بريطانيا (United Kingdom) تدخل رسميا في موجة عالمية متسارعة تهدف إلى تنظيم استخدام الأطفال للتكنولوجيا، بعد إصدار إرشادات وطنية جديدة تحدد بشكل واضح عدد الساعات المسموح بها أمام الشاشات، في خطوة تعكس تصاعد القلق من تأثير العالم الرقمي على الأجيال الصغيرة.
القرار لا يقتصر على نصائح تربوية، بل يمثل بداية تحول سياسي وتنظيمي في كيفية تعامل الحكومات مع الاستخدام الرقمي (Digital Usage) للأطفال، خاصة مع تزايد الأدلة على تأثيره المباشر على الصحة النفسية والنمو السلوكي.
توصيات واضحة لأول مرة بهذا المستوى
الحكومة البريطانية أوصت بمنع استخدام الشاشات تماما للأطفال دون سن العامين، مع تحديد الاستخدام بحد أقصى ساعة واحدة يوميا للأطفال بين عامين وخمسة أعوام.
هذه التوصيات تأتي بعد بيانات تشير إلى أن نحو 98 بالمئة من الأطفال بعمر عامين يستخدمون الشاشات يوميا، بينما أقر ربع الآباء بصعوبة السيطرة على وقت الشاشة.
هنا لا نتحدث فقط عن وقت ضائع، بل عن نمط حياة يتشكل في مرحلة حساسة من تطور الدماغ.
لماذا أصبح الأمر أولوية حكومية
القلق لم يعد نظريا. الدراسات تشير إلى أن الاستخدام المفرط للشاشات قد يؤثر على النوم، ويقلل من النشاط البدني، ويحد من التفاعل الاجتماعي، وهي عناصر أساسية في نمو الطفل.
كما أن التعرض المبكر لمحتوى سريع الإيقاع، يشبه ما تقدمه منصات التواصل، قد يؤثر على قدرة الطفل على التركيز والانتباه على المدى الطويل.
رئيس الوزراء كير ستارمر أكد أن الحكومة لن تترك الآباء يواجهون هذه التحديات وحدهم، مشيرا إلى أن التكنولوجيا تتطور بسرعة أكبر من قدرة الأسر على مواكبتها.
جزء من تحرك عالمي أوسع
ما يحدث في بريطانيا ليس حالة منفردة. دول مثل فرنسا والدنمارك وهولندا تعمل على تشديد القوانين المتعلقة بـ التحقق العمري (Age Verification) والسلامة الرقمية.
في آسيا، ذهبت إندونيسيا خطوة أبعد، حيث قررت حظر استخدام منصة Roblox (روبلوكس) لمن هم دون 16 عاما، بعد تصنيفها كبيئة عالية المخاطر.
هذا يشير إلى أن العالم بدأ يتعامل مع المنصات الرقمية بنفس الحساسية التي يتعامل بها مع المنتجات الاستهلاكية المؤثرة على الصحة.
التكنولوجيا لم تعد محايدة
التحول الأهم هنا هو تغير النظرة إلى التكنولوجيا. لم تعد مجرد أدوات، بل بيئات تؤثر بشكل مباشر على سلوك الأطفال.
حتى بعض الألعاب والتطبيقات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي أصبحت محل تدقيق، خاصة تلك التي تقدم محتوى سريع التغير أو تفاعلا مفرطا قد يؤثر على الإدراك.
في المقابل، تم استثناء بعض الأدوات الرقمية المستخدمة لدعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، في إشارة إلى محاولة تحقيق توازن بين الحماية والاستفادة.
تأثير على الشركات والمنصات
هذه التوجهات التنظيمية تضع شركات التكنولوجيا تحت ضغط متزايد لإعادة تصميم منتجاتها.
منصات مثل Meta (ميتا) وGoogle (جوجل) تواجه بالفعل تحديات قانونية، بعد حكم قضائي في لوس أنجلوس اعتبر بعض خصائصها مهملة في حماية المستخدمين الصغار.
هذا النوع من القضايا قد يدفع الشركات إلى تعديل خوارزميات المحتوى، وإدخال قيود عمرية أكثر صرامة، وربما إعادة التفكير في نماذج الأعمال التي تعتمد على إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن.
ماذا يعني هذا للأسر والمجتمع
بالنسبة للأسر، هذه الإرشادات تمنح إطارا واضحا يمكن الاعتماد عليه في إدارة استخدام الأطفال للتكنولوجيا.
لكنها أيضا تضع مسؤولية جديدة، حيث لم يعد من الممكن تجاهل تأثير الأجهزة الرقمية على الحياة اليومية.
أما على مستوى المجتمع، فإن هذه الخطوات قد تعيد تشكيل العلاقة بين الأطفال والتكنولوجيا، وتحدد كيف سيتعامل الجيل القادم مع العالم الرقمي.
بداية مرحلة تنظيمية جديدة
ما نشهده اليوم هو بداية مرحلة جديدة، حيث تنتقل الحكومات من المراقبة إلى التدخل المباشر في السلوك الرقمي (Digital Behavior).
هذا التحول قد يمتد مستقبلا ليشمل قيودا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى تحديد أوقات استخدام يومية، كما يحدث في بعض الدول. في النهاية، القضية لم تعد حول الأجهزة نفسها، بل حول كيفية استخدامها، ومن يضع الحدود.
وبينما تستمر التكنولوجيا في التوسع، يبدو أن العالم بدأ أخيرا في طرح السؤال الأهم. كيف نحمي الأطفال دون أن نمنعهم من المستقبل.
المصدر: رويترز


