الخلفية:

سباق أسلحة الليزر العسكرية في 2025 يعيد رسم خطط الدفاع

اختبار سلاح ليزر DragonFire (دراجون فاير) في ميدان هيبريدز للرماية في اسكتلندا عام 2024، حيث يظهر شعاع الليزر ينطلق من منصة الإطلاق لاختبار دقة النظام في إسقاط طائرات مسيرة بسرعة عالية.

تشهد الولايات المتحدة وحلفاؤها ومعهم الصين سباقا جديدا من نوع مختلف في عام 2025، ليس بالصواريخ فقط بل بأسلحة تعتمد على الضوء المركز:أسلحة الليزر وDirected Energy Weapons (أسلحة الطاقة الموجّهة) التي أصبحت أداة رئيسية لمواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ والطائرات منخفضة التحليق بكلفة أقل وسرعة استجابة أعلى.

بعد عقود من بقاء الليزر في خانة الخيال العلمي أو المشاريع التجريبية، أصبحت أنظمة ليزر قتالية تعمل فعليا في الخدمة لدى خمس قوى رئيسية هي: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل وأستراليا والصين، مع تركيز خاص على إسقاط الطائرات المسيرة والتحصن ضد هجمات الإغراق بالأهداف الرخيصة.

من فكرة قديمة إلى سلاح عملي على جبهات القتال

فكرة استخدام الضوء كسلاح تعود إلى أكثر من ألفي عام في الحكايات القديمة عن استخدام المرايا لعكس أشعة الشمس على سفن معادية، لكن التحول الحقيقي بدأ مع اختراع الليزر في ستينيات القرن الماضي، ثم دخول الجيوش مرحلة التجارب الجادة في السبعينيات والثمانينيات.

في عام 1999 اعترفت وزارة الحرب الأميركية رسميا بليزرات القتال كقدرة مستقبلية مهمة، وفي 2003 تم استخدام نظام ليزري في أفغانستان لتفجير عبوات من مسافة آمنة. بقي العائق الأكبر هو الطاقة والتكلفة، قبل أن تسمح طفرة الإلكترونيات والطاقة عالية الكفاءة في السنوات الأخيرة بتحويل هذه الأنظمة من تجارب مخبرية إلى قدرات ميدانية.

اليوم، تغيّرت المعادلة: الليزر أصبح سلاحا عملانيا على السفن والآليات والمنصات البرية، مع قدرة على اعتراض أهداف متعددة بسرعة الضوء تقريبا وبتكلفة لكل طلقة لا تقارن بالصواريخ الاعتراضية التقليدية.

أمريكا… برنامج SONGBOW البحري بقدرة 400 كيلوواط

تطوّر البحرية الأميركية ضمن برنامج SONGBOW (سونغ بو) ما يمكن أن يصبح أول سلاح ليزر بحري بقدرة تصل إلى 400 كيلوواط، عبر دمج عدة وحدات صناعية بقدرة 50 كيلوواط في شعاع واحد عالي الطاقة.

هذا النوع من الليزرات مخصص للتعامل مع أسراب المسيرات، وصواريخ كروز، والأهداف السريعة على مسافات أكبر من الأجيال السابقة، مع ميزة رئيسية هي أن “الذخيرة” هنا عبارة عن كهرباء، ما دام المولد أو مفاعل السفينة يعمل.

بالنسبة لخطط الدفاع الأميركية، يمثل SONGBOW خطوة نحو بناء طبقة إضافية رخيصة وسريعة ضد التهديدات الجوية، خصوصا في بيئات مشبعة بالمسيرات حيث يصبح استخدام صواريخ باهظة الثمن في كل مرة خيارا غير عملي اقتصاديا.

أستراليا… نظام Apollo لإسقاط مئات المسيرات

قدمت شركة EOS (إي أو إس) الأسترالية نظام Apollo (أبولو) والذي يوصف كأحد أكثر أنظمة الليزر كفاءة لمواجهة المسيرات. القدرة المستهدفة تقارب 150 كيلوواط مع إمكانية تدمير ما يصل إلى 200 مسيرة على شحنة بطارية واحدة، مع تغطية دائرية بزاوية 360 درجة ودون الحاجة إلى ذخيرة تقليدية.

بالنسبة للجيوش، يعني ذلك إمكانية نشر منصات دفاع نقطي قادرة على حماية قواعد أو مواقع حساسة من هجمات “سرب المسيرات” بتكلفة تشغيلية منخفضة، وهو توجه نراه يتكرر في معظم برامج الليزر العسكرية الجديدة.

Iron Beam يدخل الخدمة القتالية

نشرت إسرائيل ما تصفه بأنه أول ليزر قتالي عملي باسم Iron Beam (آيرون بيم)، وهو نظام ليزري أرضي مخصص لاعتراض المسيرات والقذائف الصاروخية والهاون خلال ثوانٍ.

