L3Harris تطور مركبة ذاتية التشغيل تحت الماء من طراز Iver4 900 يمكن إطلاقها واستعادتها عبر أنابيب الطوربيد في الغواصات الأميركية، ما يمنح البحرية قدرة جديدة على تنفيذ مهام الاستطلاع ورسم الخرائط وكشف الألغام وجمع المعلومات الاستخباراتية دون الحاجة إلى تعريض الغواصة أو طاقمها للخطر. وتُعد هذه المركبة جزءاً من توجه أوسع لتحويل الغواصات المأهولة إلى منصات تدير شبكة من الأنظمة غير المأهولة القادرة على العمل في مناطق حساسة وخطرة تحت سطح البحر.
البرنامج يقوم على مفهوم يعرف باسم Torpedo Tube Launch and Recovery أو TTLR، أي الإطلاق والاستعادة عبر أنبوب الطوربيد. ووفق إعلان L3Harris، فقد حصلت الشركة على عقد من Defense Innovation Unit لتقديم هذا النظام للغواصات الأميركية، بحيث يتم إطلاق واستعادة مركبات Iver4 900 عبر أنابيب الطوربيد الموجودة أصلاً في الغواصة. الأهمية هنا أن البحرية لا تحتاج إلى بناء فتحة خارجية جديدة أو تعديل كبير قد يؤثر في شبحية الغواصة، بل تستفيد من بنية موجودة داخل المنصة.
هذا التطور يأتي في وقت تزداد فيه أهمية الحرب تحت الماء، خصوصاً في المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي وحول تايوان، حيث ستكون الغواصات الأميركية من أهم أدوات الردع والاستطلاع والهجوم في أي مواجهة محتملة مع قوة بحرية كبرى مثل الصين. ومع توسع استخدام المستشعرات القاعية، والألغام الذكية، والطائرات المسيرة البحرية، وشبكات السونار، أصبحت الغواصة بحاجة إلى أدوات إضافية ترى وتفحص وتخاطر نيابة عنها.
ما هي Iver4 900؟
Iver4 900 هي مركبة ذاتية التشغيل تحت الماء، أو AUV، طورتها L3Harris لتكون منصة متعددة المهام تعمل في البيئات البحرية المعقدة. يمكن استخدامها في الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، ومكافحة الألغام، ورسم خرائط قاع البحر، والإعداد الاستخباراتي للبيئة العملياتية، ومهام أخرى تتطلب الاقتراب من مناطق قد تكون خطرة على الغواصات المأهولة.
وفق المواصفات المنشورة من L3Harris، يبلغ طول Iver4 900 نحو 2.5 متر، ويبلغ قطرها 9 بوصات، ويقل وزنها عن 230 رطلاً، وهي مصممة للعمل حتى عمق يصل إلى 300 متر. كما تستخدم هيكلاً يجمع بين التيتانيوم وألياف الكربون، ما يعكس أنها ليست منصة تجارية بسيطة، بل نظام عسكري متخصص مصمم للعمل في بيئة قاسية وهادئة وحساسة.
تأتي المركبة ببطاريات قابلة لإعادة الشحن من نوع NiMH قادرة على دعم مهام تصل إلى 20 ساعة أو نحو 40 ميلاً بحرياً. ويمكن تجهيزها ببطاريات ليثيوم أيون تمنحها زمناً أطول يصل إلى 40 ساعة ومدى قد يتجاوز 80 ميلاً بحرياً بحسب الحمولة وطبيعة المهمة. هذه الأرقام مهمة لأن الحرب تحت الماء تعتمد على الطاقة والصمت والقدرة على البقاء بعيداً عن المنصة الأم لأطول فترة ممكنة.
