الخلفية:

شركات التكنولوجيا تخفي الانبعاثات الصادرة من مراكز البيانات في أوروبا

كشف تحقيق صحفي حديث أن شركات تكنولوجيا كبرى، على رأسها مايكروسوفت (Microsoft)، نجحت في التأثير المباشر على قواعد الاتحاد الأوروبي لإبقاء بيانات انبعاثات مراكز البيانات سرية، في خطوة تعكس تحولاً عميقاً في علاقة قطاع التكنولوجيا مع الشفافية البيئية، خاصة مع تصاعد الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

هذا التطور لا يتعلق فقط بنص قانوني، بل يشير إلى إعادة تشكيل توازن القوة بين الشركات التكنولوجية الكبرى والجهات التنظيمية، حيث أصبحت البيانات البيئية نفسها جزءاً من المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية، وليس مجرد مؤشر على الأداء البيئي.

يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه أوروبا والعالم طفرة غير مسبوقة في بناء مراكز البيانات، وهي منشآت صناعية رقمية ضخمة تضم آلاف الخوادم ووحدات المعالجة المتقدمة، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة لتشغيل تطبيقات مثل نماذج الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

هذا النمو السريع جعل مراكز البيانات واحدة من أسرع مصادر الطلب على الكهرباء نمواً عالمياً، حيث تشير التقديرات إلى أن بعض النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي تتطلب طاقة تشغيلية تعادل استهلاك مدن صغيرة، وهو ما يضع هذا القطاع في قلب معادلة الطاقة والانبعاثات في القرن الحادي والعشرين.

كيف تغيرت الأولويات العالمية من المناخ إلى سباق الطاقة الرقمية

ما يلفت الانتباه في هذا التحول ليس فقط حجم الاستهلاك، بل السرعة التي تغيرت بها الأولويات العالمية. خلال العقد الماضي، كانت السياسات الدولية، خاصة في أوروبا، تتمحور حول الاحتباس الحراري وخفض الانبعاثات والتحول إلى الطاقة النظيفة، مع التزامات واضحة ضمن اتفاقيات مثل اتفاق باريس للمناخ.

لكن مع الانفجار السريع في الذكاء الاصطناعي منذ عام 2022، بدأت معادلة جديدة تفرض نفسها، حيث أصبح الطلب على القدرة الحوسبية والسباق على تطوير النماذج الذكية عاملاً ضاغطاً على صناع القرار، ما أدى عملياً إلى انتقال غير معلن من مرحلة “تقليل الاستهلاك” إلى مرحلة “تأمين الطاقة بأي وسيلة” لدعم البنية التحتية الرقمية.

هذا التحول يعكس واقعاً استراتيجياً جديداً، حيث باتت مراكز البيانات تُعامل كأصول سيادية مرتبطة بـ القوة الاقتصادية والتكنولوجية، وليس فقط كمصدر استهلاك للطاقة. ونتيجة لذلك، بدأت بعض الحكومات تقبل بزيادة الاعتماد على الغاز الأحفوري أو تأجيل أهداف خفض الانبعاثات لضمان استمرارية تشغيل هذه المراكز، ما يكشف عن تناقض متزايد بين أهداف المناخ ومتطلبات الاقتصاد الرقمي.

كيف دخل بند السرية إلى التشريع الأوروبي فعلياً

تكمن أهمية هذه القضية في أنها لا تتعلق بتوجيه سياسي عام أو بتصريح دعائي من الشركات، بل ببنية قانونية دخلت فعلياً في صميم الإطار التنظيمي الأوروبي الخاص بـ مراكز البيانات. الأساس القانوني هنا يرتبط بـ توجيه كفاءة الطاقة الأوروبي، وهو التشريع الذي وضع التزاماً على مشغلي مراكز البيانات بتقديم بيانات ومؤشرات أداء تتعلق بـ الكفاءة والاستدامة إلى قاعدة بيانات أوروبية مخصصة لهذا الغرض. وبعد ذلك جاءت اللائحة المفوضة الأوروبية 2024/1364 لتحدد بصورة أدق ما الذي يجب الإبلاغ عنه.

المشكلة التي كشفها التحقيق أن المفوضية الأوروبية، خلال مشاورات يناير 2024، تلقت مطالبات من شركات التكنولوجيا تطلب معاملة معلومات كل مركز بيانات على أنها معلومات سرية تمس المصالح التجارية. النتيجة أن البيانات التفصيلية ومؤشرات الأداء الرئيسية أصبحت محجوبة، ما يمنع الصحافة والباحثين والجمهور من الوصول إليها.

هذا التطور يغير جوهر الفلسفة التنظيمية الأوروبية، حيث تحولت البيانات من أداة مساءلة عامة إلى نظام امتثال مغلق يعتمد على بيانات مجمعة ضعيفة لا تفيد القيمة التحليلية.