يأتي Iron Beam كجزء مكمل لمنظومة Iron Dome (القبة الحديدية)، لكنه يعتمد على شعاع ليزر بدلا من الصواريخ، ما يجعل تكلفة الاعتراض أقل بكثير، خصوصا في حالة الرشقات الكثيفة التي تُرهق مخزون الصواريخ الاعتراضية.

من منظور استراتيجي، تحاول إسرائيل عبر Iron Beam تخفيض كلفة الدفاع عن الأجواء في مواجهة صواريخ قصيرة المدى ومسيرات رخيصة الثمن، وهو تحدي تواجهه جيوش أخرى في المنطقة مع انتشار الطائرات المسيرة انتحارية منخفضة الكلفة.

المملكة المتحدة… DragonFire يضرب الأهداف بـ 13 دولارا فقط

اختبرت المملكة المتحدة نظام DragonFire (دراجون فاير) وأعلنت طلبه للاستخدام العسكري. في التجارب تمكن الليزر من إسقاط مسيرات تتحرك بسرعات تقارب ضعف سرعة سيارات Formula 1 (فورمولا 1)، مع دقة تكفي لإصابة هدف بحجم قطعة نقدية على مسافة كيلومتر واحد.

الملفت أكثر هو الكلفة: كل طلقة يقدّر ثمنها بحوالي 10 جنيهات إسترلينية، أي ما يقارب 13 دولارا، مقارنة بآلاف أو عشرات آلاف الدولارات لصاروخ اعتراضي واحد. هذا الفارق يجعل DragonFire خيارا جذابا للبحرية والجيش البريطانيين على المدى المتوسط.

الصين… نظام LY-1 في سباق التفوق على الليزرات الأميركية

قدمت الصين نظام LY-1 (إل واي 1) وتقول إنه يتفوق على أنظمة أميركية موجهة لمواجهة المسيرات والطائرات منخفضة الارتفاع مثل أنظمة ELIOS (إيليوس).

تم نشر هذه الليزرات على سفن تابعة لبحرية جيش التحرير الشعبي وكذلك اختبارها على البر، في سياق سباق تسلح متصاعد بين بكين وواشنطن للحصول على أنظمة طاقة موجهة أكثر قوة، وأعلى دقة، وأقل كلفة لكل عملية اعتراض.

تركّز الصين على استخدام الليزرات ضمن طبقات دفاع متعددة حول سفنها وقواعدها، بالتكامل مع صواريخ الدفاع الجوي ورادارات متقدمة، في محاولة لتقليل تأثير المسيرات والصواريخ الرخيصة على أساطيلها.

ماذا تعني أسلحة الليزر لجيوش المنطقة والعالم العربي؟

بالنسبة للدول العربية، دخول الليزر مرحلة النضج العسكري يطرح أسئلة مهمة حول مستقبل الدفاع الجوي. تكلفة إسقاط مسيرة أو قذيفة بصاروخ باهظ الثمن لم تعد معادلة مستدامة في ظل انتشار أسلحة رخيصة ودقيقة.

الليزر يوفر حلا جذابا نظريا: سرعة إصابة قريبة من الفورية، كلفة تشغيلية منخفضة، وقدرة على التعامل مع عدد كبير من الأهداف المتتالية. لكنه في المقابل يتطلب استثمارات ضخمة في الطاقة، والبنية التحتية، والدمج مع أنظمة القيادة والسيطرة، إضافة إلى تحديات الطقس، والدخان، والغبار التي تقلل من فعاليته.

مع ذلك، فإن ما يحدث في 2025 يعطي إشارة واضحة بأن Directed Energy (الطاقة الموجّهة) لن تبقى خيارا ثانويا، بل ستصبح جزءا أساسيا من معادلة الدفاع الجوي وحماية البنى التحتية الحيوية، خصوصا مع تصاعد دور المسيرات في الصراعات الإقليمية.

من الخيال العلمي إلى أداة يومية لمواجهة المسيرات

التطورات الخمس الكبرى في 2025 من SONGBOW الأميركي إلى Iron Beam الإسرائيلي وDragonFire البريطاني وApollo الأسترالي وLY-1 الصيني، تكشف أن الليزر لم يعد مشروعا تجريبيا، بل يتحول بسرعة إلى أداة أساسية في مواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة الكلفة.

ومع استمرار سباق التسلح بين القوى الكبرى، ستجد دول المنطقة نفسها مضطرة لإعادة تقييم منظومات الدفاع الجوي التقليدية والتفكير في مزجها مع طبقات من أسلحة الطاقة الموجّهة، حتى لا تتحول إلى هدف سهل أمام أسراب من المسيرات الرخيصة والصواريخ الذكية.

اقرأ أيضاً