أمريكا تدخل مرحلة جديدة في سباق الطاقة النووية بعد موافقة هيئة التنظيم النووي الأمريكية (U.S. Nuclear Regulatory Commission) على إنشاء مفاعل نووي تجاري تدعمه شركة تيراباور (TerraPower) التابعة للملياردير بيل غيتس، في خطوة تعكس تحولا استراتيجيا نحو مصادر طاقة قادرة على دعم النمو الهائل في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
المشروع، الذي تبلغ قيمته نحو 4 مليارات دولار، سيتم بناؤه في ولاية وايومنغ، مع توقعات بإكماله بحلول عام 2030، ليكون أول مفاعل نووي تجاري يحصل على ترخيص بناء في الولايات المتحدة منذ نحو 8 سنوات.
ما الذي يميز هذا المفاعل
المفاعل الجديد يعتمد على تقنية التبريد بالصوديوم (Sodium-Cooled Reactor)، وهي واحدة من الجيل الجديد من المفاعلات التي تهدف إلى تحسين الكفاءة والسلامة مقارنة بالمفاعلات التقليدية.
بعكس المفاعلات التقليدية التي تستخدم الماء، فإن استخدام الصوديوم يسمح بدرجات حرارة تشغيل أعلى وكفاءة أفضل في تحويل الحرارة إلى طاقة كهربائية، كما يقلل من مخاطر الضغط العالي داخل النظام.
المفاعل سيكون قادرا على إنتاج نحو 345 ميغاواط (MW) بشكل مستمر، مع إمكانية الوصول إلى نحو 500 ميغاواط عند الذروة، وهو ما يكفي لتزويد حوالي 400 ألف منزل بالطاقة.
هذا المشروع لا يمكن فصله عن الطلب المتزايد على الطاقة نتيجة التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، والتي أصبحت تستهلك كميات هائلة من الكهرباء بشكل مستمر.
الشركات التقنية الكبرى، مثل جوجل ومايكروسوفت وأمازون، بدأت تبحث عن مصادر طاقة مستقرة على مدار الساعة، وهو ما يجعل الطاقة النووية خيارا جذابا لأنها تعمل 24 ساعة يوميا بغض النظر عن الطقس، على عكس الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح.
موقع استراتيجي وتحول في البنية التحتية
سيتم بناء المفاعل بالقرب من محطة طاقة قديمة كانت تعمل بالفحم وتم تحويلها لاحقا إلى الغاز، ما يعكس توجها لإعادة استخدام البنية التحتية للطاقة التقليدية في مشاريع أكثر نظافة.
هذا التحول يعكس استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري دون التخلي عن القدرة الإنتاجية العالية.
الأثر البيئي والاقتصادي
من الناحية البيئية، يوفر هذا المفاعل طاقة شبه خالية من الانبعاثات الكربونية، ما يجعله أداة مهمة في مواجهة تغير المناخ.
لكن الطاقة النووية لا تخلو من التحديات، حيث تنتج نفايات مشعة (Radioactive Waste) تحتاج إلى إدارة دقيقة وطويلة الأمد.
اقتصاديا، المشروع سيخلق وظائف في مجالات الهندسة النووية، البناء، التشغيل، والصيانة، كما قد يسهم في خفض تكاليف الكهرباء في المنطقة على المدى الطويل. هذا المشروع يعكس عودة قوية للطاقة النووية كجزء من مزيج الطاقة العالمي، خاصة في ظل التحديات التي تواجه مصادر الطاقة المتجددة من حيث الاستمرارية. كما أنه يشير إلى أن مستقبل الطاقة قد يكون مزيجا من الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي، حيث تعتمد الأنظمة الرقمية المتقدمة على مصادر طاقة مستقرة وموثوقة. في النهاية، فإن مفاعل TerraPower ليس مجرد مشروع طاقة، بل جزء من تحول أوسع في كيفية تشغيل الاقتصاد العالمي في عصر يعتمد بشكل متزايد على البيانات والحوسبة.
المصدر: AFP


