أعلن دانيال كوكوتايلو، الخبير البارز في سلامة الذكاء الاصطناعي (AI Safety) والموظف السابق في أوبن إيه آي (OpenAI)، عن مراجعة جوهرية لتوقعاته السابقة بشأن الجدول الزمني لوصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى مستوى قد يشكل تهديداً وجودياً للبشرية.
ويُعد كوكوتايلو أحد أبرز الأصوات التي أثارت الجدل في هذا المجال، بعدما نشر في أبريل الماضي سيناريو بعنوان “AI 2027”، تصور فيه تطوراً غير منضبط للذكاء الاصطناعي يقود إلى ظهور الذكاء الاصطناعي العام (AGI – Artificial General Intelligence)، ثم إلى ذكاء فائق (Superintelligence) يتجاوز قدرات البشر وينتهي، في أحد مساراته المحتملة، بتدمير البشرية.
تراجع عن السيناريو الكارثي
في تحديث جديد، أقر كوكوتايلو بأن وتيرة التقدم في الذكاء الاصطناعي، وخصوصاً في مجال البرمجة الذاتية الكاملة (Fully Autonomous Coding)، تسير بوتيرة أبطأ مما افترضه سيناريو AI 2027.
وكتب كوكوتايلو في منشور على منصة إكس (X): “الأمور تسير أبطأ إلى حد ما مما افترضه سيناريو AI 2027. جداولنا الزمنية كانت أطول من 2027 عند النشر، وهي الآن أطول بقليل“.
وبحسب التقديرات المعدلة، بات من المرجح أن تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي من كتابة الشيفرات البرمجية بشكل مستقل في بداية ثلاثينيات القرن الحالي، بدلاً من عام 2027، مع تحديد عام 2034 كأفق تقريبي محتمل لظهور الذكاء الفائق، من دون تقديم أي تقدير جديد لموعد افتراضي لاندثار البشرية.
جدل واسع داخل الأوساط العلمية والسياسية
أثار سيناريو AI 2027، عند صدوره، نقاشاً عالمياً حاداً بين مؤيدين ومعارضين. وقد أشار جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، بشكل غير مباشر إلى السيناريو خلال مقابلة تناول فيها سباق التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين.
في المقابل، وصف غاري ماركوس، أستاذ علم الأعصاب الفخري في جامعة نيويورك (New York University)، السيناريو بأنه “عمل أقرب إلى الخيال العلمي“، معتبراً بعض استنتاجاته “هراءً علمياً بحتاً“.
تشكيك متزايد في مفهوم AGI
يرى عدد متزايد من الباحثين أن مفهوم الذكاء الاصطناعي العام (AGI) نفسه بات أقل وضوحاً مع تطور النماذج الحالية. وقال هنري باباداتوس، المدير التنفيذي لمنظمة سيفر إيه آي (SaferAI) غير الربحية في فرنسا، إن “مصطلح AGI كان منطقياً عندما كانت الأنظمة ضيقة النطاق، مثل لعب الشطرنج أو غو. أما اليوم، فالأنظمة باتت عامة إلى حد كبير، ما يجعل المصطلح أقل دقة“.
من جانبه، أشار مالكولم موراي، خبير إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي وأحد المشاركين في إعداد التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي (International AI Safety Report)، إلى أن “الأداء المتفاوت وغير المتجانس لأنظمة الذكاء الاصطناعي يدفع كثيرين إلى إعادة النظر في جداولهم الزمنية“.
وأضاف:
“لكي يتحقق سيناريو مثل AI 2027، تحتاج الأنظمة إلى مهارات عملية أعمق للتعامل مع تعقيدات العالم الحقيقي، وهو ما يتطلب وقتاً أطول بكثير“.
رؤية أكثر واقعية لمستقبل الذكاء الاصطناعي
في السياق ذاته، شدد أندريا كاستانيا، الباحث في سياسات الذكاء الاصطناعي والمقيم في بروكسل، على أن السيناريوهات الدرامية تتجاهل تعقيدات الواقع المؤسسي والسياسي. وقال: “امتلاك حاسوب فائق الذكاء لا يعني بالضرورة القدرة على دمجه فوراً في العقائد العسكرية أو الاستراتيجيات التي تطورت على مدى عقود“.
وأضاف:
“كلما تقدمنا في تطوير الذكاء الاصطناعي، اتضح أن العالم أكثر تعقيداً بكثير من روايات الخيال العلمي“.
شركات التقنية تواصل السباق
ورغم هذا التباطؤ النسبي في التوقعات، لا تزال كبرى شركات التقنية تسعى إلى تطوير أنظمة قادرة على إجراء أبحاث ذكاء اصطناعي ذاتياً. فقد قال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي (OpenAI)، في أكتوبر الماضي إن امتلاك “باحث ذكاء اصطناعي آلي” بحلول مارس 2028 يُعد “هدفاً داخلياً” للشركة، مع إقراره الصريح: “قد نفشل تماماً في تحقيق هذا الهدف“.
بين التحذير والتهدئة
يعكس تراجع كوكوتايلو عن توقعاته السابقة تحوّلاً مهماً في خطاب سلامة الذكاء الاصطناعي، من التحذيرات الوجودية العاجلة إلى قراءة أكثر حذراً وتعقيداً لمسار التطور التقني. ورغم بقاء المخاوف قائمة، إلا أن الخبراء باتوا يميلون إلى اعتبار التحولات الجذرية أبطأ وأكثر تداخلاً مع البنى الاجتماعية والسياسية، ما يمنح صناع القرار وقتاً إضافياً للتنظيم والتشريع قبل الوصول إلى نقاط اللاعودة.
المصدر: The Guardian (صحيفة الغارديان)


