دعا قائد القوات البحرية في أميركا، الأدميرال داريل كودل، إلى تقليص الاعتماد التقليدي على حاملات الطائرات العملاقة لصالح سفن أصغر وأنظمة حديثة تشمل الطائرات المسيّرة والمنصات الروبوتية، في تحول استراتيجي يهدف إلى تعزيز المرونة التشغيلية وخفض الضغط على الأسطول البحري في ظل انتشار متسارع للأزمات العالمية.
وأوضح كودل، في تصريحات نقلتها وكالة أسوشيتد برس، أن رؤيته الجديدة التي تحمل اسم “تعليمات القتال” ترتكز على تصميم حزم قوات مخصصة (Tailored Force Packages) تتناسب مع طبيعة كل مسرح عمليات، بدلا من نشر مجموعات ضاربة لحاملات الطائرات (Carrier Strike Groups) في مهام لا تتطلب هذا المستوى من القوة النارية أو البصمة اللوجستية.
ضغط الانتشار وإشكاليات الصيانة
تزامنت هذه الدعوة مع تحركات واسعة للأسطول الأميركي، حيث تم نقل حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford من البحر المتوسط إلى البحر الكاريبي في أواخر العام الماضي، كما وصلت الحاملة USS Abraham Lincoln إلى الشرق الأوسط قبل أسبوعين مع تصاعد التوترات مع إيران بعد سحبها من بحر الصين الجنوبي.
وأشار التقرير إلى أن هذه التحركات أدت إلى تعطيل خطط الانتشار الأصلية، وإجبار سفن على الإبحار آلاف الأميال الإضافية، ما زاد الضغط على المنظومات التي تعاني بالفعل من تحديات صيانة متراكمة وارتفاع تكاليف التشغيل.
وتتكون المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات عادة من الحاملة نفسها، ومدمرات مزودة بنظام إيجيس (Aegis Combat System)، وغواصات هجومية، وسفن دعم لوجستي، ما يجعل نشرها عملية معقدة ومكلفة من حيث الوقود، والصيانة، والكوادر البشرية.
بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة
يرى كودل أن مهام مثل مراقبة الشحن التجاري واعتراض السفن المشبوهة في منطقة البحر الكاريبي لا تتطلب نشر حاملة طائرات، مشيرا إلى إمكانية تنفيذها عبر سفن القتال الساحلية (Littoral Combat Ships)، ومروحيات بحرية، وتنسيق وثيق مع خفر السواحل.
وأوضح أن الوجود البحري في تلك المنطقة كان تاريخيا يقتصر على سفينة أو اثنتين صغيرتين، إلا أن الأشهر الماضية شهدت نشر 11 سفينة، من بينها حاملة الطائرات فورد وسفن هجومية برمائية تحمل آلاف من مشاة البحرية.
وأكد كودل أن استخدام مدمرات كبيرة فقط لتشغيل الرادارات ومراقبة حركة القوارب والناقلات لا يمثل الاستخدام الأمثل لهذه المنصات عالية الكلفة، داعيا إلى الاعتماد بشكل أكبر على الطائرات المسيّرة (Unmanned Aerial Systems) والأنظمة الروبوتية البحرية (Unmanned Surface and Undersea Systems) لتوفير قدرات الاستطلاع والمراقبة بكلفة أقل.
تحول في فلسفة القوة البحرية
يمثل هذا التوجه تحولا في فلسفة استخدام القوة البحرية الأميركية، إذ كانت حاملات الطائرات تاريخيا أداة رئيسية لبسط النفوذ وإظهار القوة في مناطق التوتر. ويأتي ذلك في وقت يفضل فيه الرئيس دونالد ترمب ما وصفته الوكالة بالاستجابات البحرية “الكبيرة والجريئة”، مع حديثه المتكرر عن منصات ضخمة مثل “البارجة” المقترحة التي قد تحمل صواريخ فرط صوتية (Hypersonic Missiles)، وصواريخ كروز نووية (Nuclear Cruise Missiles)، ومدافع كهرومغناطيسية (Electromagnetic Railguns)، وأسلحة ليزر عالية القدرة (High Energy Lasers).
غير أن البحرية واجهت تحديات في إدخال بعض هذه التقنيات إلى الخدمة، إضافة إلى صعوبات في بناء سفن أصغر وأقل تعقيدا ضمن الجداول الزمنية والميزانيات المحددة.
أولوية القطب الشمالي ومضيق بيرينج
أشار كودل إلى أن رؤيته مطبقة بالفعل في أوروبا وأميركا الشمالية منذ أربعة أو خمسة أعوام، وقد يجري توسيعها لتشمل مضيق بيرينج الذي يفصل روسيا عن ولاية ألاسكا، في ظل تزايد الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي مع تصاعد اهتمام الصين وروسيا وأميركا بالمنطقة.
وأكد أن أي إعادة نشر لحاملة طائرات، مثل أبراهام لينكولن، ستتطلب توفير بدائل من ثلاث سفن لتعويض الغياب، في إطار مفهوم توزيع القوة بدلا من تركيزها في منصة واحدة ضخمة.
ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا داخل البحرية الأميركية بأن البيئة العملياتية الحديثة، التي تشمل تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الاستشعار المتقدمة، قد تتطلب شبكات موزعة من المنصات البحرية بدلا من الاعتماد الكثيف على رموز القوة التقليدية.
المصدر: أسوشيتد برس


