدف عند لحظات زمنية متعددة.
النتيجة كانت صادمة. الترابط الزمني المقاس لم يكتفِ بانتهاك متباينة ليغيت–غارغ، بل تجاوز حد تسايرلسون الزمني الذي كان يُعتقد أنه الحد الأقصى المسموح به في أي نظام كمومي تقليدي.
عندما يصبح الزمن نفسه في حالة تراكب
الفكرة الجوهرية في هذا العمل أن الكيوبيت لم يعد يسلك تاريخاً زمنياً واحداً، بل تاريخين متوازيين في آن واحد. هذا التراكب الزمني عزّز الترابط بين قياسات الماضي والحاضر والمستقبل بطريقة لا يمكن تحقيقها عبر تطور زمني منفرد.
الأكثر إثارة أن هذا التأثير لم يكن هشاً كما هو معتاد في الأنظمة الكمومية. فعند إدخال الضوضاء والتشويش البيئي، وهي عوامل تُدمّر السلوك الكمومي عادة بسرعة، أظهر النظام مقاومة غير متوقعة. الترابط الكمومي الزمني استمر لمدة أطول بحوالي خمسة أضعاف مقارنة بالحالات التقليدية.
ماذا يعني هذا للحوسبة الكمومية
هذا الاكتشاف لا يغيّر فقط فهم الفيزيائيين للعلاقة بين الزمن والكم، بل يحمل آثاراً عملية مباشرة. الحوسبة الكمومية تعتمد على الحفاظ على التراكب والترابط لأطول فترة ممكنة، وهو التحدي الأكبر في هذا المجال. إظهار أن التراكب الزمني يمكنه إطالة عمر السلوك الكمومي يفتح الباب أمام معالجات كمومية أكثر استقراراً وأجهزة استشعار كمومية أكثر دقة.
كما أن القياس الكمومي فائق الحساسية، مثل قياس المجالات المغناطيسية أو الكهرومغناطيسية الضعيفة، قد يستفيد مباشرة من هذا النوع من الترابط الزمني المعزز.
خطوة أولى… والتحدي القادم
رغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن التجربة أُجريت في بيئة مخبرية مضبوطة باستخدام أنظمة NMR، وأن نقل هذه الفكرة إلى منصات كمومية أكبر وأكثر تعقيداً لن يكون سهلاً. المرحلة المقبلة ستركز على اختبار التراكب الزمني في منصات أخرى، مثل الدوائر فائقة التوصيل أو الأنظمة الضوئية، وفهم كيف يتصرف هذا الترابط الزمني المتطرف في سيناريوهات قياس أوسع.
ما كان يُعتبر حدّاً نهائياً للسلوك الكمومي عبر الزمن، لم يعد كذلك. ومع كل تجربة من هذا النوع، يتضح أن الزمن في العالم الكمومي ليس مجرد خط مستقيم، بل ساحة تراكب واحتمالات.
المصدر: Physical Review Letters


