ترامب يدفع الولايات المتحدة نحو أكبر طلب ميزانية دفاع في تاريخها الحديث، بقيمة إجمالية تصل إلى 1.5 تريليون دولار للسنة المالية 2027، وهو رقم غير مسبوق من حيث الحجم السياسي والاقتصادي والعسكري. هذه الخطة لا تمثل فقط زيادة في الإنفاق، بل تعكس محاولة لإعادة تشكيل أولويات الدولة الأميركية في لحظة دولية شديدة التوتر، تتداخل فيها الحرب مع إيران والحصار على كوبا، واستنزاف المخزونات العسكرية، وتصاعد المنافسة مع الصين وروسيا، والضغوط الداخلية على الاقتصاد الأميركي والمالية العامة.
الخطة تتضمن 1.15 تريليون دولار كـ ميزانية أساسية، إضافة إلى نحو 350 مليار دولار يفترض أن تأتي عبر تشريع المصالحة المالية (Reconciliation Bill)، ما يجعلها أكبر ميزانية دفاعية مقترحة في تاريخ الولايات المتحدة، وأكبر قفزة سنوية في الإنفاق العسكري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هذه النقطة مهمة جدا، لأن الرقم لا يعكس فقط رغبة في تقوية الجيش، بل يعكس أيضا اعترافا ضمنيا بأن الولايات المتحدة دخلت مرحلة تتطلب إعادة تسليح واسعة النطاق وتعويض خسائر واستهلاك سنوات من الحروب والدعم العسكري الخارجي.
أين ستذهب هذه الأموال فعليا
جزء كبير من هذه الميزانية، يقترب من 760 مليار دولار، مخصص لبرامج التسليح والبحث والتطوير والاختبار والتقييم (RDT&E)، أي إنفاق مباشر على شراء المعدات وتطوير الأنظمة الجديدة واختبارها وتوسيع خطوط الإنتاج. هذا يعني أن الأموال لن تذهب فقط إلى الرواتب أو القواعد أو التشغيل اليومي، بل إلى إنتاج القوة العسكرية نفسها، من صواريخ وسفن وغواصات ومقاتلات وأنظمة دفاع صاروخي.
الهدف المعلن هو تعويض المخزون العسكري المستنزف نتيجة الحروب والدعم الأميركي لشركاء خارجيين، خاصة في أوكرانيا والشرق الأوسط، إضافة إلى بناء قدرة ردع أكبر في المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين. لكن الهدف غير المعلن بوضوح هو أن واشنطن لم تعد تريد فقط الرد على الأزمات، بل تريد الدخول في مرحلة إنتاج عسكري طويل الأمد يعيد بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية بعد سنوات من التراجع النسبي والاعتماد على مخزونات ما بعد الحرب الباردة.
الحرب مع إيران واستنزاف الأصول والمخزون
جزء مهم من هذا التحول مرتبط بشكل مباشر بالحرب مع إيران وما فرضته من ضغط على الأصول العسكرية الأميركية وعلى المخزونات. أي مواجهة ممتدة في الشرق الأوسط لا تستنزف فقط الذخائر الاعتراضية والصواريخ الدقيقة، بل تستهلك ساعات طيران، وتضغط على حاملات الطائرات، وتسرع دورات الصيانة، وتفرض الحاجة إلى إحلال وتعويض لأنظمة ومكونات باهظة الكلفة. عندما تستخدم الولايات المتحدة أعدادا كبيرة من صواريخ الاعتراض أو الذخائر الموجهة في فترة قصيرة، فإن المشكلة لا تكون فقط في الكلفة المباشرة، بل في القدرة الصناعية على التعويض السريع. وبالفعل تعاني أميركا من نقص حاد فيمخزونات ثاد وباتريوت وصواريخ توماهوك وغيرها من الذخائر.
