الخلفية:

البنتاغون يعتمد Palantir: الذكاء الاصطناعي يصبح العمود الفقري للحرب الحديثة

Palantir

قرر البنتاغون (Pentagon) اعتماد نظام الذكاء الاصطناعي مايفن (Maven) التابع لشركة بالانتير (Palantir) كـ “برنامج رسمي (Program of Record)”، ما يعني دمجه بشكل دائم في جميع فروع الجيش الأميركي مع تمويل طويل الأمد.

ويمثل هذا القرار انتقالاً من استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة إلى اعتباره ركيزة أساسية في اتخاذ القرار العسكري.

ما هو نظام Maven ولماذا يمثل نقطة تحول خطيرة؟

يُعد نظام مايفن (Maven) منصة قيادة وتحكم تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من البيانات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار والرادارات وأجهزة الاستشعار والتقارير الاستخباراتية. وتكمن خطورته في أنه لا يعمل كأداة مساعدة بسيطة، بل كطبقة تشغيلية فوق البنية العسكرية نفسها، قادرة على تحويل سيل متدفق من البيانات الخام إلى أهداف عسكرية محتملة (Target Identification) خلال ثوانٍ بدلاً من ساعات أو أيام.

هذا النوع من الأنظمة يغير وظيفة الحاسوب العسكري من مجرد أرشفة المعلومات أو عرضها إلى إعادة ترتيب أولويات ساحة المعركة. فعندما يصبح النظام قادراً على ربط صورة التقطها قمر صناعي مع إشارة رادارية وتقرير ميداني وبيانات حرارية في لحظة واحدة، فإن النتيجة ليست فقط صورة أوضح، بل قرار أسرع وأكثر حسماً. ولهذا السبب ينظر كثير من الخبراء إلى Maven باعتباره أحد أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية تأثيراً في العالم حالياً.

وقد تم استخدام النظام بالفعل في عمليات عسكرية مكثفة، حيث ساهم في تنفيذ آلاف الضربات الدقيقة خلال التصعيد الأخير مع إيران، وهو ما يعني أن النظام لم يعد في مرحلة الاختبار أو النماذج الأولية، بل دخل عملياً في دورة العمليات الحربية الحقيقية.

من تحليل البيانات إلى توجيه الضربات

تعتمد قوة Maven على استخدام مجموعة مترابطة من التقنيات مثل الرؤية الحاسوبية (Computer Vision) وتحليل الأنماط (Pattern Recognition) ودمج البيانات متعددة المصادر (Multi-Source Data Fusion) والتعلم الآلي (Machine Learning). هذه المنظومة تتيح للنظام قراءة الصور الجوية والفيديوهات الحرارية والخرائط الرقمية والإشارات الإلكترونية، ثم تحويلها إلى استنتاجات قابلة للاستخدام العسكري.

ولا يقتصر الأمر على اكتشاف جسم متحرك أو مبنى مشبوه، بل يمتد إلى تصنيف الهدف وتقدير قيمته العملياتية وربطه بسياق أوسع. فقد يستطيع النظام، على سبيل المثال، التمييز بين مركبة مدنية ومركبة عسكرية، أو بين مستودع لوجستي ومخزن ذخيرة، أو اكتشاف نمط حركة غير اعتيادي يشير إلى تحضير لهجوم أو إعادة تموضع للقوات. وفي بعض الحالات، يمكن للنظام إنشاء خرائط حرارية (Heat Maps) ومؤشرات نشاط تُظهر للقادة العسكريين أين تتركز الحركة وأين ترتفع احتمالات الخطر.

هذه النقلة من جمع البيانات إلى بناء صورة عملياتية شبه لحظية تعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد محلل خلفي، بل أصبح جزءاً من سلسلة القيادة والسيطرة. وهذا هو جوهر التحول: لم تعد الجيوش تستخدم الذكاء الاصطناعي لزيادة الكفاءة فقط، بل لإعادة تعريف كيفية إنتاج المعلومة العسكرية ومن يملك أفضلية الزمن في المعركة.

تسريع الحرب إلى مستوى غير مسبوق

أحد أخطر أبعاد هذا النظام هو تسريع دورة القرار العسكري (Kill Chain Acceleration)، أي تقليص الزمن بين الرصد والتحليل وتحديد الهدف واتخاذ القرار وتنفيذ الضربة. وبحسب مسؤولين، فإن عمليات كانت تستغرق ساعات بات يمكن إنجازها في دقائق أو ثوانٍ. في منطق الحرب الحديثة، لا يمثل هذا مجرد تحسين تقني، بل تحولاً في بنية القوة نفسها.

ففي الحروب التقليدية، كان الوقت يسمح بمزيد من التحقق والمراجعة البشرية. أما عندما يصبح النظام قادراً على ضخ التوصيات والأهداف بسرعة فائقة، فإن القائد العسكري يصبح تحت ضغط زمني متزايد لمجاراة وتيرة الخوارزمية. هنا تظهر واحدة من أكبر الإشكاليات: كلما زادت السرعة، تقلصت مساحة التردد والمراجعة والتدقيق. وهذا يعني أن مزايا السرعة العسكرية قد تأتي أحياناً على حساب التحقق الإنساني العميق.

