الخلفية:

سفن “Trump-class” بين طموح ترامب وواقع البحرية الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترامب

الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن عن خطة لبناء فئة جديدة من السفن الحربية الضخمة تحت اسم Trump-class (ترامب كلاس)، في محاولة لإعادة إحياء صورة “الـBattleship” أي البوارج الحربية التقليدية في الأسطول البحري للولايات المتحدة. المشروع الذي يقدَّم كجزء من مبادرة Golden Fleet (غولدن فليت أو الأسطول الذهبي) يَعِد بسفن تتجاوز إزاحتها 30,000 طن، مزودة بصواريخ فرط صوتية و”Railgun (ريل غن)” وليزر عالي الطاقة، لكن خبراء الدفاع يرون أن الطريق بين التصور والواقع مليء بالعقبات التقنية والمالية والاستراتيجية.

إعلان من مارالاغو ورسالة قوة ورمزية

خلال فعالية في مقر Mar-a-Lago (مارالاغو) في ولاية فلوريدا، عرض ترامب ملصقات ضخمة لسفينة مقترحة تحمل اسم USS Defiant (يو إس إس ديفاينت) وهي تشق البحر وتطلق شعاع ليزر من سطحها، مع صورة أخرى تمر فيها السفينة قرب تمثال الحرية، وأخرى للرئيس رافعًا قبضته في لقطة تذكّر بلحظة نجاته من محاولة اغتيال عام 2024.

ترامب وصف السفن الجديدة بأنها “الأسرع والأكبر والأقوى مئة مرة من أي بارجة تم بناؤها”، وقال إن البحرية ستبدأ بسفينتين مع إمكانية الوصول إلى أسطول من 20 إلى 25 سفينة، مؤكدا أن كل السفن ستُبنى بالكامل داخل الولايات المتحدة لتوفير “آلاف الوظائف” للأميركيين.

مواصفات قتالية طموحة لسفينة عملاقة

مدمرة من طراز Arleigh Burke (آرلي بيرك)
مدمرة من طراز Arleigh Burke (آرلي بيرك)

وفق المواد الرسمية، من المخطط أن تكون سفن Trump-class سفن قتال سطحي كبيرة بوزن بين 30,000 و40,000 طن، لتتجاوز بذلك المدمرات الحالية مثل Arleigh Burke (آرلي بيرك) التي تبلغ إزاحتها نحو 9,900 طن فقط. السفن الجديدة يُفترض أن تحمل مزيجًا من:

مدافع تقليدية كبيرة.

صواريخ كروز وصواريخ دفاع جوي عبر خلايا إطلاق Mk41 (إم كيه 41) بعدد يصل إلى 128 خلية تقريبًا.

صواريخ فرط صوتية ونووية بحسب الطرح السياسي.

نظام Railgun (ريل غن) بقدرة 32 ميغا جول بمدى نظري قد يصل إلى 150 – 200 كيلومتر.

منظومات ليزر دفاعية عالية الطاقة.

رسميا، تقول البحرية إن هذه القدرات ستجعل USS Defiant “أكبر وأفتك وأكثر السفن الحربية سطحا تنوعا”، وأنها ستخلف مشروع المدمرة المستقبلية DDG(X) (دي دي جي إكس) مع دمج القدرات المخطط لها لذلك البرنامج داخل هيكل السفينة الجديدة.

صدام مع عقود من تطور العقيدة البحرية الأميركية

المشكلة الأساسية ليست في الاسم بل في الفلسفة. منذ عقود، تخلت البحرية الأميركية عمليا عن مفهوم “Battleship” البوارج الثقيلة لصالح carrier strike groups (مجموعات حاملة الطائرات) ومدمرات وطرادات صاروخية موزَّعة القوة، قادرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى دون أن تتحول إلى هدف واحد ضخم. اضافتاً الى الغواصات النووية ذات مزايا شبحية.

الخبير Mark Cancian (مارك كانسيان) من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS (سي إس آي إس) اعتبر في تعليق نشر في ديسمبر أن السفينة “لن تبحر أبدا”، متوقعا أن أي إدارة مستقبلية ستلغي البرنامج قبل أن تصل أول سفينة إلى الماء، بسبب طول زمن التصميم، وتضخم التكلفة، وتعارض الفكرة مع استراتيجية “توزيع القوة النارية” بدل تركيزها على عدد قليل من الأهداف الباهظة.

الخبير Bernard Loo (برنارد لو) من RSIS (آر إس آي إس) في سنغافورة وصف المشروع بأنه “مشروع هيبة” أكثر من كونه استجابة حقيقية لمتطلبات المعركة الحديثة، وشبّهه بسفن Yamato (ياماتو) وMusashi (موساشي) اليابانية العملاقة في الحرب العالمية الثانية، التي تحولت إلى “مغناطيس قنابل” ودُمّرت قبل أن تلعب دورا حاسما.

تكلفة فلكية مقارنة بالمدمرات الحالية

تحليلات دفاعية مثل تقرير Defense Express (ديفنس إكسبرس) تشير إلى أن تكلفة سفينة واحدة من Trump-class قد تتراوح بين 10 و15 مليار دولار، أي في مستوى حاملة الطائرات النووية Gerald R. Ford (جيرالد آر فورد) التي تكلّف نحو 12.8 مليار دولار. في المقابل، تبلغ تكلفة مدمرة Arleigh Burke Flight III (آرلي بيرك فلاب 3) حوالي 2.7 مليار دولار.

