تتحول طفرة الذكاء الاصطناعي وموجة مراكز البيانات الجديدة في الولايات المتحدة إلى عامل ضغط خطير على شبكات الكهرباء، إلى درجة أنها تعيد تشغيل محطات توليد قديمة ومُلوِّثة كان يفترض أن تُحال إلى التقاعد نهائيا، وعلى رأسها محطات Peaker Plants (بيكر بلانتس الذروية) التي تعمل لساعات محدودة وقت الذروة.
كيف أعادت مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي محطة فيسك للحياة؟
في حي Pilsen (بيلسن) العمالي في مدينة Chicago (شيكاغو)، تقف محطة Fisk (فيسك) النفطية القديمة التابعة لشركة NRG Energy (إن آر جي إنرجي) خلف حديقة عامة مليئة بالأطفال. هذه المحطة المكونة من ثماني وحدات توليد كانت مجدولة للتقاعد العام المقبل، لكنها حصلت على “فرصة ثانية” بسبب انفجار الطلب على الكهرباء من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
ارتفاع الأسعار في سوق الكهرباء الأكبر في البلاد، PJM Interconnection (بي جي إم إنتركونكشن)، بعد أن تجاوز طلب مراكز البيانات القدرة المتاحة على الشبكة، جعل تشغيل وحدات فيسك الذروية مجددا مجديا اقتصاديا. مسؤول في NRG قال إن الشركة سحبت إشعار التقاعد لأن هناك الآن “جدوى اقتصادية” للإبقاء على الوحدات في الخدمة.
محطة فيسك مثال صارخ على اتجاه أوسع: محطات Peaker التي بُنيت لتعمل فقط في فترات الطلب القصوى تعود اليوم إلى الواجهة كخط دفاع أخير ضد الانقطاعات، ولكن بثمن بيئي وصحي مرتفع.
محطات Peaker… إنقاذ من الانقطاعات مقابل تلوث أعلى
محطات Peaker Plants مصممة لتشتغل لبضع ساعات فقط خلال موجات الحر، أو البرد الشديد، أو لحظات الضغط المفاجئ على الشبكة. ميزتها أنها يمكن أن تدخل الخدمة في دقائق لتمنع انقطاع التيار، لكنها في المقابل أقل كفاءة من المحطات الكبيرة التي تعمل بشكل مستمر، وتستهلك وقودا أحفوريا أكثر وتطلق ملوثات بنسب أعلى لكل وحدة كهرباء.
في تحليل أجرته رويترز لبيانات شبكة PJM أظهر أن حوالي 60% من محطات النفط والغاز والفحم التي كان من المقرر تقاعدها هذا العام في نطاق الشبكة قامت بتأجيل أو إلغاء خطط الإغلاق، ومعظم هذه المحطات وحدات Peaker. كما أن محطات Peaker لا تمثل سوى نحو 3% من الكهرباء المولدة سنويا، لكنها تمتلك قدرة إجمالية تكفي نظريا لتوفير حوالي 19% من الطاقة إذا شُغلت بشكل كامل، ما يجعلها “احتياطي قوة” مغريا لمشغلي الشبكات.
المشكلة أن هذه المحطات، بحسب دراسات حكومية وأكاديمية أميركية، غالبا ما تفتقر إلى أنظمة متقدمة للحد من Mercury (الزئبق) أو Particulate Matter (الجسيمات الدقيقة)، كما أن مداخنها أقصر، ما يعني أن التلوث يبقى مركزا في الأحياء المحيطة.
عبء بيئي إضافي على أحياء فقيرة وملوّثة أصلا
حوالي ألف محطة Peaker منتشرة في أنحاء الولايات المتحدة، لكن الأبحاث تشير إلى أنها تتركز بشكل غير متناسب في الأحياء منخفضة الدخل والمجتمعات الملونة. دراسة أجرتها جامعة UCLA (يو سي إل إيه) عام 2022 على الأحياء التي تعرضت سابقا لسياسات Redlining (الحرمان الائتماني العنصري) وجدت أن سكان هذه المناطق كانوا أكثر عرضة بنسبة 53% لوجود محطة Peaker قريبة مقارنة بالمناطق الأخرى.
في Pilsen، نجح السكان قبل أكثر من عقد في إغلاق محطة فحم قديمة كانت تعمل على نفس موقع Fisk بعد معركة طويلة ضد التلوث. إغلاق محطة الفحم أدى إلى تراجع هائل في الانبعاثات، لكن وحدات Peaker الثمانية التي تعمل بالزيت بقيت نشطة. بيانات EPA (وكالة حماية البيئة الأميركية) تشير إلى أن انبعاثات Sulfur Dioxide (ثاني أكسيد الكبريت) من الموقع تراوحت بين نحو 2 و25 طنا سنويا، رغم أن المحطة لا تعمل إلا في فترات متقطعة.
نشطاء الصحة البيئية يحذرون من أن هذه الأرقام ليست بسيطة في منطقة ذات مداخن منخفضة ومنازل قريبة، خصوصا في حي يعاني أيضا من حركة شاحنات كثيفة، ومنشآت صناعية، وطريق سريع يمر وسطه.
