الصين تشق طريقها سرا نحو الاستقلال في صناعة الشرائح المتقدمة بعد بناء نموذج أولي لآلة طباعة ضوئية متطرفة يمكنها من حيث المبدأ تصنيع أكثر الشرائح تقدما المستخدمة في الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والتقنيات العسكرية الغربية، وذلك في مشروع يوصف من الداخل بأنه النسخة الصينية من “مشروع مانهاتن” النووي بحسب تحقيق موسع لوكالة رويترز.
مختبر شديد السرية ونموذج أولي في شينجن
داخل مختبر عالي التأمين في مدينة شينجن تمكن فريق صيني من إنجاز نموذج أولي تشغله الدولة لآلة طباعة ضوئية بالأشعة الفوق بنفسجية المتطرفة المعروفة باسم EUV (إي يو في) في مطلع عام ألفين وخمسة وعشرين. الآلة تحتل تقريبا كامل مساحة أرضية مصنع كامل وتعتمد على تصميم تم الحصول عليه عبر عكس هندسة أنظمة الشركة الهولندية العملاقة ASML (إيه إس إم إل) بحسب ما نقلته مصادر مطلعة لرويترز.
هذه الآلة قيد الاختبارات حاليا وقد نجحت بالفعل في توليد ضوء فوق بنفسجي متطرف وهو قلب تقنية إي يو في، لكنها حتى الآن لم تنتج شرائح عاملة. مع ذلك فإن مجرد تشغيل مصدر الضوء في نظام بهذا التعقيد يعد قفزة غير متوقعة زمنيا إذا ما قورنت بتصريحات الرئيس التنفيذي لأس إم إل كريستوف فوكيه الذي قال في أبريل إن الصين تحتاج سنوات طويلة جدا للوصول إلى هذه المرحلة.
أهمية “إي يو في” في سباق الشرائح المتقدمة
أنظمة إي يو في تمثل قلب حرب تكنولوجية باردة بين الغرب والصين. هذه الآلات تطلق شعاعا ضوئيا بطول موجي بالغ القصر لتمكين رسم دوائر إلكترونية أنحف بآلاف المرات من سمك شعرة الإنسان على شرائح السيليكون. كلما صغرت هذه الدوائر زادت قوة الشريحة وانخفض استهلاكها للطاقة، وهو ما يجعل التقنية ضرورية لإنتاج الشرائح المستخدمة في نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة ومعالجات الهواتف الذكية والصواريخ الموجهة وأنظمة التجسس.
حتى اليوم تعد أس إم إل الشركة الوحيدة في العالم التي أتقنت بناء أنظمة إي يو في التجارية. أول نموذج عملي للتقنية ظهر لدى الشركة عام ألفين وواحد، ولم تنجح في إنتاج شرائح تجارية اعتمادا عليها إلا بعد ما يقارب عقدين من البحث والتطوير وإنفاق مليارات اليورو. الآلة الواحدة من أحدث أجهزتها تكلف نحو مئتين وخمسين مليون دولار وتزن ما يقارب مئة وثمانين طنا وتشبه في حجمها حافلة مدرسية ضخمة.
هذه الأنظمة ضرورية لشركات تصميم الشرائح مثل Nvidia (نفيديا) وAdvanced Micro Devices AMD (أدفانسد مايكرو ديفايسز إيه إم دي) وللمصانع الكبرى مثل TSMC (تي إس إم سي) وIntel (إنتل) وSamsung (سامسونغ) التي تنتج أكثر الشرائح تقدما في العالم.
6 سنوات من العمل السري تحت إشراف مباشر من القيادة
التحقيق يشير إلى أن النموذج الصيني هو ذروة مبادرة حكومية انطلقت قبل ست سنوات بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات وهي إحدى أعلى أولويات الرئيس شي جين بينغ. ورغم أن أهداف الصين في مجال الشرائح أعلنت علنا فإن مشروع “إي يو في” في شينجن جرى في سرية تامة تحت غطاء الأمن القومي.
المشروع يقع ضمن استراتيجية وطنية للشرائح نسبت وسائل إعلام صينية قيادتها إلى المقرب من شي والمسؤول عن لجنة العلوم والتكنولوجيا المركزية في الحزب الشيوعي دينغ شيويشيانغ. وتلعب شركة الاتصالات والإلكترونيات العملاقة Huawei (هواوي) دور المنسق الرئيس بين شبكة واسعة من الشركات والمعاهد البحثية الحكومية التي تضم آلاف المهندسين في مختلف أنحاء البلاد.