هذا يعني أن ميزانية بهذا الحجم ليست فقط لشراء أدوات جديدة، بل أيضا لإعادة ملء المخازن وإعادة تدوير المعدات المتعبة واستبدال الأصول التي تعرضت لاستهلاك مرتفع خلال العمليات. وإذا استمرت الحرب أو تصاعدت، فإن هذه الكلفة قد ترتفع أكثر، لأن الحروب الحديثة تستهلك أنظمة عالية التقنية وثمنها مرتفع جدا مقارنة بالحروب التقليدية القديمة.
مشروع القبة الذهبية (Golden Dome) في قلب الخطة
من أبرز المشاريع التي تتصدر الميزانية نظام القبة الذهبية (Golden Dome)، وهو مشروع دفاع صاروخي ضخم يهدف إلى بناء مظلة اعتراض متعددة الطبقات (Multi Layer Missile Defense) ضد التهديدات الباليستية والمتقدمة وربما الفرط صوتية في المستقبل. تم تخصيص نحو 20 مليار دولار للمشروع في 2027، لكن الجزء الأكبر من هذا التمويل يعتمد على موافقة تشريعية إضافية، فيما أن التكلفة الإجمالية المتوقعة قد تصل إلى نحو 185 مليار دولار.
هذه نقطة شديدة الحساسية، لأن المشروع يمثل رؤية سياسية كبرى لترامب، لكنه في الوقت نفسه مشروع مثير للجدل من حيث الجدوى الفنية والكلفة والزمن. أي تأخير سياسي أو تغير في موازين الكونغرس قد يضرب هذا المشروع مباشرة، لأن الأنظمة الضخمة من هذا النوع تحتاج إلى استمرارية تمويل لسنوات وليس فقط موافقة أولية. لذلك فإن Golden Dome ليس مجرد بند دفاعي، بل اختبار لقدرة ترامب على تحويل الشعار السياسي إلى بنية عسكرية حقيقية قابلة للتمويل والاستمرار.
السفن والغواصات ومقاتلات F-35
الميزانية تتضمن أيضا دفعة كبيرة في بناء السفن الحربية بقيمة تقارب 65.8 مليار دولار لإنشاء 34 سفينة، بينها 18 سفينة قتالية و16 سفينة دعم، مع أولوية لغواصات Virginia class وغيرها من البرامج البحرية الحساسة. هذا يعكس إدراكا متزايدا داخل واشنطن بأن أي مواجهة مع الصين ستكون بحرية بالدرجة الأولى، وأن التفوق البحري الأميركي يحتاج إلى تجديد أسرع للأسطول.
كما تشمل الخطة شراء 85 مقاتلة من طراز F-35، منها 38 نسخة F-35A و10 نسخ F-35B و37 نسخ F-35C. لكن الأهم هنا أن 32 طائرة فقط ممولة من الميزانية الأساسية، فيما يعتمد تمويل 53 طائرة إضافية على حزمة المصالحة المالية. هذا يعني أن حتى أكثر البرامج رمزية قد لا تُنفذ بالكامل إذا تعثر المسار السياسي.
البرامج الدفاعية الكبرى التي يريد ترامب دفعها بقوة
ما يجعل هذه الميزانية مختلفة ليس فقط حجمها، بل تنوع البرامج التي يبدو أن إدارة ترامب تريد تمويلها أو تسريعها في وقت واحد. إلى جانب القبة الذهبية (Golden Dome) وF-35 وبناء السفن، هناك تركيز واضح على إعادة بناء القواعد العسكرية (Base Rebuilding) وصيانة البنية التحتية التشغيلية التي تعرضت لضغط كبير خلال السنوات الماضية، سواء داخل الولايات المتحدة أو في قواعد الانتشار الأمامي. هذا يشمل تحديث المدارج والمخازن ومراكز القيادة والدفاع الجوي والمنشآت اللوجستية التي أصبحت جزءا أساسيا من القدرة على خوض حرب طويلة أو متعددة الجبهات.
