تتحرك اليابان بسرعة غير مسبوقة لإعادة تشكيل قدراتها العسكرية، بعد أن وافق مجلس الوزراء على ميزانية دفاع قياسية تتجاوز 9 تريليونات ين (حوالي 58 مليار دولار)، بهدف تعزيز قدرات “الضربة المضادة”، حماية السواحل، وتوسيع الاعتماد على الحرب غير المأهولة عبر المسيرات البحرية والجوية والبرية.
هذه الخطوة تأتي ضمن خطة خمسية لمضاعفة الإنفاق العسكري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، في تحول تاريخي لبلد عاش لعقود تحت مظلة عقيدة دفاعية صارمة بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تصاعد القلق من الصين واحتمال اندلاع صراع في مضيق تايوان.
من دفاعي إلى هجومي: صواريخ بعيدة المدى في قلب العقيدة الجديدة
تسعى اليابان للانتقال من وضعية الدفاع البحت إلى امتلاك قدرة “الضربة الاستباقية” أو “الضربة المضادة” ضد منصات إطلاق الصواريخ المعادية بعيدًا عن أراضيها. الميزانية الجديدة تموّل برنامجًا واسعًا لتطوير وشراء صواريخ بعيدة المدى وفرط صوتية قادرة على ضرب أهداف خارج مدى دفاعات العدو.
في قلب هذه الخطة تقف قدرات Stand-off Defense (الدفاع من مسافة آمنة)، عبر صواريخ كروز جديدة وأنظمة فرط صوتية، من بينها النسخة المطوّرة من صاروخ Type-12 (تايب 12) للإطلاق من البر والسفن، وأنظمة صواريخ تُطلق من الغواصات، إلى جانب مشروع Hyper Velocity Gliding Projectile (قذيفة انزلاقية عالية السرعة) كسلاح فرط صوتي يهدف لاختراق الدفاعات الصينية.
إلى جانب ذلك، تمضي اليابان في شراء حزمة من الصواريخ الأميركية مثل Tomahawk (توماهوك)، وهو صاروخ كروز بعيد المدى يُطلق من منصات بحرية وبرية، وJoint Strike Missile (جوينت سترايك ميسايل)، وهو صاروخ جو–سطح مضاد للسفن والأهداف البرية، وJoint Air-to-Surface Stand-off Missile (جوينت إير تو سيرفس ستاند أوف ميسايل)، وهو صاروخ جو–أرض بعيد المدى، لمقاتلات F-15 (إف 15)، ما يمنح طوكيو قدرة ضرب أهداف بعيدة على البر والبحر في حال اندلاع نزاع واسع.
المسؤولون في طوكيو يؤكدون أن هذه القدرات الهجومية تهدف إلى الردع، عبر جعل أي هجوم على اليابان مكلفًا للغاية وإجبار الخصم المحتمل على التفكير مرتين قبل الاقتراب من جزرها.
درع صاروخي متعدد الطبقات ضد الصواريخ الباليستية والفرط صوتية
بالتوازي مع قدرات الهجوم البعيد، تضخ اليابان مليارات الدولارات في تعزيز شبكة دفاع صاروخي و جوي متعددة الطبقات، لمواجهة تهديدات صواريخ الصين وكوريا الشمالية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والصواريخ الفرط صوتية.
الخطة تشمل شراء رادارات متقدمة قادرة على تتبع الأهداف الباليستية والفرط صوتية، وسفن مزودة بنظام Aegis (إيجيس)، وتحديث صواريخ Type-03 (تايب 03) متوسطة المدى أرض–جو، إلى جانب صواريخ SM-3 Block IIA (إس إم 3 بلوك 2 إيه) ومنظومات Patriot (باتريوت) أميركية الصنع.
الهدف هو خلق “مظلة” دفاعية تغطي الجزر اليابانية وسلاسل الجزر الجنوبية الغربية القريبة من تايوان، بحيث يصبح اختراق الأجواء اليابانية أكثر كلفة وخطورة بالنسبة لأي خصم.
شبكة SHIELD: مسيرات في الجو والبحر والأعماق
جزء محوري من الميزانية الجديدة يذهب إلى بناء شبكة مسيرات قتالية واستطلاعية واسعة تحمل اسم SHIELD (شيلد)، اختصارًا لـ Synchronized, Hybrid, Integrated, and Enhanced Littoral Defense (الدفاع الساحلي المتزامن الهجين المتكامل والمعزّز).
تحت مظلة SHIELD تخطط اليابان لنشر أسراب من UAVs (طائرات بدون طيار)، وUSVs (زوارق سطحية غير مأهولة)، وUUVs (مركبات تحت مائية غير مأهولة)، لتأمين السواحل والجزر البعيدة ومواجهة أي محاولة إنزال أو توغل بحري في المناطق الحساسة.