مصادر تحدثت لرويترز وصفت المشروع بأنه النسخة الصينية من مشروع مانهاتن الذي طورت به الولايات المتحدة القنبلة النووية خلال الحرب العالمية الثانية. الهدف النهائي كما تنقل عن أحد المطلعين هو أن تصبح الصين قادرة على تصنيع الشرائح المتقدمة على آلات مصنوعة محليا بالكامل وأن تخرج الولايات المتحدة تماما من سلاسل الإمداد الخاصة بها.
تجنيد خبراء أس إم إل وهندسة معكوسة تحت أسماء مزيفة
جوهر الاختراق الصيني اعتمد على تجنيد مهندسين وعلماء من أصل صيني عملوا لعقود داخل أس إم إل ثم تقاعدوا أو غادروا الشركة. أحد هؤلاء المهندسين المخضرمين فوجئ عند التحاقه بالمشروع بأن مكافأة التوقيع السخية ترافقها بطاقة هوية صادرة باسم مزيف. وبمجرد دخوله المنشأة اكتشف زملاء سابقين من أس إم إل يعملون أيضا بهويات مستعارة وطلب منه استخدام أسمائهم الوهمية داخل العمل حفاظا على السرية.
المصادر أوضحت أن التوجيهات كانت واضحة وأن المشروع مصنف ضمن قضايا الأمن القومي، وأن وجود هؤلاء الخبراء والهدف من العمل يجب ألا يعرف خارج المجمع. هذا الفريق من قدامى مهندسي أس إم إل كان حاسما للوصول إلى تصميم آلة إي يو في، إذ تؤكد المصادر أنه من دون معرفتهم التفصيلية كان من المستحيل تقريبا عكس هندسة هذه التقنية المعقدة.
الصين أطلقت منذ عام ألفين وتسعة عشر حملة هجومية لجذب خبراء الشرائح العاملين في الخارج، مقدمة حوافز مالية ضخمة تشمل مكافآت توقيع تتراوح بين ثلاثة وخمسة ملايين يوان إضافة إلى دعم سخي لشراء المنازل، بحسب مراجعة رويترز لوثائق حكومية. بعض المصادر تحدث عن منح جوازات سفر صينية لمجنسين في دول أخرى والسماح لهم فعليا بازدواج الجنسية رغم أن القانون الصيني لا يعترف رسميا بذلك.
تحديات بصرية وتقنية رغم التقدم في مصدر الضوء
رغم نجاح النموذج الصيني في توليد الضوء فوق البنفسجي المتطرف فإن الفجوة مع أنظمة أس إم إل لا تزال كبيرة خصوصا في أنظمة البصريات الدقيقة التي تصنعها شركات غربية مثل Carl Zeiss (كارل زايس) التي تعد موردا محوريا لأس إم إل. مصادر رويترز قالت إن الحصول على منظومات بصرية مكافئة يمثل أكبر عنق زجاجة أمام الصين.
لحل جزء من المشكلة اعتمد المشروع على تفكيك أنظمة قديمة من أس إم إل وشراء معدات مستعملة من أسواق ثانوية بما في ذلك مزادات علنية داخل الصين عبر منصات مثل مزادات علي بابا للحصول على مكونات يمكن إعادة استخدامها. كما أشارت المصادر إلى استخدام مكونات خاضعة لقيود تصدير من شركتي Nikon (نيكون) وCanon (كانون) اليابانيتين في النموذج الأولي.
على صعيد البحث العلمي لعبت معاهد صينية متخصصة دورا محوريا، منها معهد تشانجتشون للبصريات والميكانيكا الدقيقة في الأكاديمية الصينية للعلوم الذي حقق اختراقا في دمج ضوء إي يو في في المنظومة البصرية للنموذج مما سمح له بالعمل لأول مرة أوائل عام ألفين وخمسة وعشرين، رغم أن هذه المنظومة لا تزال بحاجة إلى تحسينات كبيرة.
مراكز الأبحاث هذه تعرض رواتب غير محددة السقف تقريبا للباحثين في البصريات والليثوغرافيا ومنحا بحثية قد تصل إلى أربعة ملايين يوان إضافة إلى إعانات شخصية بمئات الآلاف من اليوان، في محاولة لاستقطاب أفضل الكفاءات المحلية والعائدة من الخارج.
فريق شاب يعيد تفكيك المكونات وتحفيز بالمال
جزء من العمل اليومي في منشأة شينجن يقوم عليه فريق يضم نحو مئة من خريجي الجامعات الجدد موكل إليهم تفكيك مكونات من آلات إي يو في ودي يو في القديمة وإعادة تركيبها لفهم تفاصيلها. كل مكتب يخضع لتصوير بكاميرا مخصصة توثق خطوات المهندس أثناء التفكيك وإعادة التجميع، ومن ينجح في إعادة تركيب المكون بنجاح يحصل على مكافآت مالية.