من الناحية العملياتية، يمنح ذلك الجيش الأميركي أفضلية كبيرة في الضربات الدقيقة والاستجابة السريعة وإعادة توزيع الموارد في الزمن الحقيقي. لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى المخاطر إذا بُني التقدير على بيانات ناقصة أو متحيزة أو تم تفسيرها بشكل خاطئ. ولهذا السبب لا يدور الجدل فقط حول دقة النظام، بل حول مقدار السلطة غير المباشرة التي تمنحها الجيوش للخوارزميات.

استثمار ضخم ونفوذ متزايد

يمثل هذا القرار انتصاراً استراتيجياً ومالياً هائلاً لشركة بالانتير، لأنه لا يمنحها عقداً إضافياً فحسب، بل يثبتها كجزء من البنية المؤسسية الدائمة للجيش الأميركي. وعندما يتحول النظام إلى برنامج رسمي (Program of Record)، فإن ذلك يعني عادة تمويلاً طويل الأمد، وتبنيًا أوسع، وصعوبة أكبر في استبعاده مستقبلاً، لأن المنظومة العسكرية تبدأ في بناء إجراءاتها وتدريب أفرادها وواجهات عملها حوله.

وقد حصلت الشركة بالفعل على عقود بمليارات الدولارات، من بينها عقد يصل إلى 10 مليارات دولار مع الجيش الأميركي، إضافة إلى رفع سقف برنامج Maven إلى 1.3 مليار دولار. وأسهمت هذه العقود في رفع القيمة السوقية للشركة إلى نحو 360 مليار دولار، ما يعكس كيف أصبح الإنفاق الدفاعي المدعوم بالذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لصعود بعض شركات التكنولوجيا.

ومن زاوية الأسواق، فإن الخبر لا يعني فقط قوة جديدة لبالانتير، بل يبعث أيضاً بإشارة إلى المستثمرين بأن الذكاء الاصطناعي العسكري لم يعد مجرد قطاع ناشئ، بل أصبح فئة استثمارية مستقرة ومدعومة سيادياً. وهذا قد يدفع رؤوس الأموال إلى مزيد من التدفق نحو الشركات التي تقدم حلول تحليل استخباراتي وقيادة وتحكم واستهداف مدعوم بالذكاء الاصطناعي.

مفارقة معقدة: النظام يعتمد على Claude

في تطور لافت، يعتمد نظام Maven جزئياً على نموذج كلود (Claude) التابع لشركة أنثروبيك (Anthropic)، رغم أن البنتاغون صنف الشركة مؤخراً كـ خطر على سلسلة التوريد (Supply Chain Risk). وهذه المفارقة تكشف شيئاً أعمق من مجرد تناقض إداري: إنها تظهر أن البنية الفعلية للذكاء الاصطناعي العسكري أصبحت متشابكة إلى درجة يصعب معها الفصل السريع بين الأدوات والموردين.

وهذا التشابك له آثار مباشرة على السوق وعلى المؤسسات وعلى العاملين داخل الحكومة. فمن جهة، يوضح أن القرارات السياسية قد تصطدم بواقع تقني معقد يجعل الاستبدال مكلفاً وبطيئاً. ومن جهة أخرى، يثير قلق الشركات والعملاء الحكوميين حول استقرار العقود التقنية ومخاطر الاعتماد على مزود واحد. كما يخلق حالة من عدم اليقين داخل السوق الدفاعية، لأن المستثمرين والزبائن يراقبون ما إذا كانت الحكومة ستُبقي على الحل الأفضل تقنياً أم ستفرض بدائل أقل كفاءة بدوافع تنظيمية أو سياسية.

أثر القرار على السوق والجيش والشركات والأفراد

هذا القرار لا يهم البنتاغون وحده، بل يمتد أثره إلى الأسواق المالية وشركات الدفاع وشركات الذكاء الاصطناعي والحكومات الحليفة وحتى المستخدمين المدنيين الذين يتابعون حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.

على مستوى الأسواق، يمنح القرار بالانتير دفعة قوية لأنه يرسخها كشركة شبه بنيوية في الأمن القومي الأميركي، وهو ما قد يدعم التقييمات المرتفعة ويزيد من شهية المستثمرين تجاه الشركات التي تعمل في تقاطع الدفاع + الذكاء الاصطناعي. كما يضغط في المقابل على المنافسين، لأن اعتماد Maven كنظام مركزي يعني أن حصة أكبر من الميزانيات المستقبلية قد تتجه إلى حلول بالانتير أو الأنظمة المتكاملة حولها.

