الخلفية:

بعد 80 عاما.. الحمض النووي يكشف هوية ضحية هيروشيما

أنهت تقنية DNA (دي إن إيه) لغز هوية مراهقة يابانية قُتلت في قصف هيروشيما الذري قبل نحو 80 عاما، بعدما تأكد أن بقاياها تعود إلى الطفلة هاتسوئي كاجياما التي كانت في عمر 13 عاما عند إسقاط القنبلة الذرية الأميركية Little Boy (ليتل بوي) في السادس من أغسطس 1945 خلال الحرب العالمية الثانية.

العائلة حصلت أخيرا على إجابة كانت تبحث عنها منذ عقود، بعد أن نجح الخبراء في مطابقة الحمض النووي المستخرج من خصلات شعر محفوظة مع الحمض النووي لشقيقة هاتسوئي على قيد الحياة.

طالبة بقيت في هيروشيما وهلكت مع زميلاتها

كانت هاتسوئي طالبة في السنة الثانية بإحدى مدارس البنات الثانوية، وبخلاف والديها وإخوتها الذين انتقلوا مطلع 1945 إلى منشوريا الخاضعة آنذاك للاحتلال الياباني، قررت البقاء في هيروشيما مع جدتها هارو حتى تكمل دراستها.

كانت تكتب لعائلتها رسائل منتظمة تخبرهم فيها بأنها تدرس بجد لتنجح في الاختبارات، وتشكو أحيانا من أن غارات الطيران تعطل قدرتها على المذاكرة. وفي صباح 6 أغسطس كانت ضمن نحو 360 طالبة جرى استدعاؤهن لهدم بعض المباني لإنشاء فواصل عازلة للحرائق تحسبا لغارات أميركية.

كانت الفتيات يعملن على بعد يقارب كيلومترا واحدا من مركز الانفجار في منطقة ناكاجيما شينماتشي، عندما انفجرت القنبلة الذرية فوق المدينة. أغلب الطالبات لقين حتفهن في الحال بسبب موجة الحرارة والإشعاع الهائلة، كما قُتلت الجدة هارو في الانفجار نفسه.

بعد الحرب عاد أفراد الأسرة إلى هيروشيما وبحثوا طويلا عن بقايا هاتسوئي وجدتها في المستشفيات والمقابر الجماعية دون جدوى، وظلت الأسرة لعقود لا تعرف أين دُفنت الطفلة.

تعرف متأخر على الجدة يفتح باب الأسئلة

في عام 2021 حددت سلطات هيروشيما هوية رفات الجدة هارو بين آلاف الضحايا المجهولين المحفوظين في متنزه هيروشيما التذكاري للسلام، ما أعطى العائلة بعض العزاء. لكن ذلك دفع ابنها شوجي كاجياما، البالغ الآن 60 عاما، للتساؤل عما إذا كانت هناك رفات أخرى تحمل هوية خاطئة يمكن أن تعود لعمته هاتسوئي.

خلال مراجعة السجلات اكتشفت العائلة أن هناك بقايا محفوظة على أنها تخص “أخت هاتسوئي”، وأن هذه البقايا تتضمن خصلات شعر. ورغم أن المدينة كانت تتجنب لسنوات إجراء تحاليل جينية لرفات محروقة لصعوبة استخراج الحمض النووي منها، فإن وجود الشعر فتح نافذة جديدة لإجراء فحص دقيق.

شوجي يقول إن طلب التحليل لم يكن قرارا سهلا، لأنه خشي من ألا تسفر النتائج عن تطابق، لكنه أضاف أنه أراد أن يمنح عائلته، وغيرها من العائلات التي تعيش المأساة نفسها، فرصة لمعرفة مصير أحبائهم.

خصلات شعر محفوظة تكشف الحقيقة بعد عقود

بناء على طلبه، أرسل مسؤولو المدينة خصلات الشعر إلى خبراء الطب الشرعي في جامعة كاناغاوا لطب الأسنان في أواخر نوفمبر 2025. هناك تمكن فريق بقيادة الخبير هيروشي أوهيرا، أستاذ مشارك في طب الأسنان الشرعي، من استخراج الحمض النووي من الشعر ومقارنته بعينة من الحمض النووي لشقيقة هاتسوئي الصغرى، التي تبلغ اليوم 91 عاما.

النتيجة أظهرت عدم وجود أي تعارض جيني، ما يعني وجود صلة قرابة مباشرة وتأكيد أن الرفات تعود لهاتسوئي نفسها. الجامعة أوضحت أن هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها تحديد هوية إحدى ضحايا القنبلة الذرية اعتمادا على حمض نووي مستخرج من الشعر.

أوهيرا قال إن خصلات الشعر كانت في حالة جيدة وما زالت تحتفظ ببعض اللمعان، موضحا أن حفظها في حاوية محكمة الإغلاق ومنع تعرضها للهواء الخارجي ساعد على حمايتها من التلف لعشرات السنين، وجعل التحليل ممكنا.

إغلاق لجرح إنساني استمر 80 عاما

في 13 ديسمبر 2025 تواصل مسؤولو المدينة مع شوجي لإبلاغه بشكل رسمي بنتائج الفحوص وتأكيد أن الرفات تعود لعمته. هذا الاتصال أنهى سنوات طويلة من الغموض لعائلة حملت شعورا ثقيلا بالذنب والخسارة.

تقارير محلية ذكرت أن والدة هاتسوئي ظلت لسنوات تعبر عن ندمها لأنها لم تُصر على أن تغادر ابنتها الكبرى هيروشيما مع بقية أفراد الأسرة قبل القصف. شوجي يقول إن والده تلقى قبل وفاته عام 2023 نبأ التعرف على رفات والدته، لكنه رحل دون أن يعرف أن رفات ابنته أيضا قد عُثر عليها.

الأسرة تتوقع أن تستلم رفات هاتسوئي رسميا في وقت مبكر من العام المقبل، لتتمكن أخيرا من إقامة مراسم وداع تليق بها في قبر عائلي واحد يجمعها بجدتها.

قصة هاتسوئي تسلط الضوء على قدرة تقنيات الطب الشرعي والحمض النووي الحديثة على إعادة الأسماء والهوية لضحايا الكوارث والحروب حتى بعد مرور عقود طويلة، وتمنح عائلاتهم فرصة متأخرة لكنها ثمينة لإغلاق ملف الفقدان دون أثر.

المصدر: Interesting Engineering

 

 

اقرأ أيضاً