الشبكة تشمل تشكيلة من 10 منصات مسيّرة، من بينها مسيرات هجومية صغيرة، مسيرات تُطلق من السفن، مسيرات مضادة للسفن، ومسيرات مخصصة لحماية مواقع الرادار، إلى جانب زوارق ومركبات تحت مائية متعددة الأغراض.
كما تخطط طوكيو لشراء مسيرات استطلاع بعيدة المدى لرصد السفن الحربية في أعالي البحار، مثل MQ-9B Sea Guardian (إم كيو 9 بي سي غارديان)، إلى جانب مسيرات متخصصة في جمع معلومات الأهداف، ومسيرات لكشف العوائق الساحلية وتحت الماء، في إطار الانتقال إلى حرب مسيّرات واسعة النطاق.
استثمار مكثف في الفضاء والسيبر والدفاع متعدد المجالات
الميزانية الدفاعية القياسية لا تقتصر على الصواريخ والمسيرات، بل تمتد إلى بناء قدرات “متعددة المجالات” تشمل الفضاء والاتصالات والأمن السيبراني، لضمان استمرار القيادة والسيطرة حتى في حال التعرض لهجمات إلكترونية أو تشويش.
الخطة تتضمن استثمارات كبيرة في الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، أنظمة مراقبة الفضاء، وتعزيز وحدات الدفاع السيبراني، حتى تتمكن القوات اليابانية من العمل بفعالية في بيئة قتال مليئة بالتشويش والتضليل الإلكتروني.
كما تشمل حزمة المشتريات أسلحة موجهة للطاقة مثل High-Energy Lasers (ليزرات عالية الطاقة) وHigh-Power Microwave Systems (أنظمة الموجات الميكروية عالية القدرة) لاعتراض المسيرات، وأنظمة حرب إلكترونية من طراز Type-24 (تايب 24)، وطائرات استطلاع للاستخبارات الإشارية، ومدرعات هاون ذاتية الحركة، وصواريخ متعددة الأغراض مطوّرة.
على مستوى المنصات التقليدية، تموّل الخطة فرقاطات جديدة من طراز FFM (إف إف إم)، وسفن دورية، وغواصة، وسفن كاسحات ألغام، وطائرات استطلاع بحرية P-1 (بي 1)، ومروحيات بحرية SH-60L (إس إتش 60 إل)، ومقاتلات F-35A وF-35B (إف 35 إيه وبي)، وطائرات تزويد بالوقود ونقل KC-46A (كيه سي 46 إيه)، ومروحيات نقل متعددة المهام UH-2 (يو إتش 2).
قلق صيني وتحذيرات من سباق تسلّح في شرق آسيا
تصر اليابان على أن هذا التوسع العسكري مخصص للدفاع والردع، وأنه رد على بيئة أمنية أكثر خطورة في منطقة المحيطين الهندي والهادي، لا سيما مع تنامي القوة البحرية الصينية واحتمال تطور أزمة تايوان إلى صراع مفتوح.
لكن الصين ترى في هذه التحولات ذريعة لسباق تسلّح جديد في شرق آسيا. محللون صينيون يحذرون من أن توسيع القدرات الهجومية اليابانية، وتكثيف التعاون العسكري مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين، سيدفع المنطقة إلى منطق “الحرب الباردة” مجددًا، ويقلص مساحات “المناطق العازلة” في البحار المحيطة، خصوصًا في بحر الصين الشرقي ومضيق تايوان.
ويتوقع خبراء أن تؤدي هذه التحركات إلى مزيد من عسكرة الجزر الجنوبية الغربية اليابانية، ما يرفع احتمالات الاحتكاك العسكري ويقوّض الثقة المتبادلة في منطقة تعيش أصلًا على وقع أزمات حدودية وبحرية متراكمة.
مع ذلك، ترى طوكيو أن كلفة عدم الاستعداد ستكون أعلى بكثير من كلفة الاستثمار في الردع، وأن تجاهل المخاطر المحيطة بتايوان والصين وكوريا الشمالية لم يعد خيارًا واقعيًا.
في المحصلة، تعكس الميزانية الدفاعية القياسية الجديدة أن اليابان غادرت عمليًا مرحلة “ما بعد الحرب” التقليدية، ودخلت حقبة أمنية جديدة أكثر تسلّحًا وتوترًا، حيث تسعى لردع الصين وحماية مصالحها بالتوازي مع تعزيز تحالفها الدفاعي مع الولايات المتحدة.
المصدر: Interesting Engineering