كما أن الصورة الأوسع تشير إلى دفع قوي نحو برامج الجيل القادم، وفي مقدمتها برنامج الهيمنة الجوية للجيل القادم (Next Generation Air Dominance – NGAD) الذي أصبح يعرف باسم F-47، وهو برنامج يهدف إلى إنتاج مقاتلة شبحية جديدة أكثر تقدما من F-22 وF-35، مصممة للعمل ضمن شبكة قتالية أوسع تشمل الطائرات غير المأهولة المرافقة (Collaborative Combat Aircraft). هذا يعني أن الاستثمار لا يذهب فقط إلى شراء منصات مأهولة تقليدية، بل إلى بناء بيئة قتالية شبكية يتحرك فيها الطيار البشري مع مسيّرات هجومية واستطلاعية ضمن فريق واحد.
هناك أيضا توجه واضح نحو زيادة الاستثمار في الطائرات المسيّرة (Drones) والذخائر الجوالة ووسائل الاستطلاع والهجوم منخفضة الكلفة، إلى جانب تطوير تقنيات مكافحة المسيّرات (Counter-Drone Technology) التي أصبحت ضرورة تشغيلية بعد أن أثبتت الحروب الأخيرة أن الطائرات الصغيرة والرخيصة يمكن أن تربك أنظمة باهظة الكلفة. ومن هنا يبرز الاهتمام المتزايد بأنظمة الليزر (Directed Energy / Lasers)، سواء لحماية القواعد أو السفن أو المنشآت الحيوية، لأن الليزر يعد خيارا جذابا في مواجهة الأسراب الصغيرة إذا أمكن حل تحديات الطاقة والتبريد والاعتمادية الميدانية.
على مستوى الذخائر والاعتراض، يبدو أن الميزانية تدعم بقوة زيادة الطاقة الصناعية لأنظمة مثل THAAD وPatriot وصواريخ Tomahawk، ليس فقط لأنها أنظمة مطلوبة للتصدير أو الردع، بل لأنها استُهلكت أو وضعت تحت ضغط شديد في البيئات القتالية الحديثة. كما يمكن فهم هذه الخطة على أنها جزء من سياسة أوسع لإعادة تعبئة خطوط إنتاج الصواريخ الاعتراضية وصواريخ الضربات البعيدة والذخائر الدقيقة، بما يشمل أيضا برامج صاروخية أحدث وفرط صوتية وقدرات بحرية وجوية بعيدة المدى. وهذا مهم، لأن أي حرب واسعة لا تُحسم بعدد المنصات فقط، بل بسرعة إعادة إنتاج الذخائر التي تطلقها هذه المنصات.
الصيانة والاستبدال وإعادة الجاهزية بعد الحرب
في خلفية هذه الخطة يوجد عامل لا يقل أهمية عن شراء المعدات الجديدة، وهو صيانة القطع العاملة حاليا وإعادة تأهيلها بعد فترات تشغيل وضغط مرتفعة. الحرب مع إيران لم تستهلك فقط الذخائر، بل رفعت العبء على السفن والمقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي ووسائط النقل والإسناد. كل ساعة طيران إضافية، وكل انتشار بحري مطول، وكل اعتراض صاروخي مكثف، يسرّع الحاجة إلى الصيانة العميقة، واستبدال المكونات، وإعادة ضبط دورات الجاهزية.
هذا يعني أن جزءا من الميزانية الجديدة قد يذهب عمليا إلى إصلاح ما تم إنهاكه، وليس فقط إلى شراء ما هو جديد. في عالم يبدو فيه الحديث العام منصبا على البرامج اللامعة مثل Golden Dome أو F-47، تبقى الحقيقة العسكرية أن الجيوش تنهك من الداخل إذا لم يتم تمويل الصيانة والاستبدال بالسرعة نفسها التي يتم فيها تمويل الشراء. لذلك فهذه الميزانية تحمل في داخلها بعدا أقل بروزا لكنه حاسم، وهو إعادة الجاهزية، أي إعادة المنظومات العاملة إلى مستوى قدرة يسمح لها بخوض صراع جديد إذا اتسعت الحرب.