لماذا تحتاج الغواصة إلى رفيق تحت الماء؟
استخدم جيه آر جير، نائب الرئيس والمدير العام للأنظمة المتكاملة والتشفير في L3Harris، تشبيهاً بسيطاً لوصف الفكرة عندما قال إن الغواص في البحر غالباً ما يكون معه رفيق غوص من أجل السلامة، ثم تساءل عن الرفيق الذي يمكن أن تمتلكه الغواصة. هذه الجملة تلخص فلسفة البرنامج: الغواصة تحتاج إلى منصة أصغر تتحرك أمامها، تدخل المناطق الخطرة، تجمع البيانات، ثم تعود إليها دون أن تعرض الغواصة الأم وطاقمها للخطر.
الغواصات الهجومية الأميركية، خصوصاً فئة Virginia class، مصممة للعمل في مهام شديدة السرية والحساسية. لكنها رغم قوتها الهائلة تبقى منصة مكلفة ونادرة ومأهولة، وأي كشف لموقعها قد يغيّر مسار عملية كاملة. لذلك، فإن إرسال Iver4 900 إلى الأمام يمكن أن يقلل المخاطر ويمنح الغواصة رؤية أوسع قبل اتخاذ القرار.
في هذا السياق، يمكن وصف Iver4 900 بأنها جناح مخلص تحت الماء. وكما تعمل الطائرات المسيرة مستقبلاً كمرافقة للمقاتلات المأهولة في الجو، يمكن لهذه المركبة أن تعمل كمرافقة صامتة للغواصات تحت البحر. الفرق أن البيئة تحت الماء أكثر صعوبة، لأن الاتصال محدود، والملاحة معقدة، والعودة إلى الغواصة أصعب بكثير من عودة طائرة مسيرة إلى قاعدة جوية.
الإطلاق والاستعادة من أنبوب الطوربيد
القدرة على الإطلاق من أنبوب الطوربيد ليست مجرد تفصيلة هندسية، بل هي جوهر القيمة العسكرية للنظام. الغواصات لا تملك رفاهية فتح أبواب خارجية كبيرة أو نشر معدات ظاهرة قد تؤثر في التخفي. لذلك، فإن استخدام أنبوب الطوربيد كمنفذ لإطلاق واستعادة المركبة يسمح للغواصة بالحفاظ على شكلها وشبحيتها وقدرتها على العمل بصمت.
لكن الاستعادة هي الجزء الأصعب. إطلاق مركبة من أنبوب طوربيد يمكن هندسته بدقة، أما إعادتها إلى الغواصة تحت الماء فتتطلب ملاحة دقيقة جداً، وتنسيقاً مع منصة تتحرك في بيئة مظلمة، وضبطاً للسرعة والعمق والاتجاه، إضافة إلى ضمان ألا تتحول عملية الاستعادة نفسها إلى مصدر ضوضاء أو خطر كشف.
إذا نجح هذا النظام بشكل موثوق، فسيمنح الغواصات الأميركية قدرة جديدة: إرسال مركبة إلى منطقة بعيدة، تنفيذ مهمة، ثم استعادتها وإعادة استخدامها لاحقاً. هذا يختلف عن بعض الأنظمة القابلة للاستهلاك أو التي تُطلق ولا تعود، ويجعل Iver4 900 أقرب إلى مستشعر قابل لإعادة الاستخدام وليس ذخيرة أو منصة مؤقتة.
كيف تعمل تقنياً في بيئة لا ترحم؟
العمل تحت الماء يختلف جذرياً عن العمل في الجو أو على الأرض. إشارات GPS لا تخترق الأعماق، والاتصال اللاسلكي العادي لا يعمل بكفاءة، والاتصال الصوتي بطيء وقد يكون قابلاً للرصد. لذلك تعتمد مركبات مثل Iver4 900 عادة على مزيج من الملاحة بالقصور الذاتي، ومقاييس العمق، والسونار، والخرائط البحرية، وربما نقاط مرجعية صوتية أو ملاحة مدمجة مع بيانات قاع البحر.
لم تكشف L3Harris ولا البحرية الأميركية تفاصيل طريقة الاتصال بالمركبة على المسافات الممتدة، وهو أمر متوقع لأن هذا الجانب يدخل مباشرة في الأمن العملياتي. لكن تقرير Naval News أشار إلى أن المركبة غير مربوطة بكابل، ما يسمح لها بالعمل على مدى واسع يصل إلى عشرات الأميال في أي اتجاه. هذا يمنح الغواصة قدرة على إرسالها إلى الأمام دون أن تبقى مقيدة بخط اتصال مادي.