محللون مثل جيف كوك من شركة الأبحاث SemiAnalysis (سيمي أناليسيس) والذي عمل سابقا في أس إم إل يرون أن الصين حققت تقدما ملموسا إذا كان مصدر الضوء يملك قدرة كافية ويعمل بثبات من دون تلوث مفرط للنظام، مؤكدين أن السؤال لم يعد إن كانت التقنية ممكنة بل متى سيتم الوصول إلى مستوى تجاري مقبول.
الحكومة الصينية وضعت هدفا رسميا لإنتاج شرائح عاملة على النموذج الحالي بحلول عام ألفين وثمانية وعشرين، لكن مصادر قريبة من المشروع ترى أن عام ألفين وثلاثين أكثر واقعية، وهو تاريخ يظل مع ذلك أقرب بعدة سنوات مما توقعه محللون في الغرب الذين تحدثوا عن حاجة الصين إلى عقد كامل على الأقل للحاق بمستوى الشرائح الغربية المتقدمة.
دور هواوي وسلاسل إمداد تمتد من التصميم حتى الهاتف
في خلفية المشروع تلعب هواوي دورا عصبيا في كل خطوة من السلسلة، من تصميم الشرائح وتطوير معدات التصنيع إلى دمج الناتج النهائي في هواتف ذكية وأجهزة أخرى، بحسب أربعة مصادر مطلعة. الرئيس التنفيذي رن تشنغ في يطلع قادة صينيين كبارا على التقدم بشكل دوري في ظل إدراج هواوي على قوائم الكيانات المحظورة أميركيا منذ عام ألفين وتسعة عشر.
التقارير تشير إلى أن الشركة نشرت موظفيها في مكاتب ومصانع ومعاهد أبحاث عدة داخل البلاد، مع إلزام فرق العمل في أشباه الموصلات بالإقامة داخل المواقع طوال الأسبوع ومنعهم في بعض الحالات من العودة إلى منازلهم أو استخدام هواتفهم بحرية كاملة، خصوصا في الوحدات التي تتعامل مع المهام الأكثر حساسية.
داخل هواوي نفسها لا يعرف سوى عدد محدود من الموظفين الصورة الكاملة لما يجري، إذ يتم عزل الفرق عن بعضها البعض بحيث لا تدرك ما الذي تعمل عليه الفرق الأخرى في نفس السلسلة، وذلك لتعزيز السرية وتقليل مخاطر التسريب.
ردود غربية وتشديد على الرقابة ومنع التسرب التقني
منذ عام 2018 بدأت الولايات المتحدة الضغط على هولندا لمنع أس إم إل من بيع أنظمة إي يو في للصين، وتوسعت القيود عام ألفين واثنين وعشرين عبر ضوابط تصدير واسعة هدفت إلى حرمان بكين من معدات تصنيع الشرائح المتقدمة بما في ذلك أنظمة الطباعة العميقة دي يو في. لم تبع أس إم إل حتى الآن أي نظام إي يو في لعميل داخل الصين.
وزارة الدفاع الهولندية تحدثت عن تطوير سياسات تفرض على مؤسسات البحث إجراء تدقيق أمني على الكوادر لمنع وصول الأفراد الذين قد يستغلون التقنية أو يتعرضون لضغوط خارجية. كما حذرت تقارير استخباراتية هولندية من برامج تجسس صينية واسعة النطاق تستهدف العلماء والموظفين في شركات التقنية المتقدمة.
رغم ذلك تؤكد أس إم إل أنها لا تستطيع التحكم في أماكن عمل موظفيها بعد مغادرتهم لكنها تشير إلى ملاحقة قضائية ناجحة في بعض قضايا سرقة الأسرار التجارية، من بينها حكم بقيمة 845 مليون دولار ضد مهندس سابق اتهم بسرقة أسرار تقنية ثم استمر في العمل داخل الصين بدعم حكومي.
كل هذه التفاصيل ترسم صورة سباق محموم حيث تحاول القوى الغربية سد الثغرات في نظام ضوابط التصدير بينما تراهن الصين على الزمن وعلى حشد الكفاءات والمليارات للوصول إلى استقلالية شبه كاملة في أهم تقنية تحدد ميزان القوة الاقتصادي والعسكري في القرن الحادي والعشرين.
المصدر: رويترز


