تتعامل روسيا مع الغواصات النووية باعتبارها جوهر قوة الردع الاستراتيجي وأداة التفوق البحري الأكثر حساسية في مواجهة الولايات المتحدة والصين. وخلال الفترة الأخيرة برز مساران متوازيان في الاستراتيجية الروسية تحت سطح البحر: تطوير جيل خامس جديد من الغواصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية ليحل محل فئة Borei (بوراي)، وفي الوقت نفسه تعزيز أسطول الغواصات الهجومية من طراز Yasen‑M / Yasen‑B (ياسِن إم/بي) التي تصفها تقارير غربية بأنها “كابوس” حقيقي لواشنطن وحلفائها.
هذا المزج بين غواصات ردع استراتيجية عميقة الاختفاء وغواصات هجومية صامتة مسلحة بصواريخ فرط صوتية يجعل من القوة البحرية الروسية تحت الماء أحد أكثر ملفات التسلح تعقيداً وقلقاً بالنسبة للغرب.
جيل خامس من الغواصات الاستراتيجية… بديل مستقبلي لفئة بوراي
أكد مساعد الرئيس الروسي ورئيس مجلس إدارة البحرية الروسية نيكولاي باتروشيف أن العمل جارٍ على تطوير جيل جديد بالكامل من الغواصات النووية المسلحة بالصواريخ الباليستية، لتكون الوريث المستقبلي لغواصات Borei التي تشكل اليوم العمود الفقري لقوة الردع النووي البحري الروسية.
باتروشيف أوضح أن البرنامج لا يقتصر على تصميم هيكل جديد فحسب، بل يشمل أيضاً تطوير مركبات تحت مائية ذاتية التشغيل وأنظمة أسلحة تحت سطح البحر وصفها بأنها “لا مثيل لها عالمياً”، في إشارة إلى اتجاه روسي لدمج الغواصات التقليدية مع منصات روبوتية مثل الطوربيدات النووية بعيدة المدى.
حتى الآن دخلت 8 غواصات من فئة Borei الخدمة، مع التخطيط لإضافة 4 وحدات إضافية، لكن التصميمات الأولية للجيل الجديد يجري إعدادها في مكتب Rubin العريق للهندسة البحرية، الذي يحتفل بمرور 125 عاماً على تأسيسه، ما يعكس رمزية الجمع بين الإرث السوفيتي والتوجهات التكنولوجية الأحدث.
تقارير سابقة أشارت إلى أن الغواصة الاستراتيجية من الجيل التالي ستبدأ في استبدال Borei تدريجياً اعتباراً من عام 2037، وأن الرئيس فلاديمير بوتين ألمح بالفعل إلى نجاح اختبارات أنظمة جديدة مخصصة لهذا المشروع، من دون الكشف عن التفاصيل التقنية.
أولوية الردع النووي البحري في سباق مع أميركا والصين
لا يمكن قراءة برنامج الغواصة الروسية من الجيل الخامس بمعزل عن مشاريع موازية لدى القوى الكبرى. في الولايات المتحدة يجري تطوير غواصات Columbia (كولومبيا) الحاملة للصواريخ الباليستية، بينما تعمل الصين على غواصات Type 096 التي يُشاع أنها ستتبنى تقنيات دفع مغناطيسي ومراوح حلقية لتقليل الضجيج بشكل ثوري.
في هذا السياق يبدو أن الهدف الروسي هو منع تآكل مكانة أسطول الغواصات النووية الاستراتيجية، والحفاظ على قدرة توجيه ضربة ثانية مضمونة في أي سيناريو مواجهة نووية. وفي حال تقدمت الصين تكنولوجياً في أنظمة التخفي والدفع الهادئ، قد تلجأ موسكو – كما تلمح بعض التحليلات – إلى الاستفادة من نقل تقنيات صينية معينة، بما ينسجم مع تنامي الشراكة الدفاعية بين البلدين.
ورغم تراجع الوزن النسبي للأسطول السطحي الروسي منذ نهاية الحرب الباردة، فإن أسطول الغواصات ظل يحصل على الأولوية في التمويل والتحديث. روسيا هي الدولة الوحيدة اليوم التي تنتج بالتوازي فئتين استراتيجيتين من الغواصات النووية: Borei الحاملة للصواريخ الباليستية، وفئة Khabarovsk (خاباروفسك) المخصصة لحمل الطوربيد النووي المسير Poseidon (بوسيدون).
بوتين كان قد شدد في أغسطس الماضي على أن غواصات Borei تمنح البحرية الروسية “ميزة واضحة” على الغرب في حال اندلاع حرب نووية، مؤكداً أن الغواصات الاستراتيجية الروسية قادرة على الغوص تحت جليد القطب الشمالي والاختفاء التام عن رادارات الخصم.
Yasen‑B… الغواصة الهجومية التي تقلق البنتاجون
إلى جانب الغواصات الاستراتيجية، تبرز فئة Yasen‑M / Yasen‑B كأحد أكثر الأسلحة البحرية الروسية إثارة لقلق البنتاجون. تقارير مجلة The National Interest تصف هذه الغواصات بأنها ربما الأكثر هدوءاً في العالم، مع قدرة على الاقتراب لمسافات خطيرة من السواحل والأهداف الحيوية من دون أن تُكتشف.