هذا النوع من الاستقلالية لا يعني أن المركبة تفكر مثل الإنسان، بل يعني أنها قادرة على تنفيذ خطة مهمة محددة، والتنقل وفق مسار، وتجنب بعض العوائق، وجمع البيانات، ثم العودة أو الوصول إلى نقطة محددة. ومع تطور الذكاء الاصطناعي والتحكم الذاتي، قد تصبح هذه المركبات أكثر قدرة على التكيف مع البيئة دون الحاجة إلى أوامر مستمرة من الغواصة.
الحمولات القابلة للتبديل
واحدة من أهم نقاط قوة Iver4 900 أنها منصة وحداتية. يمكن تبديل الحمولات الموجودة على الجانبين، وفي المقدمة، وفي المؤخرة، وفق المهمة المطلوبة. وهذا يعني أن البحرية لا تشتري مركبة لمهمة واحدة فقط، بل منصة يمكن إعادة تشكيلها حسب الحاجة.
قد تحمل المركبة مصفوفات سونار لرسم خرائط قاع البحر، أو حمولات ISR للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، أو أنظمة مخصصة لـ كشف الألغام، أو معدات من شركات طرف ثالث. هذا يفتح الباب أمام منظومة أوسع من الشركاء الصناعيين، حيث تصبح Iver4 900 منصة حاملة للتقنيات وليست مجرد جهاز مغلق.
بالنسبة للبحرية، هذا مهم مالياً وعملياتياً. فإذا تغيرت المهمة، لا تحتاج القوة إلى شراء مركبة جديدة بالكامل، بل يمكن تبديل الحمولة أو البطارية أو الهوائي أو نظام الاستشعار. وكلما زادت قابلية التعديل، زادت قيمة المنصة عبر سنوات الخدمة.
رسم خرائط قاع البحر: المهمة الصامتة التي تغير الحرب
قد تبدو مهمة رسم خرائط قاع البحر أقل إثارة من إطلاق صاروخ أو اعتراض غواصة، لكنها في الحرب البحرية الحديثة من أهم المهام. قاع البحر لم يعد مجرد تضاريس طبيعية، بل أصبح مساحة استراتيجية تضم كابلات اتصالات، وأنابيب طاقة، ومستشعرات قاعية، وألغاماً، وممرات يمكن استخدامها للتخفي أو نصب الكمائن.
الغواصة التي تعرف قاع البحر بدقة تستطيع التحرك بأمان أكبر، واختيار ممرات أفضل، وتجنب مناطق الخطر، واستخدام التضاريس البحرية لصالحها. وفي مناطق مثل بحر الصين الجنوبي أو مضائق المحيط الهادئ، قد تكون معرفة القاع جزءاً من التفوق الاستراتيجي.
وجود Iver4 900 يسمح للغواصة بجمع هذه البيانات من دون الاقتراب بنفسها. وهذا يعني أن المركبة قد تقوم بعمل يبدو روتينياً لكنه يساهم مباشرة في بناء صورة استخباراتية عن منطقة العمليات.
مكافحة الألغام: الخطر الرخيص الذي يربك الأساطيل
الألغام البحرية من أرخص وأخطر الأسلحة في البحر. يمكن للغم واحد أن يغلق ممراً بحرياً، أو يؤخر قوة بحرية كاملة، أو يجبر سفناً وغواصات على تغيير مساراتها. لذلك، فإن مكافحة الألغام مهمة مثالية للأنظمة غير المأهولة، لأنها خطرة ومملة وتحتاج إلى دقة وصبر.
إرسال غواصة مأهولة أو سفينة كبيرة إلى منطقة مشكوك في وجود ألغام فيها يحمل خطراً كبيراً. أما إرسال مركبة أصغر مثل Iver4 900 فيقلل المخاطر، ويسمح بفحص المنطقة، وتحديد التهديدات، وبناء خريطة أولية قبل تحرك المنصات الأكبر.
