يشهد سوق العمل العالمي حالة من الاضطراب المتزايد مع تسارع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي واعتماده الواسع داخل المؤسسات. فمع تحقيق الشركات قفزات كبيرة في الإنتاجية بفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي، بدأت التساؤلات تتصاعد حول مستقبل الوظائف، خصوصًا بالنسبة للخريجين الجدد والوظائف المكتبية للمبتدئين.
وفي هذا السياق، كانت تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة Salesforce، مارك بينيوف، لافتة عندما أشار العام الماضي إلى أن الشركة تناقش بجدية تقليص توظيف مهندسي البرمجيات، مستشهدًا بما وصفه بالمكاسب الهائلة في الإنتاجية التي توفرها أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلية. هذا التوجه عزز مخاوف الموظفين والخريجين على حد سواء من تقلص فرص العمل التقليدية.
القلق ذاته عبّر عنه الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، داريو أمودي، الذي حذّر من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اختفاء ما يصل إلى نصف وظائف المبتدئين في الأعمال المكتبية، ما يضع جيل “زد” أمام تحديات غير مسبوقة في دخول سوق العمل. هذه التحولات دفعت بعض الشباب إلى البحث عن مسارات بديلة، من بينها ترك الدراسة الجامعية أو التوجه المباشر نحو ريادة الأعمال.
لكن مؤسس أمازون ورئيس مجلس إدارتها، جيف بيزوس، يرى أن الرهان المبكر على ريادة الأعمال دون خبرة كافية ليس بالضرورة الخيار الأفضل. فخلال مقابلة أُجريت معه في “أسبوع التكنولوجيا الإيطالي”، شدد بيزوس على أهمية العمل داخل الشركات التي تطبق أفضل الممارسات، معتبرًا أن هذه التجربة تمنح الشباب فرصة تعلم مهارات أساسية يصعب اكتسابها خارج البيئة المؤسسية.
وأوضح بيزوس أن العمل في شركة كبرى يتيح فهم آليات التوظيف، وبناء الفرق، وإدارة الأعمال، وهي عناصر حاسمة لأي مشروع ناجح في المستقبل. وأضاف أن هذه الخبرة لا تلغي حلم تأسيس شركة ناشئة، بل تؤجله إلى مرحلة يصبح فيها احتمال النجاح أعلى.
واستشهد بيزوس بتجربته الشخصية، موضحًا أن عشر سنوات من العمل في القطاع المؤسسي قبل إطلاق أمازون ساهمت بشكل مباشر في تعزيز فرص نجاح الشركة. وعلى عكس قصص النجاح الشهيرة لمؤسسي شركات مثل مايكروسوفت وميتا، الذين تركوا الدراسة في سن مبكرة، يرى بيزوس أن هذه الحالات تمثل استثناءً نادرًا لا ينبغي تعميمه.
وتبرز هذه الرؤية في وقت تُعد فيه أمازون واحدة من أكبر الشركات عالميًا، بقيمة سوقية تتجاوز 2.6 تريليون دولار، فيما يحتل بيزوس موقعًا متقدمًا بين أغنى شخصيات العالم. ويعيد هذا النجاح طرح سؤال جوهري في عصر الذكاء الاصطناعي: هل الخبرة المؤسسية أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى؟
في ظل التحولات المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، تبدو نصيحة بيزوس بمثابة دعوة لإعادة التفكير في مسارات النجاح التقليدية، حيث لم يعد الشغف وحده كافيًا، بل باتت الخبرة والمعرفة العملية عناصر حاسمة للنجاة والتميز في سوق عمل سريع التغير