أجندة خارجية مفتوحة ومخاطر تصعيد أوسع
التحليل السياسي لهذه الميزانية لا يمكن فصله عن الأجندة الخارجية غير الواضحة بالكامل لإدارة ترامب. حجم الإنفاق ونوعيته يوحيان بأن واشنطن لا تستعد فقط لحرب قائمة أو لردع محدود، بل تترك الباب مفتوحا أمام خيارات عسكرية إضافية قد تشمل توسيع الردع في الشرق الأوسط، ورفع الجاهزية في آسيا، وتعزيز الوجود البحري والجوي في أكثر من مسرح في الوقت نفسه. هذا لا يعني بالضرورة أن الإدارة قررت خوض مواجهة أوسع، لكنه يعني أنها تريد الاحتفاظ بقدرة على ذلك إذا انزلقت الأوضاع دوليا.
وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية في هذه الخطة. إذا استمرت الحرب مع إيران، أو اتسعت المواجهة مع أطراف أخرى، أو تراكمت الأزمات من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ، فإن هذه الميزانية قد تتحول من خطة ردع إلى قاعدة تمويل لحالة تعبئة طويلة. والخطر هنا ليس فقط اقتصاديا أو سياسيا، بل استراتيجي أيضا، لأن أي سوء تقدير بين القوى الكبرى قد يدفع العالم إلى حالة تصعيد أخطر بكثير مما هو قائم الآن، حتى إذا لم يكن أحد يريد الوصول إلى حرب عالمية ثالثة بشكل مباشر.
هل الكونغرس سيوافق فعلا
هنا يبدأ الجانب الأخطر في القصة. هذه الميزانية، رغم ضخامتها، ليست أمرا واقعا بعد. الكونغرس هو من يقرر في النهاية، وليس البيت الأبيض وحده. والجزء الإضافي البالغ 350 مليار دولار يظل أكثر هشاشة سياسيا من الميزانية الأساسية، لأنه يعتمد على توافق تشريعي قد لا يكون سهلا في ظل الانقسام الحاد داخل واشنطن.
الأهم أن انتخابات التجديد النصفي المقبلة قد تعيد تشكيل الخريطة السياسية بالكامل. إذا تراجعت قوة ترامب وحلفائه داخل الكونغرس، أو إذا خسر الجمهوريون السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما، فقد تواجه الخطة تخفيضا كبيرا، أو قد يتم تعطيل بعض مشاريعها الكبرى، أو حتى إلغاء بعضها لاحقا. وهذا ينطبق بشكل خاص على البرامج التي تحمل بصمة سياسية شخصية لترامب، مثل Golden Dome، لأن خصومه قد يتعاملون معها باعتبارها رمزا سياسيا بقدر ما هي مشروع دفاعي.
بعبارة أوضح، هذه الميزانية ليست فقط اختبارا للقدرة المالية الأميركية، بل أيضا اختبارا لقدرة ترامب على حماية مشاريعه سياسيا بعد الانتخابات. وإذا جاءت نتائج التجديد النصفي ضده، فإن بعض أهم عناصر هذه الخطة قد تتعرض للتجميد أو الإلغاء أو إعادة التصميم تحت إدارة أو كونغرس مختلفين.
ماذا تعني هذه الميزانية للاقتصاد الأميركي
على الورق، الإنفاق العسكري الضخم قد يبدو محفزا اقتصاديا. فهو يعني عقودا بالمليارات لشركات مثل لوكهيد مارتن (Lockheed Martin) ونورثروب غرومان (Northrop Grumman) وجنرال دايناميكس (General Dynamics) وهانتينغتون إنغالس (Huntington Ingalls)، كما يعني توسعا في المصانع وخطوط الإنتاج والبحث والتطوير. هذا ينعكس إيجابيا على بعض المناطق الأميركية التي تعتمد على الصناعة الدفاعية، ويخلق وظائف في الهندسة والتصنيع المتقدم والاختبارات والبرمجيات العسكرية وسلاسل التوريد.