قفزة أسعار الكهرباء تكشف حجم الأزمة
طلب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على الكهرباء داخل نطاق PJM، الذي يمتد عبر 13 ولاية ويضم أكبر تجمع لمراكز البيانات في العالم، بدأ يستهلك الهوامش الاحتياطية للشبكة. أسعار عقود القدرة التي تدفع لمولدات الكهرباء لضمان استعدادها للعمل في أوقات الذروة قفزت بأكثر من 800% في مزادات هذا الصيف مقارنة بالعام الماضي، مما جعل الاستثمار في محطات Peaker فجأة مربحا جدا.
شبكة PJM حذرت من أنها لا تستطيع في المرحلة الحالية الاستغناء عن أي قدرات توليد قائمة، سواء من الغاز أو الفحم أو وحدات Peaker، بالتوازي مع محاولة توصيل مزيد من محطات Solar (الطاقة الشمسية) وWind (طاقة الرياح) وBattery Storage (تخزين البطاريات).
بيان من PJM نقلته رويترز قال بوضوح إن الشبكة “لا تستطيع تحمل خسارة أي قدرات قائمة” في الوقت الذي تحاول فيه اللحاق بالطلب القادم من مراكز البيانات وغيرها من الأحمال الكبيرة التي تقود اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
الإدارة الأميركية ترى في Peaker جزءا من الحل السريع
مع تصاعد الضغوط، بدأت إدارة الرئيس الأميركي Donald Trump (دونالد ترامب) تبحث عن حلول سريعة لسد فجوة الطاقة. وزير الطاقة Chris Wright (كريس رايت) قال في مقابلة إنه توجد “أعداد كبيرة” من محطات Peaker يمكن تشغيلها أكثر لو لم تكن هناك قيود صارمة من لوائح الهواء النظيف، واعتبر أن أكبر فرصة قصيرة المدى هي الاستفادة من “القدرة الاحتياطية” الموجودة بالفعل.
تقرير صادر عن Government Accountability Office GAO (مكتب المحاسبة الحكومي) أوضح أن محطات Peaker تنتج في المتوسط حوالي 1.6 مرة أكثر من Sulfur Dioxide عن كل وحدة كهرباء مقارنة بمحطات الغاز العادية، ما يعني أن الاعتماد عليها لسد الفجوة سيجلب تكلفة بيئية وصحية ملموسة.
بدائل أنظف: نقل كهرباء وبطاريات بدلا من حرق المزيد من الوقود
خبراء الطاقة يشيرون إلى أن هناك بدائل حقيقية لتكثيف الاعتماد على محطات Peaker، لكنها تحتاج استثمارات جادة. أحد المسارات هو بناء خطوط نقل كهرباء أقوى بين الأقاليم، بحيث يمكن نقل كهرباء وفيرة من مناطق ذات فائض مثل بعض ولايات الغرب الأوسط إلى مناطق تعاني من عجز.
بديل آخر هو تسريع نشر البطاريات على مستوى الشبكة، التي تتحسن قدرتها على تخزين الكهرباء لساعات أطول، ويمكنها تعويض جزء كبير من دور محطات الذروة عبر تخزين فائض طاقة الشمس والرياح وإطلاقه وقت الذروة.
لكن حتى تنضج هذه البدائل وتصبح منتشرة، ستظل أحياء مثل Pilsen وغيرها من المجتمعات القريبة من محطات Peaker في الخط الأمامي لتلقي عبء التلوث الناجم عن سباق الذكاء الاصطناعي.
هل يدفع المستهلكون ثمن ثورة الذكاء الاصطناعي؟
إضافة إلى التكاليف البيئية والصحية، تحذر تحليلات أكاديمية من أن إطالة عمر محطات الذروة وتأجيل تقاعد محطات الوقود الأحفوري قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في فواتير الكهرباء للمستهلكين، لأن تشغيل هذه الوحدات مكلف والقدرة الاحتياطية المدفوعة تضاف في نهاية المطاف إلى أسعار التجزئة.
خبراء مثل جون كويغلي من مركز Kleinman Center for Energy Policy (مركز كلاينمان لسياسات الطاقة) في جامعة بنسلفانيا يحذرون من أن الاعتماد على محطات الذروة لسد فجوات الطلب من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
“سيضيف تكاليف كبيرة على المستهلكين ويُبطئ ربط مشاريع الطاقة النظيفة الجديدة بالشبكة”.
في المقابل، تؤكد PJM أنها تواصل ربط مشاريع الطاقة المتجددة والطاقة النووية ومحطات الغاز الحديثة، لكنها تعترف في الوقت نفسه بأنها “تحتاج إلى كل ميغاواط متاح” حاليا.
بالنسبة لسكان الأحياء المجاورة لمحطات Peaker، فإن معركة الأمس ضد محطات الفحم تعود اليوم في ثوب جديد: هذه المرة ليس فقط ضد تلوث محلي واضح، بل ضد موجة عالمية من استهلاك الطاقة يقودها الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، من Cloud Computing (الحوسبة السحابية) إلى Generative AI (الذكاء الاصطناعي التوليدي).
المصدر: رويترز


