تشهد صناعة أجهزة ألعاب الفيديو العالمية ضغوطا متزايدة مع دخولها سباقا مباشرا مع طفرة الذكاء الاصطناعي على موارد أساسية في سلسلة الإمداد، وفي مقدمتها رقائق الذاكرة dynamic random access memory (دايناميك راندوم آكسِس ميموري – DRAM)، ما ينذر بموجة جديدة من ارتفاع الأسعار وتباطؤ المبيعات في السنوات المقبلة.
سباق على رقائق الذاكرة بين الذكاء الاصطناعي والألعاب
مبيعات أجهزة ألعاب الفيديو مثل منصات PlayStation (بلايستيشن) من شركة Sony (سوني) وXbox (إكس بوكس) من Microsoft (مايكروسوفت) وSwitch 2 (سويتش 2) من Nintendo (نينتندو) كانت أصلا تحت ضغط بسبب الرسوم الجمركية وفتور إنفاق المستهلكين في عدة أسواق رئيسية.
لكن العامل الأحدث والأخطر الآن هو القفزة الكبيرة في الطلب على رقائق الذاكرة المستخدمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، حيث تتجه الشركات المصنعة مثل Micron (مايكرون) إلى تفضيل شرائح الذاكرة ذات الهوامش الربحية الأعلى والموجهة للخوادم، على حساب الشرائح المخصصة للحواسيب الشخصية وأجهزة الألعاب.
هذا التغيّر في الأولويات دفع Micron إلى إيقاف علامة الذاكرة الاستهلاكية الشهيرة Crucial (كروشيال)، والتي كانت لفترة طويلة من الأساسيات لدى هواة تجميع الحواسيب ومحبي ترقية أجهزتهم، في إشارة واضحة إلى أن التركيز يتحول من المستخدم المنزلي إلى مراكز البيانات التي تخدم نماذج الذكاء الاصطناعي.
الذاكرة قلب الأداء في أجهزة الألعاب
تعد رقائق الذاكرة مكونا أساسيا في منصات الألعاب، فهي المسؤولة عن سرعة تحميل الألعاب، وثبات معدل الإطارات، وسلاسة التجربة البصرية في الألعاب الضخمة ذات الميزانيات العالية. أي ارتفاع في تكلفة هذه الرقائق ينعكس مباشرة على التكلفة الإجمالية للجهاز، خاصة أن شركات الأجهزة تبيع عادة بهوامش ربح ضئيلة وتعتمد على بيع الألعاب والاشتراكات لتحقيق الأرباح.
خبراء الصناعة يحذرون من أن استمرار ارتفاع أسعار الذاكرة قد يدفع الشركات إلى خيارين أحلاهما مر: إما رفع أسعار الأجهزة النهائية، أو تقليص مواصفات العتاد وتقليل سعة الذاكرة للحفاظ على السعر، وهو ما قد يضر بجاذبية الأجهزة لدى اللاعبين الذين باتوا يتوقعون أداء أعلى مع كل جيل جديد.
شركات الأجهزة تواجه معضلة رفع الأسعار
مع ارتفاع تكلفة المكونات، يواجه صانعو أجهزة الألعاب والحواسيب المخصصة للّعب معضلة حقيقية. شركات مثل CyberPowerPC (سايبر باور بي سي) المتخصصة في الحواسيب عالية الأداء أعلنت بالفعل عن زيادات في الأسعار، بينما تشير تقارير إلى أن شركات كبرى مثل Dell Technologies (دِل تكنولوجيز) وLenovo (لينوفو) تستعد أيضا لرفع أسعار بعض طرازاتها.
بحسب الخبير Joost van Dreunen (يوست فان دروينن) أستاذ ألعاب الفيديو في جامعة NYU Stern (نيويورك – شتيرن)، تمثل الذاكرة نحو خمس تكلفة مكونات الحاسوب الشخصي، ما يجعل أي زيادة في أسعارها ضربة مباشرة لهوامش الربح. ويتوقع أن ترتفع أسعار أجهزة الألعاب المنزلية بنسبة تتراوح بين 10٪ و15٪ خلال العام أو العامين المقبلين، بينما قد تشهد أسعار الحواسيب المخصصة للألعاب ارتفاعا يصل إلى 30٪ إذا استمرت موجة ارتفاع أسعار الذاكرة حتى 2026.
هذا السيناريو يأتي فوق زيادات سابقة في أسعار بعض الأجهزة هذا العام نتيجة الرسوم الجمركية، ما يعني أن المستهلك يجد نفسه أمام مستويات سعرية تاريخية لأجهزة الألعاب دون أن يقابل ذلك قفزة مماثلة في المواصفات أو الألعاب الحصرية.