ما الذي تفرضه القوانين الأوروبية ولماذا السرية خطيرة

تعتمد المنظومة الأوروبية على مبدأ أن المعلومات البيئية هي حق عام. هنا تظهر اتفاقية آرهوس (Aarhus Convention) التي تضمن الوصول إلى المعلومات البيئية والمشاركة والعدالة البيئية.

كما تدعمها لائحة آرهوس (Regulation (EC) No 1367/2006) التي تطبق هذه المبادئ داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وبالتالي فإن فرض سرية شاملة على بيانات مراكز البيانات قد يتعارض مع هذه القوانين، لأن الاستثناءات التجارية يجب أن تكون محدودة ومبررة وليس منعاً عاماً.

هذا يفتح الباب أمام طعون قانونية مستقبلية، وقد يضع المفوضية الأوروبية في مواجهة مباشرة مع القانون البيئي الأوروبي.

لماذا أصبحت مراكز البيانات أزمة بيئية استراتيجية؟

تعتمد مراكز البيانات على بنية تحتية معقدة وكثيفة الإستهلاك للطاقة تشمل تشغيل مستمر للرقائق وأنظمة تبريد متقدمة. ومع توسع الذكاء الاصطناعي، ارتفع الطلب على القدرة الحوسبية بشكل كبير، ما أدى إلى زيادة استهلاك الكهرباء والاعتماد في بعض الحالات على الوقود الأحفوري.

هذا التحول جعل قطاع التكنولوجيا لاعباً رئيسياً في أزمة الانبعاثات العالمية، ولم يعد قطاعاً نظيفاً كما كان يُعتقد سابقاً.

كما تمتد التأثيرات إلى إدارة المياه والضغط على شبكات الكهرباء وتخطيط الأراضي، ما يحول هذه المنشآت إلى عنصر سياسي واقتصادي حساس داخل الدول الأوروبية.

كيف تضرب السرية البحث العلمي والمساءلة؟

غياب البيانات التفصيلية يمنع الباحثين من بناء نماذج دقيقة لقياس البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي. كما يضعف قدرة الجامعات والمستثمرين والحكومات المحلية على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات.

هذا يعني أن الشركات الكبرى تتحكم فعلياً في رواية الأداء البيئي عبر الإفصاح الانتقائي، مما يخلق فجوة بين الواقع الفعلي والصورة العامة.

الصراع بين الأسرار التجارية والشفافية البيئية

تستند الشركات إلى مفهوم حماية المصالح التجارية، لكن المشكلة أن هذه البيانات أصبحت مرتبطة بـ الطاقة والمناخ والسيادة الرقمية. حيث قد تفيد هذه المعلومات الشركات المنافسة وقد تساعم في فهم آلية عمل المنتجات والمساهمة في الهندسة العكسية لهذه المراكز.

لهذا يرى الخبراء أن الحل يجب أن يكون عبر فصل دقيق بين البيانات الحساسة فعلاً والبيانات ذات المصلحة العامة، وليس عبر سرية شاملة.

كيف تتعقد أزمة تنظيم الذكاء الاصطناعي في أوروبا

يحاول الاتحاد الأوروبي أن يكون قوة تنظيمية عالمية في الذكاء الاصطناعي عبر قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، لكنه في الوقت نفسه يواجه ضعفاً في تنظيم البنية التحتية الفيزيائية.

هذا التناقض قد يعرقل قدرة أوروبا على فرض معايير بيئية دقيقة أو تقييم الأثر الطاقي للنماذج، لأن البيانات الأساسية غير متاحة.

كما تعمل أوروبا على نظام تصنيف استدامة لمراكز البيانات، لكن بدون شفافية كافية قد يتحول إلى أداة شكلية. إخفاء البيانات يمنح شركات التكنولوجيا الكبرى مرونة أكبر في التوسع، لكنه يخلق مخاطر على الاستثمار المستدام وتقييم الأداء البيئي. كما يؤثر على سياسة المنافسة وأمن الطاقة والسيادة الرقمية داخل أوروبا.

و يتوقع ان التأثير سيمتد إلى:

  • تخطيط الشبكات الكهربائية
  • سياسات إزالة الكربون

  • الاستثمار المستدام

  • المنافسة داخل السوق الأوروبي

كما ستتأثر السلطات المحلية في قرارات الترخيص والتخطيط.

المستقبل قد يشهد نزاعات قانونية تستند إلى اتفاقية آرهوس، مع استمرار دفع أوروبا نحو تنظيم أكثر صرامة.

لكن التحدي الحقيقي هو ما إذا كانت أوروبا قادرة على تنظيم الذكاء الاصطناعي ليس فقط على مستوى الخوارزميات، بل أيضاً على مستوى الطاقة والبنية التحتية.

في حال فشل ذلك، قد ينشأ نظام تنظيمي قوي نظرياً، لكنه ضعيف في التعامل مع التكلفة البيئية الحقيقية.

المصدر: The Guardian

اقرأ أيضاً