في أي صراع مع قوة كبرى، قد تستخدم الألغام والمستشعرات القاعية لحرمان الخصم من الوصول إلى مناطق معينة. لذلك، فإن امتلاك مركبات صغيرة قادرة على المسح والتقييم قد يصبح شرطاً أساسياً لحرية الحركة البحرية.
الاستخبارات الأمامية: عين الغواصة قبل أن تقترب
المهمة الأخرى شديدة الأهمية هي جمع المعلومات الاستخباراتية الأمامية. الغواصة قد ترغب في معرفة ما يحدث في منطقة معينة لكنها لا تريد الاقتراب بما يكفي لكشف موقعها. هنا يمكن لـ Iver4 900 أن تتحرك أمامها، تجمع البيانات، ثم تعود أو ترسل المعلومات وفق طريقة الاتصال المتاحة.
هذا يعطي الغواصة قدرة على اتخاذ قرارات أفضل. فبدلاً من دخول منطقة غامضة، يمكنها إرسال مركبة أصغر لفهم البيئة أولاً. وإذا كانت المنطقة تحتوي على ألغام أو مستشعرات أو نشاط بحري معاد، يمكن للغواصة تعديل مسارها أو اختيار توقيت مختلف أو استخدام البيانات في دعم عملية أخرى.
في الحرب الحديثة، من يرى أولاً غالباً يقرر أولاً. لذلك، فإن قيمة Iver4 900 ليست في حجمها، بل في قدرتها على إعطاء الغواصة صورة أوسع دون المخاطرة بها.
كيف تدخل Iver4 900 في سلسلة القتل؟
تحدث Naval News عن أن البحرية الأميركية تطور مجموعة من التأثيرات والأنظمة المطلقة من الغواصات لزيادة قدرات كل غواصة في سلسلة القتل والاستهداف. المقصود بـ سلسلة القتل هو المسار الكامل من اكتشاف الهدف إلى تحديده وتتبع موقعه واتخاذ القرار ثم تنفيذ الهجوم.
في الحرب تحت الماء، هذه السلسلة صعبة لأنها تعتمد على معلومات محدودة واتصالات معقدة وبيئة بطيئة وغامضة. أي أداة تزيد قدرة الغواصة على الاستشعار وجمع البيانات وفهم البيئة يمكن أن تسرع القرار. لذلك، حتى لو لم تكن Iver4 900 سلاحاً مباشراً، فإنها قد تصبح جزءاً مهماً من سلسلة الاستهداف لأنها تجمع البيانات التي تجعل القرار ممكناً.
وهنا تكمن القيمة الأكبر: المركبة لا تحتاج إلى إطلاق النار كي تكون مؤثرة. يكفي أن تكشف لغواصة ما لا تستطيع رؤيته من موقعها، أو ترسم ممراً آمناً، أو تحدد منطقة خطر، أو تؤكد وجود هدف أو بنية قاعية مهمة.
الأرقام الرسمية: ماذا نعرف من الشركة؟
من الناحية المالية، لم تعلن L3Harris القيمة التفصيلية لعقد TTLR مع Defense Innovation Unit، ولم تنشر سعراً رسمياً للوحدة الواحدة من Iver4 900. لذلك، يجب التعامل مع أي رقم لسعر المركبة الواحدة باعتباره تقديراً غير رسمي ما لم يصدر عن الشركة أو البحرية.
لكن ما هو مؤكد أن L3Harris أعلنت في 25 مارس 2026 حصولها على عقد Other Transaction Authority من Defense Innovation Unit لتقديم نظام TTLR الذي يطلق ويستعيد مركبات Iver4 900 عبر أنابيب الطوربيد. وذكرت الشركة أن النظام يتيح مهام تشمل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وكشف الألغام وحرب قاع البحر، دون الحاجة إلى صعود الغواصة أو تعريض الطاقم للخطر.
