الخلفية:

التريليون الصيني: الذكاء الاصطناعي من اقتصاد واعد إلى أمن قومي

في إعلان يحمل أبعادًا تتجاوز الاقتصاد إلى صلب الأمن القومي، كشفت بكين عن قفزة تاريخية في قطاع الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن السباق العالمي لم يعد يدور حول “من يطوّر النموذج الأفضل”، بل حول “من يمتلك السيطرة الكاملة على التكنولوجيا”.

وخلال المؤتمر الوطني للصناعة وتكنولوجيا المعلومات، أعلنت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية (MIIT) أن قيمة صناعة الذكاء الاصطناعي الأساسية في البلاد بلغت 1.2 تريليون يوان، أي ما يعادل تقريبًا 142 إلى 170 مليار دولار أميركي، لتكسر الصين للمرة الأولى حاجز التريليون يوان في هذا القطاع.

قفزة تقودها المصانع لا المختبرات

هذا الرقم لا يمثل مجرد نمو سنوي، بل يعكس تحولًا هيكليًا في الاقتصاد الصيني. فبحسب البيانات الرسمية، جاء هذا النمو مدفوعًا بدمج الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر في الصناعة التحويلية التقليدية، وليس فقط في البرمجيات أو الخدمات الرقمية.

وتشير الأرقام إلى أن الصين أصبحت أكبر مالك لبراءات اختراع الذكاء الاصطناعي في العالم، بحصة تقارب 60% من الإجمالي العالمي، كما تحتضن البلاد أكثر من 504 آلاف شركة عالية التقنية، إلى جانب مئات الآلاف من الشركات الصغيرة والمتوسطة المتخصصة في الابتكار الصناعي، بالإضافة إلى أن الذكاء الاصطناعي بات مدمجًا في 26% من خطوط التصنيع الكبرى داخل الصين خلال عام 2025 وحده.

خارطة طريق 2026: الاستقلال عن الغرب

الأكثر أهمية في إعلان الصين في 26 ديسمبر 2025 لم يكن الرقم ذاته، بل ما رافقه من كشف رسمي عن “خارطة طريق 2026”، التي تضع هدفًا واضحًا وهو  الاستقلال التقني الكامل عن سلاسل التوريد الغربية، وعلى رأسها الرقائق المتقدمة.

وبحسب ما أعلنته بكين فإن الحكومة الصينية تدرس ضخ حوافز تصل إلى 70 مليار دولار لدعم صناعة الرقائق المحلية وتطوير تقنيات الليثوغرافيا المتقدمة، في واحدة من أكبر حزم الدعم الصناعي في تاريخ البلاد.

وشدد وزير الصناعة الصيني لي له تشنغ على مبدأ “التحكم الذاتي”، مؤكدًا أن سلاسل التوريد يجب أن تكون “مستقلة وقابلة للتحكم”، تحسبًا لأي قيود خارجية مستقبلية.

شركات صينية مثل Cambricon وDeepSeek بدأت بالفعل في إنتاج رقائق ذكاء اصطناعي محلية، تُنافس في كفاءتها ما توفره الشركات العالمية داخل السوق الصيني.

من “الدردشة” إلى “الذكاء المُجسّد”

بعكس الصورة النمطية المرتبطة بنماذج الدردشة والذكاء التوليدي، كشفت التقارير أن سر التقدم الصيني يكمن في التحول نحو ما يُعرف بـ “الذكاء المُجسّد” (Embodied AI)، أي الذكاء المرتبط بالروبوتات والآلات والبيئة الفيزيائية.

وفي هذا السياق استقطب قطاع الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تمويلات تجاوزت 40 مليار يوان (نحو 5.6 مليارات دولار) خلال عام 2025 فقط كما بات الذكاء الاصطناعي حاضرًا في المصانع، والمخازن، وسلاسل الإمداد، لا في الشاشات فقط.

الصين وأمريكا: فلسفتان مختلفتان للإنفاق

يأتي هذا الإعلان في وقت يشهد العالم ما يمكن وصفه بـ حرب استثمارات بين القطبين التكنولوجيين ففي الولايات المتحدة تجاوز إنفاق الشركات الأميركية الكبرى، مثل مايكروسوفت وجوجل وأوبن أيه آي 110 مليارات دولار في 2025، مع تركيز واضح على تدريب النماذج العملاقة وبناء مراكز بيانات ضخمة تعتمد بشكل أساسي على رقائق إنفيديا.

وفي الصين رغم أن الرقم الإجمالي أقل إلا أن استثماراتها موجهة بشكل مباشر إلى البنية التحتية الصناعية والاستقلال التقني، مع نمو سنوي في الاستثمار بلغ 48% خلال عام واحد.

ويكمن الفارق الجوهري في أن النموذج الصيني يسعى لتحقيق نتائج قريبة من الأداء الأميركي، لكن بتكلفة أقل وبكفاءة أعلى، حيث تشير تقديرات إلى أن النماذج الصينية تحقق نحو 90% من الأداء باستخدام موارد أقل بكثير.

الرسالة السياسية خلف الأرقام

يأتي إعلان بكين في نهاية عام شهد إحكاما غير مسبوق للقيود الأميركية على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين. والرسالة التي أرادت بكين إيصالها هي أن

“الضغوط لم تُبطئنا، بل سرعت ابتكارنا المحلي” . 

وبحلول عام 2026، لا تستهدف الصين الاكتفاء الذاتي فحسب، بل تسعى أيضًا إلى تصدير معاييرها الخاصة للذكاء الاصطناعي، بوصفه آمنًا، قابلًا للتحكم، ومتكاملًا مع الاقتصاد الحقيقي.

بينما لا تزال الولايات المتحدة تمثل مختبر العالم في تطوير النماذج اللغوية العملاقة، تكرّس الصين موقعها بوصفها مصنع الذكاء الاصطناعي العالمي، حيث يتحول الذكاء من خوارزميات على الورق إلى قيمة اقتصادية ملموسة في المصانع والشوارع.

السباق لم يُحسم بعد، لكنه دخل رسميًا مرحلة جديدة وهي مرحلة السيادة الرقمية.

اقرأ أيضاً