وعلى مستوى شركات الدفاع التقليدية، فإن الخبر يرسل رسالة واضحة بأن العقود المقبلة لن تُحسم فقط بالصواريخ والطائرات والدبابات، بل بالمنصات البرمجية والخوارزميات. وهذا قد يدفع الشركات الكبرى إلى تسريع شراكاتها مع مطوري النماذج الذكية أو بناء قدراتها الخاصة داخلياً.

أما على مستوى الجيوش والدول الحليفة، فإن اعتماد Maven بهذا الشكل قد يشجع دولاً أخرى على بناء نسخ مماثلة أو شراء حلول مشابهة، لأن الرسالة الاستراتيجية واضحة: من لا يمتلك طبقة ذكاء اصطناعي عملياتية سيخسر ميزة الزمن والسرعة والدقة في المعركة. وهذا قد يسرع سباق التسلح الخوارزمي بين الولايات المتحدة وخصومها مثل الصين وروسيا، كما قد يدفع دولاً إقليمية إلى إعادة تقييم أنظمة القيادة والسيطرة لديها.

وبالنسبة إلى الأفراد والرأي العام، فإن الخبر يثير مخاوف أوسع حول حدود السلطة التي تُمنح للأنظمة الذكية في شؤون الحرب والحياة والموت. فحين يسمع الناس أن منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة تحديد الأهداف، فإن القلق لا يتعلق فقط بالدقة التقنية، بل بمن يضع القواعد، ومن يراجع القرارات، ومن يتحمل المسؤولية إذا حدث خطأ. وهذا النوع من الأخبار يوسع النقاش العام حول الشفافية والمساءلة وأخلاقيات السلاح الذكي.

جدل أخلاقي متصاعد

يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف العسكرية مخاوف كبيرة، خاصة مع إمكانية الاعتماد على الأنظمة في قرارات شديدة الحساسية. وقد حذرت جهات دولية وخبراء قانونيون من أن هذه الأنظمة قد تحمل تحيزات في البيانات (Data Bias) أو أن تعيد إنتاج أخطاء موجودة في البيانات التدريبية أو في طرق جمع المعلومات. وإذا حدث ذلك داخل بيئة عسكرية، فإن النتيجة لا تكون مجرد خطأ تقني، بل قد تتحول إلى مأساة ميدانية.

وتؤكد بالانتير أن القرار النهائي باستخدام القوة لا يزال بيد البشر، لكن النقاش الحقيقي لا يقتصر على من يضغط الزر الأخير. السؤال الأعمق هو: إلى أي مدى أصبح الذكاء الاصطناعي يحدد ما يراه الإنسان أصلاً، وما الذي يعتبره هدفاً، وما الذي يضعه أمامه بوصفه الخيار الأكثر منطقية؟ عندما تصبح الخوارزمية هي التي ترتب الواقع أمام القائد، فإن نفوذها يتجاوز كثيراً فكرة المساعدة التقنية البسيطة.

ومن هنا، فإن الجدل الأخلاقي لم يعد محصوراً في مسألة الأسلحة الذاتية فقط، بل امتد إلى بنية اتخاذ القرار نفسها. هل يكفي وجود إنسان في الحلقة إذا كان هذا الإنسان يتلقى عالماً جاهزاً تمت صياغته مسبقاً بواسطة الآلة؟ هذا هو السؤال الذي سيزداد إلحاحاً مع كل توسع جديد في استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري.

بداية عصر الحرب الخوارزمية

يمثل اعتماد Maven نقطة تحول نحو ما يمكن وصفه بـ الحرب الخوارزمية (Algorithmic Warfare)، حيث تصبح البيانات والخوارزميات والسرعة الحاسوبية عوامل حاسمة في التفوق العسكري. وفي هذا النموذج الجديد، لا يقتصر التفوق على من يمتلك السلاح الأقوى أو العدد الأكبر، بل يمتد إلى من يمتلك النظام الأذكى والأسرع والأقدر على تفسير البيانات وتحويلها إلى قرار.

هذا التحول ستكون له آثار بعيدة المدى على الاقتصاد الدفاعي وهيكل الجيوش وأولويات البحث العلمي وحتى أسواق العمل التقنية. فالمزيد من الإنفاق سيتجه نحو مهندسي النماذج وخبراء البيانات ومطوري الأنظمة العسكرية الذكية، بينما ستضطر المؤسسات العسكرية إلى إعادة تدريب كوادرها لتعمل جنباً إلى جنب مع أنظمة تحليل آلي متقدمة.

كما أن الدول التي تتأخر في هذا المسار قد تجد نفسها مستقبلاً مضطرة لشراء هذه القدرات من الخارج، ما يخلق شكلاً جديداً من الاعتماد الاستراتيجي لا يقوم على استيراد السلاح فقط، بل على استيراد العقل البرمجي الذي يشغله.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال ببساطة: من يمتلك أقوى سلاح؟ بل أصبح: من يمتلك أذكى خوارزمية، وأسرع سلسلة قرار، وأعمق قدرة على تحويل البيانات إلى تفوق ميداني؟

المصدر: رويترز

اقرأ أيضاً