تتميز Yasen‑B بحزمة تسليح هجومي ثقيل، أهم ركائزها إمكانية حمل صواريخ كروز فرط صوتية من طراز Tsirkon / Zircon (تسيركون/زيركون) القادرة – بحسب التقديرات – على الطيران بسرعة تقترب من 9 ماخ، أي أكثر من 11 ألف كيلومتر في الساعة تقريباً، وبمدى يناهز 1000 كيلومتر. هذه السرعة الهائلة، مع قابلية الصاروخ لتنفيذ مناورات حادة وغير متوقعة في منتصف المسار، تجعل اعتراضه مهمة شبه مستحيلة بالنسبة لأنظمة الدفاع الجوي الحالية.
إلى جانب Zircon تستطيع الغواصة حمل صواريخ Kalibr (كاليبر) للهجوم البري وضرب السفن والغواصات، وكذلك صواريخ Oniks (أونيكس) المضادة للسفن، ما يمنحها مرونة كبيرة في تنفيذ ضربات ضد أهداف بحرية وساحلية وبنى تحتية عميقة داخل أراضي الخصم.
تقول التقارير إن هذا المزيج من التخفي الشديد والصواريخ فرط الصوتية يمنح البحرية الروسية “قدرة هجومية قاتلة للغاية” لا تمتلك البحرية الأميركية حتى الآن نظيراً مباشراً لها، إذ لم تدمج واشنطن بعد أسلحة فرط صوتية مماثلة على غواصاتها الهجومية العاملة.
تفوق في التخفي والحرب تحت الماء
سر خطورة Yasen‑B لا يكمن فقط في تسليحها، بل أيضاً في تصميمها وأنظمة استشعارها. فهي مجهزة بنظام سونار كروي متقدم من طراز MGK‑600 Irtysh‑Amfora (إيرتيش‑أمفورا) يسمح برصد الأهداف لمسافات بعيدة مع صعوبة اقتراب غواصات العدو منها من دون اكتشافها.
جسم الغواصة مبني من فولاذ منخفض المغناطيسية لتقليل البصمة في أنظمة السونار المغناطيسية، كما تعتمد تصميماً بهيكل واحد يختلف عن معظم الغواصات الروسية الأخرى، ما يساعد على خفض الضجيج. وتشير التقديرات إلى أن الغواصة قادرة على الإبحار بسرعة تقارب 28 عقدة في وضعية هادئة، أي أسرع من بعض الغواصات الأميركية من فئتي Sea Wolf (سي وولف) وVirginia (فيرجينيا).
إضافة إلى ذلك، يحتاج تشغيل Yasen‑B إلى طاقم أقل عدداً من نظيراتها الأميركية، وهو ما يفسره الخبراء بارتفاع مستوى الأتمتة على متنها، من أنظمة إدارة القتال إلى التحكم في الدفع والاستشعار، ما يقلل من الأخطاء البشرية ويزيد من كفاءة التشغيل في المهام الطويلة.
الغواصة مزودة بمفاعل نووي من الجيل الرابع من إنتاج شركة OKBM Afrikantov (أو كيه بي إم أفريكانتوف)، يوفر لها مدى عمل عملياً غير محدود من دون الحاجة لإعادة التزود بالوقود لسنوات طويلة، وهو عنصر حاسم في عمليات التمركز البعيدة عن القواعد.
القطب الشمالي… الملعب الأخطر لأسطول الغواصات الروسية
تركز روسيا انتشار معظم غواصاتها النووية الاستراتيجية والهجومية ضمن أسطولي القطب الشمالي والمحيط الهادئ، مع ثقل واضح لصالح الأسطول الشمالي. هذا التموضع يسمح للغواصات الاستراتيجية بشن ضربات على أهداف في أوروبا وأميركا الشمالية خلال زمن إنذار قصير نسبياً، ويمنح الغواصات الهجومية من فئة Yasen عمقاً بحرياً واسعاً للمناورة.
الانتشار الكثيف في القطب الشمالي جعل فئة Borei مصممة خصيصاً للعمل تحت الجليد وفي بيئة قاسية، ومن المتوقع أن ترث الغواصات الجديدة من الجيل الخامس هذه القدرة مع تحسينات إضافية. وفي الوقت نفسه توفر غواصات Yasen‑B غطاءً هجومياً وتكتيكياً لهذا “الملعب القطبي” من خلال تعقب مجموعات حاملات الطائرات والسفن المعادية وحتى الغواصات الغربية ذاتها.
رسالة ردع مزدوجة: عمق استراتيجي وغواصات هجومية صامتة
عند النظر إلى الصورة كاملة، تبدو الاستراتيجية الروسية تحت الماء مبنية على ركيزتين متكاملتين: غواصات استراتيجية جديدة أكثر هدوءاً وقدرة على حمل صواريخ باليستية أو منظومات غير تقليدية مثل Poseidon، وغواصات هجومية من فئة Yasen‑M/Yasen‑B قادرة على الاقتراب من السواحل الغربية وحمل أسلحة فرط صوتية يصعب اعتراضها.
الرسالة التي تبعث بها موسكو، سواء عبر الإعلانات عن جيل خامس من الغواصات أو عبر استعراض قدرات Zircon من على متن غواصات Yasen، هي أن أي محاولة لتطويق روسيا بحرياً أو تهديد عمقها الاستراتيجي ستقابل بقدرة ردع تحت سطح البحر لا تتوافر حالياً لأي قوة أخرى بالصورة نفسها.
في المقابل، يدفع هذا السباق الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى تكثيف الاستثمار في أنظمة الحرب المضادة للغواصات، وحساسات أعماق المحيط، ومنصات مراقبة جديدة في القطب الشمالي، ما ينذر بعودة سباق التسلح البحري إلى واجهة المشهد الجيوسياسي، لكن هذه المرة بصواريخ فرط صوتية وغواصات “شبحية” يصعب رصدها أو إيقافها.
المصدر: Military Watch / The National Interest