كما قال نينو ديكوسمو، رئيس قطاع Maritime, Space and Mission Systems في L3Harris، إن نظام TTLR ليس قدرة مستقبلية بعيدة، بل يستجيب لاحتياجات قادة القتال اليوم. هذه العبارة مهمة لأنها تعني أن الشركة تقدم النظام باعتباره قدرة قابلة للاستخدام العملي الآن، وليس مشروعاً بحثياً طويل الأمد.
الميزانيات: أين يظهر هذا البرنامج داخل إنفاق البحرية؟
لا يظهر Iver4 900 وحده كرقم مستقل معلن في كل بنود الميزانية العامة، لكن برامج المركبات غير المأهولة تحت الماء تظهر بوضوح في تمويل البحرية الأميركية. طلبت البحرية الأميركية نحو 142 مليون دولار في السنة المالية 2026 ضمن برنامج Small and Medium Unmanned Undersea Vehicles في بند البحث والتطوير والاختبار والتقييم RDT&E. هذا البرنامج يغطي مركبات غير مأهولة تحت الماء بأقطار تتراوح تقريباً بين 3 و21 بوصة، ويدعم عائلة أنظمة يمكن إطلاقها واستعادتها من الغواصات أو السفن السطحية أو مركبات أكبر.
كما تظهر أرقام أخرى ضمن المشتريات الخاصة بالمركبات الصغيرة والمتوسطة غير المأهولة تحت الماء، حيث تشير بيانات ميزانية إلى طلب يقارب 121.3 مليون دولار في السنة المالية 2026 لخط مشتريات Small and Medium UUV. هذا لا يعني أن هذه الأموال كلها مخصصة لـ Iver4 900، لكنه يوضح أن البحرية تمول طبقة كاملة من الأنظمة تحت الماء، وأن المركبة تأتي داخل توجه مؤسسي أوسع وليس تجربة منفصلة.
على مستوى البحرية ككل، يبلغ طلب ميزانية Department of the Navy للسنة المالية 2026 نحو 292.2 مليار دولار. وسط هذا الرقم الضخم، تبدو مئات الملايين المخصصة للأنظمة غير المأهولة تحت الماء جزءاً صغيراً نسبياً، لكنها قد تكون من أكثر الاستثمارات تأثيراً لأنها تضيف قدرات جديدة إلى منصات قائمة تكلف مليارات الدولارات.
هل Iver4 900 رخيصة أم مكلفة؟
السعر الرسمي للوحدة غير معلن، لذلك لا يمكن تقديم رقم حاسم. لكن من منظور تحليلي، مركبة مثل Iver4 900 لا يمكن مقارنتها بطائرة مسيرة تجارية أو روبوت بحري بسيط. فهي تستخدم مواد متقدمة، وبطاريات خاصة، وملاحة تحت الماء، وسونار أو حمولات قابلة للتبديل، وتكامل مع غواصات نووية، ونظام إطلاق واستعادة معقد.
لذلك، من المرجح أن تكون تكلفة الحزمة الكاملة، عند احتساب المركبة والحمولات والتكامل والتدريب وقطع الغيار ونظام TTLR، في نطاق مرتفع قد يصل إلى مئات الآلاف أو أكثر من ذلك لكل نظام بحسب التكوين. لكن المهم أن البحرية لا تنظر إلى التكلفة كسعر مركبة فقط، بل كسعر قدرة إضافية لغواصة قيمتها عدة مليارات من الدولارات.
غواصة هجومية من فئة Virginia تكلف مليارات الدولارات، وتشغيلها وصيانتها وتدريب طاقمها يمثل استثماراً ضخماً. فإذا استطاعت مركبة أصغر بكثير أن تقلل المخاطر على هذه الغواصة، أو تمنحها قدرة إضافية على الاستطلاع ومكافحة الألغام، فإن تكلفة المركبة تصبح منطقية مقارنة بما تحميه أو تضيفه.
