ASML تدخل مرحلة حساسة في صراع التكنولوجيا العالمي، بعدما تراجعت أسهمها عقب تحرك في الكونغرس الأمريكي لفرض قيود جديدة قد تحد من قدرتها على بيع وصيانة معدات تصنيع الرقائق في الصين.
هذه الخطوة لا تعكس مجرد قرار تجاري أو تنظيمي، بل تأتي ضمن تصعيد أوسع في الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، حيث أصبحت أشباه الموصلات في قلب المنافسة الجيوسياسية.
لماذا تعتبر ASML محور هذا الصراع
شركة ASML الهولندية تحتل موقعاً فريداً في سلسلة الإمداد العالمية، حيث تعد المورد الرئيسي لتقنيات الليثوغرافيا (Lithography) المستخدمة في تصنيع الرقائق الدقيقة.
الأهم من ذلك أن الشركة تمتلك احتكاراً فعلياً لتقنية الأشعة فوق البنفسجية القصوى (Extreme Ultraviolet – EUV)، وهي التكنولوجيا الأكثر تقدماً في العالم لتصنيع الشرائح المتطورة، بينما تعتمد الصين بشكل كبير على معدات الأشعة فوق البنفسجية العميقة (Deep Ultraviolet – DUV) التي تنتجها الشركة أيضاً.
هذا يجعل ASML نقطة ضغط استراتيجية، حيث إن أي قيود على صادراتها تؤثر مباشرة على قدرة الصين في تطوير قطاعها التكنولوجي.
ما الذي تقترحه الولايات المتحدة
المقترح الجديد لا يقتصر على منع بيع معدات جديدة، بل يمتد إلى منع الصيانة والدعم الفني لمعدات DUV الموجودة بالفعل في الصين.
هذا النوع من القيود أكثر خطورة، لأنه لا يمنع فقط التوسع، بل قد يؤدي إلى تدهور أداء الأنظمة الحالية داخل المصانع الصينية، ما يؤثر على الإنتاجية بشكل مباشر.
في حال تطبيق هذه القيود، فإنها قد تشكل أول تصعيد كبير منذ عام 2024، وتدفع العلاقات التجارية في هذا القطاع إلى مستوى أكثر توتراً.
التأثير المباشر على ASML
رد فعل السوق كان سريعاً، حيث تراجعت أسهم الشركة بأكثر من 4%، وهو ما يعكس قلق المستثمرين من فقدان أحد أكبر أسواق الشركة.
تشير التقديرات إلى أن الصين تمثل نحو 20% من مبيعات ASML في عام 2026، ما يجعل أي تقييد لهذا السوق ذا تأثير ملموس على الإيرادات.
بعض التحليلات ترى أن التأثير قد يكون في حدود أرقام أحادية، لكن أخرى تشير إلى إمكانية انخفاض ربحية السهم (Earnings Per Share – EPS) بنسبة تصل إلى 10%، وهو رقم كبير لشركة بهذا الحجم.
هل يمكن تعويض السوق الصينية
هناك توقعات بأن الطلب من مناطق أخرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا قد يرتفع، خاصة مع سعي الدول الغربية لتعزيز استقلالها في تصنيع الرقائق.
لكن الواقع يشير إلى أن هذا التعويض لن يكون كاملاً، حيث إن السوق الصينية تمثل حجماً كبيراً ونمواً سريعاً لا يمكن استبداله بسهولة. هذا يعني أن ASML قد تواجه فترة من إعادة التوازن بين الأسواق، مع احتمال تراجع في النمو على المدى القصير.
التأثير على السوق العالمي للرقائق
التحذيرات لا تتوقف عند ASML فقط، بل تمتد إلى السوق العالمي، حيث أشار محللون إلى أن هذه القيود قد تؤدي إلى تفاقم نقص الرقائق. ذلك لأن تقليل قدرة الصين الإنتاجية سيؤدي إلى ضغط إضافي على العرض العالمي، خاصة في ظل الطلب المتزايد من قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية.
هذا السيناريو قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتأخير في سلاسل الإمداد، وهو ما يؤثر على الاقتصاد العالمي بشكل أوسع.
البعد الجيوسياسي والاستراتيجي
ما يحدث هنا ليس مجرد قرار اقتصادي، بل جزء من استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى إبطاء تقدم الصين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
الرقائق الإلكترونية أصبحت بمثابة “النفط الجديد”، ومن يسيطر على إنتاجها يمتلك نفوذاً اقتصادياً وعسكرياً كبيراً.
من هذا المنظور، فإن الضغط على ASML هو وسيلة غير مباشرة للحد من قدرات الصين، دون الدخول في مواجهة مباشرة.
إلى أين تتجه الأمور
التوقعات تشير إلى مزيد من التصعيد في الفترة القادمة، خاصة إذا تم تمرير القانون بشكل رسمي وتبني أوروبا له.
قد نشهد أيضاً رداً صينياً عبر تسريع تطوير تقنيات محلية أو فرض قيود مضادة، ما قد يؤدي إلى انقسام في سلاسل الإمداد العالمية. في هذا السيناريو، قد يتحول سوق أشباه الموصلات إلى نظامين منفصلين، أحدهما غربي والآخر صيني، وهو تحول تاريخي في بنية الاقتصاد العالمي. تراجع أسهم ASML ليس مجرد حركة سوقية عابرة، بل مؤشر على تحول أعمق في صناعة التكنولوجيا العالمية.
القيود الجديدة قد تعيد تشكيل موازين القوى في قطاع الرقائق، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المنافسة الجيوسياسية.
في النهاية، فإن ما يحدث اليوم يعكس حقيقة واضحة، وهي أن التكنولوجيا لم تعد مجرد صناعة، بل أصبحت أداة استراتيجية في صراع القوى الكبرى.
المصدر: رويترز