لكن الوجه الآخر أكثر تعقيدا. إنفاق 1.5 تريليون دولار على الدفاع لا يأتي من فراغ. إذا لم يتم تمويله بالكامل عبر نمو الإيرادات، فإنه يعني واحدا من ثلاثة أمور أو مزيجا بينها: زيادة العجز، أو إعادة توجيه الإنفاق من قطاعات أخرى، أو الاعتماد على مساهمات خارجية وحلفاء. وكل خيار من هذه الخيارات له كلفة سياسية واقتصادية.
زيادة العجز المالي تعني ضغطا أكبر على الدين الأميركي وأسواق السندات، وقد تزيد من كلفة الاقتراض الحكومي، خاصة إذا تزامنت مع أسعار فائدة مرتفعة أو تباطؤ اقتصادي. إعادة توجيه الإنفاق تعني أن قطاعات أخرى قد تخسر. وبينما لم تصدر بعد قائمة رسمية تقول بوضوح ما الذي سيتم خفضه لتمويل هذا الحجم، فإن الواقع المالي يشير إلى أن أي توسع بهذا الحجم يضع ضغطا تلقائيا على أولويات مثل البنية التحتية المدنية والرعاية الصحية والبرامج الاجتماعية والإنفاق التعليمي أو يحد على الأقل من قدرة الدولة على التوسع فيها.
من يخسر كي يستفيد القطاع العسكري
هذا السؤال جوهري. عندما يقفز الإنفاق الدفاعي بهذا الشكل، فإن المستفيد المباشر هو المجمع الصناعي العسكري، لكن الخاسر قد يكون موزعا على قطاعات أقل نفوذا سياسيا. قد لا يكون هناك بند واحد يتم اقتطاعه بشكل مباشر بالاسم الآن، لكن على مستوى الأولويات الفيدرالية، فإن كل دولار إضافي يذهب إلى الدفاع هو دولار لا يذهب بسهولة إلى الإسكان أو الصحة أو النقل العام أو تحديث المدارس أو معالجة الديون الطلابية أو توسيع شبكات الأمان الاجتماعي.
كما أن هناك خسارة أقل وضوحا لكنها مهمة، وهي أن الاقتصاد قد يصبح أكثر اعتمادا على الطلب العسكري بدلا من الاستثمار الإنتاجي المدني. هذا مفيد لبعض القطاعات، لكنه قد يضعف على المدى الطويل القدرة على تحقيق نمو واسع القاعدة إذا أصبحت الميزانية الفيدرالية تميل أكثر فأكثر نحو الحرب والردع على حساب الابتكار المدني والخدمات العامة.
الوظائف بين المكاسب والخسائر
من الزاوية الإيجابية، هذه الميزانية قد تعني عشرات الآلاف من الوظائف الجديدة أو المحمية في الصناعات الدفاعية، خاصة في مجالات بناء السفن، وتصنيع الذخائر، والمحركات، والإلكترونيات العسكرية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والأنظمة الفضائية. كما أنها قد تدعم الأجور والاستثمارات في ولايات تعتمد على المصانع والقواعد العسكرية.
لكن من الزاوية السلبية، هذا النوع من التوظيف ليس متساويا جغرافيا ولا قطاعيا. الوظائف التي يتم خلقها ستكون شديدة التركز في مناطق وشركات بعينها، بينما قد تتعرض قطاعات أخرى لضغط إذا تم تقليص الإنفاق غير العسكري أو إذا ارتفع العجز بشكل يفرض مستقبلا إجراءات تقشفية أو زيادات ضريبية. وهذا يعني أن الأثر على التوظيف قد يكون إيجابيا داخل قطاع الدفاع، لكنه ليس بالضرورة إيجابيا على الاقتصاد الكلي إذا جاء على حساب إنفاق مدني واسع الاستفادة.