منطق التوفير: روبوت في الأمام وغواصة بمليارات في الخلف
القيمة المالية الحقيقية لـ Iver4 900 لا تكمن فقط في سعرها، بل في ما توفره من مخاطرة ووقت وجهد. إرسال غواصة نووية مأهولة إلى منطقة مشكوك بوجود ألغام أو مستشعرات فيها قد يكون مكلفاً وخطراً. أما إرسال مركبة ذاتية أصغر إلى الأمام فيقلل الخطر ويحافظ على الغواصة في وضع أكثر أماناً.
هذا هو جوهر التحول المالي في الحرب الحديثة: منصة مأهولة باهظة الثمن تبقى في الخلف، وروبوت أصغر وأرخص يتحمل الخطر أولاً. وإذا فقدت المركبة أو فشلت، تبقى الخسارة أقل بكثير من تعريض غواصة وطاقم ومهمة استراتيجية للخطر.
قال جيه آر جير إن الهدف هو أن يركز البحار على المهمة والتهديد، لا على كيفية قيادة أو توجيه المركبة. هذه العبارة تكشف أيضاً عن منطق اقتصادي غير مباشر، لأن وقت الطاقم وتدريبه وتركيزه موارد ثمينة داخل الغواصة. كلما تولت الأنظمة الذاتية الأعمال المملة والخطرة، أصبح الطاقم قادراً على التركيز على القرارات ذات القيمة الأعلى.
تكاليف التشغيل ودورة الحياة
رغم فوائد النظام، يجب عدم تصويره كحل بلا تكلفة. أي مركبة ذاتية تحت الماء تحتاج إلى صيانة، وبطاريات، وتحديثات برمجية، واختبارات دورية، وقطع غيار، وتدريب للطاقم، وتوافق مستمر مع الغواصات والحمولات الجديدة. كما أن العمل تحت الماء أكثر قسوة من العمل في الجو، لأن الضغط والملوحة والعزل والاتصالات كلها تفرض تحديات هندسية مستمرة.
تكلفة دورة الحياة قد تكون العامل الحاسم. فقد تشتري البحرية مركبة بسعر معين، لكنها ستدفع لاحقاً على الدعم الفني والتحديثات والاختبارات والحمولات. وإذا أصبحت Iver4 900 جزءاً عضوياً من عمليات الغواصات، فستحتاج إلى سلسلة إمداد وبرامج تدريب وإجراءات صيانة منتظمة مثل أي نظام عسكري آخر.
لكن في المقابل، هذه التكاليف قد تكون مقبولة إذا أدت إلى تقليل عدد ساعات تشغيل الغواصة في مهام خطرة، أو تقليل الحاجة إلى إرسال منصات أكبر، أو تحسين جودة المعلومات قبل اتخاذ قرارات عملياتية. في عالم الغواصات، تقليل الخطر قد يساوي الكثير من المال.
المقارنة مع منصات أكبر
الاتجاه العالمي نحو المركبات غير المأهولة تحت الماء لا يقتصر على الولايات المتحدة. أستراليا مثلاً استثمرت في برنامج Ghost Shark، وهو مركبة أكبر بكثير من Iver4 900 وتنتمي إلى فئة مختلفة، مع التزامات مالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات. الفارق أن Ghost Shark أقرب إلى منصة مستقلة كبيرة، بينما Iver4 900 أصغر وأكثر ارتباطاً بالغواصة الأم.
هذا يجعل Iver4 900 جذابة من منظور الميزانية لأنها لا تحاول استبدال الغواصة ولا بناء منصة ضخمة جديدة، بل تضيف طبقة روبوتية إلى الغواصات الموجودة. هذه الفلسفة قد تكون أسرع وأرخص من تطوير غواصات غير مأهولة كبيرة بالكامل، لكنها تمنح فوائد فورية في الاستطلاع والمسح ومكافحة الألغام.
لماذا يهم هذا في المحيط الهادئ؟
السبب الاستراتيجي الأكبر هو الصين. أي مواجهة مستقبلية في غرب المحيط الهادئ ستجري في بيئة بحرية شديدة التعقيد، حيث تمتلك بكين قدرات متنامية في مكافحة الغواصات، وشبكات مراقبة بحرية، وصواريخ بعيدة المدى، ومناطق ساحلية محمية. الغواصات الأميركية ستكون حاسمة، لكنها ستعمل في بيئة خطرة ومتزايدة الكثافة.
