تواصل الصين اختبار حدود الحرب البحرية غير التقليدية، بعدما كشفت صور حديثة عن تحويل سفينة شحن تجارية إلى منصة متعددة المهام قادرة على إطلاق مسيّرات قتالية ثابتة الجناح باستخدام مقلاع كهرومغناطيسي، في خطوة تعكس تسارعا لافتا في تجارب بحرية جيش التحرير الشعبي على المنصات غير النمطية والأنظمة القتالية المعيارية.
الصور التي التُقطت في حوض بناء السفن هودونغ–تشونغهوا في شنغهاي تُظهر نظام إطلاق كهرومغناطيسي للطائرات EMALS (Electromagnetic Aircraft Launch System) وقد جرى تركيبه على متن سفينة الشحن نفسها التي لفتت الانتباه قبل أيام بعد ظهورها مزودة بنحو 60 خلية إطلاق صاروخي حاوية إلى جانب رادارات وأنظمة دفاع قريبة.
من سفينة صواريخ إلى حاملة مسيّرات خلال أيام
التحول السريع في تجهيز السفينة، والذي تم خلال أيام قليلة، يشير إلى انتقالها من مفهوم يشبه سفينة ترسانة صاروخية إلى ما يبدو الآن حاملة مسيّرات متعددة الأدوار، وهو ما وصفه مراقبون بأنه تجربة عملية على المرونة التشغيلية للمنصات التجارية المحوّلة عسكريا.
ووفقا لتحليل نشره موقع ذا وور زون، فإن السفينة المعدلة ترسو بالقرب من حاملة الإنزال البرمائي الصينية الجديدة Type 076 «سيتشوان»، وهي سفينة قيد البناء ومزودة بدورها بمقلاع كهرومغناطيسي لإطلاق طائرات مأهولة وغير مأهولة، ما يعزز فرضية أن بكين تختبر مفاهيم متكاملة لإطلاق الطيران البحري خارج إطار حاملات الطائرات التقليدية.
مقلاع كهرومغناطيسي معياري على متن سفينة تجارية
اللافت في النظام الجديد أنه متحرك ومعياري، إذ يتألف من عدة وحدات مثبتة على شاحنات تُربط معا لتشكيل مسار إطلاق مستقيم. هذا التصميم، الذي شوهد سابقا على اليابسة، يمنح النظام قابلية للتكيّف مع أحجام وأوزان مختلفة من الطائرات، وكذلك مع المساحات المحدودة على الأسطح البحرية.
الصور الأحدث تُظهر المقلاع وقد جرى تركيبه بالكامل على سطح السفينة، مع وجود مسيّرة واحدة على المسار الخلفي في وضعية استعداد للإطلاق، وأخرى مصطفة قريبا على السطح. ويبدو أن أربع وحدات للمقلاع تم وصلها لتشكيل المسار الكامل، في اختبار عملي لمفهوم الإطلاق من منصة بحرية غير مستقرة.
إعادة توزيع التسليح والمساحات
لتوفير مساحة للمقلاع والمسيّرات، أُزيل جزء كبير من خلايا الإطلاق الصاروخي. فبدلا من نحو 60 خلية ظهرت في النسخة الأولى، لم يبقَ سوى 24 خلية، مع ست وحدات صاروخية حاوية ما تزال مرئية على السطح.
في المقابل، احتفظت السفينة بأنظمة دفاعية مهمة، من بينها مدفع Type 1130 عيار 30 ملم للدفاع القريب، ورادار صفيف مرحلي كبير، إضافة إلى حاويات استشعار واتصالات، ما يشير إلى أن المنصة ما تزال مصممة للعمل في بيئة تهديد حقيقية.
أسئلة تقنية مفتوحة
رغم دلالات التطور، لا تزال تحديات تقنية كبيرة تحيط بالمفهوم. فالمساحة المتاحة على السطح تبدو محدودة، خاصة مع أجنحة المسيّرات الواسعة التي شوهدت في الموقع، ما يثير تساؤلات حول هوامش الأمان أثناء الإطلاق.
كما أن أداء المقلاع على سفينة تتعرض للتمايل والاهتزاز بفعل الأمواج يظل غير واضح، فضلا عن متطلبات الطاقة العالية التي تحتاجها الأنظمة الكهرومغناطيسية، وقدرة السفينة التجارية الأصلية على توليد وتوزيع هذا القدر من الطاقة بشكل مستقر.
وتبرز أيضا مسألة استعادة المسيّرات، إذ لا تظهر أي أنظمة هبوط أو استرجاع على متن السفينة، ما يرجح أن التجربة تركز على الإطلاق فقط، أو على مسيّرات قادرة على الهبوط في مواقع أخرى أو تنفيذ مهام أحادية الاتجاه.
رسالة استراتيجية قبل أن تكون قدرة عملياتية
يرى محللون أن هذه الخطوة قد لا تمثل بعد قدرة تشغيلية ناضجة، بقدر ما تشكل عرضا تجريبيا مقصودا يهدف إلى إيصال رسالة استراتيجية. فالصين سبق أن سمحت بظهور صور لتقنيات عسكرية جديدة في توقيتات محسوبة، غالبا لإظهار سرعة الابتكار والقدرة على كسر القوالب التقليدية.
وفي هذا السياق، فإن تحويل سفينة تجارية خلال فترة وجيزة إلى منصة صواريخ ثم إلى حاملة مسيّرات، يعزز الانطباع بأن بكين تسعى إلى إظهار قدرتها على تسليح أسطولها التجاري الضخم بسرعة عند الحاجة، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد أمام خصومها البحريين.
دلالات أوسع على مستقبل الحرب البحرية
إذا نجح هذا المفهوم، فقد يفتح الباب أمام نمط جديد من العمليات البحرية يعتمد على منصات منخفضة الكلفة نسبيا، وقابلة لإعادة التهيئة بسرعة، وقادرة على نشر مسيّرات قتالية بعيدة المدى من مناطق غير متوقعة.
وبالنسبة إلى أميركا وحلفائها، الذين يراقبون عن كثب وتيرة التوسع البحري الصيني، فإن هذه التجربة تمثل مؤشرا إضافيا على أن المنافسة البحرية المستقبلية قد لا تقتصر على حاملات الطائرات العملاقة، بل تمتد إلى فضاء أكثر مرونة وغموضا، حيث تختلط السفن التجارية بالقدرات القتالية المتقدمة.
المصدر: The War Zone