كيف ينظر المستثمرون إلى هذه الخطة
المستثمرون سيرون في البداية فرصا واضحة داخل أسهم الدفاع والفضاء والأنظمة الصاروخية وبناء السفن. الشركات التي ترتبط مباشرة ببرامج مثل F-35 والغواصات وأنظمة الاعتراض قد تستفيد من موجة شراء ورفع توقعات الأرباح. لكن المستثمرين لا ينظرون فقط إلى العقود، بل إلى قابلية التنفيذ السياسي واستدامة التمويل.
هنا يبدأ القلق. إذا شعر السوق أن الخطة أكبر من قدرة النظام السياسي على تمريرها، أو أن جزءا مهما منها قد يسقط بعد انتخابات التجديد النصفي، فإن رد الفعل قد يصبح أكثر حذرا. كما أن أي ضغط إضافي على العجز أو التضخم أو عوائد السندات قد ينعكس سلبا على قطاعات أخرى من السوق. لذلك فالمستثمرون أمام معادلة مزدوجة: فرص ضخمة لأسهم الدفاع من جهة، ومخاطر مالية وسياسية كلية من جهة أخرى.
هل يعتمد ترامب على تمويل خارجي من الحلفاء
هناك احتمال سياسي مهم يجب أخذه بجدية، وهو أن إدارة ترامب قد تراهن جزئيا على مساهمات أو مشتريات أو تمويل غير مباشر من الحلفاء لتخفيف الضغط الداخلي، سواء عبر صفقات تسليح كبرى أو مساهمات أمنية أكبر من الشركاء. لكن هذا المسار ليس مضمونا على الإطلاق. في ظل الحرب مع إيران، وتوتر طرق الطاقة، والضغوط الاقتصادية العالمية، قد لا تكون الدول الحليفة مستعدة لتحمل أعباء إضافية كبيرة بالسرعة التي تحتاجها واشنطن.
بعض الحلفاء الأوروبيين والآسيويين يواجهون بالفعل ضغوطا اقتصادية وطاقوية وأمنية خاصة بهم، وقد يفضلون الإنفاق على دفاعهم الوطني المباشر بدلا من تمويل ترتيبات أميركية أوسع. وهذا يعني أن أي رهان من البيت الأبيض على تمويل خارجي أو تقاسم أعباء أسرع قد يواجه واقعا سياسيا وماليا أكثر تعقيدا مما تفترضه الخطة.
ماذا تعني هذه الخطة للعالم
هذه الميزانية لا تعني فقط أن أمريكا تريد جيشا أكبر أو أحدث، بل تعني أنها ترى العالم يدخل مرحلة طويلة من المواجهة الاستراتيجية، سواء مع إيران أو الصين أو خصوم آخرين. التركيز على الدفاع الصاروخي والإنتاج الكثيف للذخائر والقوة البحرية والمقاتلات الشبحية يشير إلى أن واشنطن تستعد لحروب عالية الكثافة وطويلة نسبيا، وليست فقط لعمليات محدودة.
لكن في الوقت نفسه، هذا الحجم من الإنفاق قد يفاقم الضغوط الاقتصادية الداخلية ويعمق الاستقطاب السياسي، ويجعل مستقبل الخطة معلقا على معركة تشريعية وانتخابية مفتوحة. لذلك فالمسألة ليست فقط هل هذه أكبر ميزانية دفاع في التاريخ، بل هل تستطيع الولايات المتحدة تحملها ماليا وسياسيا، وهل يستطيع ترامب حماية هذه الرؤية إذا تغيرت نتائج الانتخابات أو اتسعت كلفة الحرب.
في النهاية، ما يطرحه ترامب ليس مجرد ميزانية، بل رهان ضخم على أن الردع العسكري والصناعة الدفاعية يمكن أن يقودا المرحلة المقبلة. غير أن هذا الرهان يحمل وجها آخر أقل بريقا، وهو أن أمريكا قد تدفع ثمنه عبر دين أعلى، وضغط على الإنفاق المدني، وانقسام سياسي، واحتمال بقاء مشاريع كبرى مثل Golden Dome رهينة للتصويت والانتخابات.
المصدر: رويترز