في هذا السيناريو، وجود مركبات مثل Iver4 900 يمنح الغواصات قدرة على العمل بحذر أكبر. يمكنها إرسال المركبة لمسح منطقة، أو فحص ممر، أو جمع بيانات قبل الاقتراب. وهذا قد يكون مهماً جداً في مناطق مثل بحر الصين الجنوبي أو حول تايوان أو قرب الممرات البحرية الحيوية.
السوق الدفاعي: الغواصات تدخل عصر الروبوتات
برنامج Iver4 900 يعكس تحولاً أوسع في السوق الدفاعي البحري. الجيوش لم تعد تريد منصات مأهولة فقط، بل تريد منصات مأهولة تقود أنظمة غير مأهولة حولها. في الجو، يظهر هذا في الطائرات القتالية التعاونية. في البر، يظهر في المركبات الروبوتية. وفي البحر، يظهر في المركبات السطحية وتحت السطحية غير المأهولة.
بالنسبة إلى L3Harris، القيمة المستقبلية لن تكون فقط في بيع مركبة واحدة، بل في بناء عائلة حمولات وبرمجيات وأنظمة تكامل وتحديثات. وكلما زاد اعتماد البحرية على هذه العائلة، زادت فرص العقود اللاحقة في الصيانة والتطوير والتدريب والحمولات المتخصصة.
وهذا هو ما يجعل السوق جذاباً للشركات الدفاعية. الأنظمة غير المأهولة ليست مجرد منتج يباع مرة واحدة، بل منظومة طويلة العمر تتطور عبر التحديثات والحمولات والبرمجيات.
ما الذي يمكن أن نراه لاحقاً؟
من المتوقع أن تستمر البحرية الأميركية في اختبار Iver4 900 مع غواصات Virginia class، ثم توسع التجارب إلى فئات أخرى إذا أثبت النظام موثوقيته. المرحلة الحاسمة ستكون إثبات أن الإطلاق والاستعادة من أنبوب الطوربيد يمكن أن يتمّا بأمان وهدوء وموثوقية في ظروف واقعية.
قد نرى أيضاً بطاريات أطول عمراً، وحمولات سونار أكثر تطوراً، وخوارزميات ملاحة ذاتية أفضل، وقدرات اتصال أكثر أماناً، وربما تشغيل عدة مركبات من الغواصة نفسها لإنشاء شبكة استشعار مؤقتة تحت الماء. على المدى الأبعد، قد تصبح الغواصة مركز قيادة صامتاً يدير مجموعة من المركبات الذاتية، بدلاً من أن تعمل وحدها في العمق.
Iver4 900 ليست مجرد مسيرة تحت الماء، بل مؤشر على تحول أكبر في الحرب البحرية. الغواصة الأميركية لم تعد مطالبة بأن ترى وتفعل كل شيء وحدها، بل يمكنها إرسال رفيق آلي صغير إلى الأمام، يجمع البيانات، يرسم القاع، يكشف الألغام، ويدخل المناطق الخطرة قبلها.
من الناحية المالية، لا يجب النظر إلى Iver4 900 كسعر مركبة فقط، بل كاستثمار في توسيع قدرة غواصات تكلف مليارات الدولارات. فإذا استطاعت المركبة أن تقلل المخاطر على الغواصة، وتحرر الطاقم من المهام المملة والخطرة، وتمنح البحرية صورة أفضل عن قاع البحر والتهديدات، فإنها قد تكون واحدة من أكثر الاستثمارات البحرية ذكاءً في العقد المقبل.
في عالم تتزايد فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تحت سطح البحر، قد تصبح الأنظمة مثل Iver4 900 جزءاً أساسياً من الحرب الصامتة القادمة: غواصة مأهولة في الخلف، وروبوت صغير في الأمام، وقرار أسرع في بيئة لا ترحم.
المصدر: Naval News