هذا يعني أن ثمن بارجة واحدة يمكن أن تمول بناء 4 إلى 5 مدمرات من طراز آرلي بيرك، بقوة صاروخية إجمالية تصل إلى 384 – 480 صاروخا من خلايا Mk41، أي أكثر بنحو 3 إلى 3.75 مرات من حمولة سفينة ترامب المقترحة، مع توزيع القوة على منصات أكثر وأصعب استهدافا.

إضافة إلى تكلفة البناء، يحذر الخبراء من أعباء تشغيل وصيانة أطقم كبيرة لسفن بهذا الحجم، في وقت تعاني فيه البحرية بالفعل من ضغط على الميزانية وتأخيرات مزمنة في برامج مثل المدمرة Zumwalt-class (زوموالت كلاس) والفرقاطة Constellation-class (كونستليشن كلاس) التي أُلغيت لاحقا.

تكنولوجيا غير ناضجة بالكامل للبحر المفتوح

جانب آخر من الانتقادات يركز على أن عددا من الأنظمة التي يروّج لها المشروع لا تزال إما تجريبية أو محدودة الاستخدام. برنامج railgun البحري واجه على مدى أكثر من 15 عاما استثمارات ضخمة قبل أن تتخلى البحرية عنه عام 2021 لاعتبارات الكلفة والجدوى. أنظمة الليزر حققت بعض النجاحات، لكن نشرها لا يزال محدودا، غالبا في مهام إسقاط طائرات مسيّرة أو قوارب صغيرة.

إلى جانب ذلك، يثير الحديث عن صواريخ كروز نووية تساؤلات قانونية وسياسية تتعلق بالمعاهدات والضوابط الدولية، بينما تنحو العقيدة الأميركية الحديثة نحو مزيد من المرونة والقدرة على توزيع القوة النارية بين منصات متعددة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والسفن الأصغر.

فرصة لصالح الصين وروسيا أم ورقة ردع جديدة؟

من زاوية المنافسين، ترى تحليلات أن استثمار عشرات المليارات في عدد صغير من السفن الضخمة قد يكون خبرا سعيدا لخصوم واشنطن. فالصين تمتلك بالفعل عددا أكبر من القطع السطحية، وتركز على مدمرات مثل Type 055 (تايب 055) ذات 112 خلية إطلاق لكل سفينة، مع خطط لبناء 16 وحدة، فيما يعتمد الأسطول الروسي تقليديا على الغواصات لضرب مجموعات حاملات الطائرات والأهداف عالية القيمة.

مدمرة من طراز Type 055 (تايب 055) الصينية
مدمرة من طراز Type 055 (تايب 055) الصينية

الفكرة الأساسية هنا أن سفن Trump-class، بحجمها وتكلفتها وقيمتها الرمزية، قد تتحول إلى أهداف استراتيجية من الدرجة الأولى في أي نزاع، ما يجعلها بحاجة إلى طبقات هائلة من الدفاع الجوي والبحري، ويطرح سؤالا حول ما إذا كانت إضافة صافية للقوة، أم عبئا مكلفا على أسطول يحتاج أساسا إلى عدد أكبر من السفن المتوسطة والمرنة.

في المقابل، يدافع مؤيدو المشروع في الإدارة الحالية مثل وزير البحرية John Phelan (جون فيلان) ووزير الحرب Pete Hegseth (بيت هيغسث) عن رؤية تعتبر أن استعراض القوة البحرية عبر “أسطول ذهبي” من السفن الضخمة قد يعيد الردع النفسي والعسكري معا، ويمنح الولايات المتحدة رمزا معاصرا لقوة بحرية شبيهة بما كانت تمثله سفن Iowa-class (آيوا كلاس) في القرن العشرين.

بين الرمزية الانتخابية والجدوى العسكرية

في ضوء كل هذه العوامل، يميل كثير من المحللين إلى اعتبار مشروع Trump-class حتى الآن أقرب إلى رسالة سياسية ورمزية عن “استعادة العظمة البحرية الأميركية” أكثر من كونه برنامجا واقعيا مكتمل الأركان. فالتناقض بين العقيدة الحديثة للبحرية، وضخامة التكاليف، والشكوك حول التقنيات الموعودة، يجعل من الصعب تصور رؤية أول سفينة من هذا الطراز تبحر قبل ثلاثينيات القرن الحالي، إن تم المضي فعلا في كل مراحل المشروع.

لكن مجرد طرح فكرة إعادة إحياء البوارج في عصر الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي يفتح نقاشا مهما حول مستقبل القوة البحرية الأميركية: هل تذهب أكثر باتجاه سفن أصغر وأكثر عددا ومنصات مسيّرة موزَّعة، أم تعود إلى رمزية السفن العملاقة التي تحمل كل شيء فوق سطح واحد؟

لاسيما أن في حرب روسيا وأكرانيا، اثبتت ان الطائرات المسيرة التي لا يتعدى ثمنها 2000 دولار يمكنها تعطيل أو تدمير دبابات ومدرعات ومنصات صواريخ تقدر بعشرات الملايين من الدولارات.

في كل الأحوال، ستبقى Trump-class خلال السنوات المقبلة عنوانا لجدل محتدم بين من يرون فيها قفزة إلى الخلف في تاريخ الحروب البحرية، وبين من يقدّمونها على أنها استثمار في ردع بصري وناري يعيد للبحرية الأميركية صورتها كأقوى قوة بحرية على وجه الأرض.

المصدر:  Pentagon News (بنتاغون نيوز)

اقرأ أيضاً