طفرة أسعار رقائق الذاكرة تضرب توقعات السوق
تقديرات مؤسسة Counterpoint Research (كاونتر بوينت ريسيرش) تشير إلى أن أسعار الذاكرة ارتفعت بنحو 50٪ خلال 2025، مع توقع زيادة إضافية بنحو 30٪ في الربع الأخير من العام، ثم 20٪ أخرى في بداية 2026، مدفوعة بطلب هائل من شركات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
في ظل هذه الطفرة، لم يعد بإمكان شركات الأبحاث الإبقاء على توقعات متفائلة لسوق أجهزة الألعاب. مؤسسة TrendForce (ترِند فورس) خفّضت تقديراتها لنمو سوق أجهزة الألعاب إلى 5.8٪ فقط هذا العام، نزولا من توقع سابق بلغ 9.7٪، كما تتوقع الآن انكماشا بنحو 4.4٪ في 2026 مقارنة بتقدير سابق لانخفاض أقل عند 3.5٪.
بيانات شركة تتبع السوق Circana (سيركانا) أظهرت أن الإنفاق على عتاد الألعاب تراجع بنسبة 27٪ في الشهر الماضي، وأن مبيعات الوحدات جاءت عند أضعف مستوى لها منذ 1995، في وقت وصل فيه متوسط سعر الجهاز الجديد إلى مستوى قياسي لنفس الفترة، ما يعكس مزيجا صعبا من الأسعار المرتفعة والطلب المتراجع.
أجهزة الجيل الحالي تزداد سعرا مع شيخوخة المنصات
الزيادة في متوسط سعر أجهزة الألعاب لا تعود فقط إلى تكاليف الرسوم والذاكرة، بل أيضا إلى غياب ألعاب حصرية ضخمة تدفع المستهلكين لتبني الأجهزة القديمة أو الانتقال إلى طرازات أحدث بأسعار أعلى. ومع تقدم جيل الأجهزة الحالي في العمر، يصبح تبرير هذه الأسعار أصعب إذا لم تقترن بعناوين قوية.
أجهزة مثل Xbox Series X (إكس بوكس سيريس إكس) تُباع حاليا بحوالي 650 دولارا، بينما يصل سعر PlayStation 5 Pro (بلايستيشن 5 برو) إلى نحو 750 دولارا، بحسب إعلانات الشركات، وهي مستويات تضع هذه الأجهزة في منافسة مباشرة مع حواسيب ألعاب متوسطة إلى عالية الأداء.
في الخلفية، تخطط شركات الألعاب أيضا لإطلاق أجهزة جديدة مثل منصة Steam Machine (ستيم ماشين) من شركة Valve (فالف)، المطورة للعبة الشهيرة Counter-Strike (كاونتر سترايك)، والتي كان متوقعا أن تصل الأسواق العام المقبل. لكن ارتفاع تكاليف المكونات، وعلى رأسها الذاكرة، قد يجبر الشركات على تأجيل الإطلاق أو إعادة النظر في الأسعار والمواصفات.
احتمال تأجيل منصات جديدة إذا تراجع إنفاق اللاعبين
المحلل Jacob Bourne (جاكوب بورن) من شركة Emarketer (إي ماركيتر) يرى أن شركات الألعاب ستتريث قبل المخاطرة بإطلاق منصات جديدة في سوق يبدو أن إنفاق اللاعبين فيه بدأ يتراجع على مستوى العتاد، خاصة إذا استمرت الأسعار في الصعود ولم تظهر موجة ألعاب جديدة تحفز الترقية.
لذلك، قد تختار الشركات الكبرى مثل Sony وMicrosoft وNintendo إطالة عمر أجهزتها الحالية عبر تحديثات برمجية وحزم خاصة، وتأجيل إطلاق أجيال جديدة إلى حين استقرار أسعار المكونات، أو إلى أن تتضح الصورة بشأن الطلب الحقيقي على أجهزة الألعاب في ظل منافسة متزايدة من خدمات اللعب السحابي ومنصات الهواتف الذكية.
في الوقت نفسه، قد تستفيد بعض الشركات من تثبيت الأسعار مؤقتا على حساب هوامش الربح في محاولة للحفاظ على قاعدة اللاعبين ومنع انتقالهم إلى بدائل أرخص، لكن استمرار أزمة رقائق الذاكرة المرتبطة بسباق الذكاء الاصطناعي سيجعل هذا الخيار مكلفا على المدى المتوسط.
في المحصلة، يبدو أن سباق بناء بنية تحتية لخدمة نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة لا يجري في مراكز البيانات فقط، بل يترك بصمته أيضا على غرف المعيشة وغرف اللاعبين حول العالم، حيث باتت أجهزة الألعاب المنزلية تدفع ثمن المنافسة على كل غيغابايت من الذاكرة.
المصدر: رويترز


