تمكن علماء في جامعة رايس من تطوير تقنية ثورية تجمع بين الذكاء الاصطناعي ومكتبات ضخمة من الحمض النووي DNA لإعادة تعريف طريقة تصميم الدوائر الجينية، في خطوة يُتوقع أن تُحدث تحولا جذريا في مجالات العلاج الجيني والتقنيات الحيوية والطب الدقيق.
ويمثل هذا الإنجاز حلا لإحدى أعقد المشكلات في مجال البيولوجيا التركيبية، حيث يستطيع العلماء برمجة الخلايا لتؤدي وظائف محددة، لكن تحديد التسلسل الجيني الصحيح القادر على تنفيذ تلك الوظيفة ظل تحديا شبيها بالبحث عن إبرة داخل كومة قش.
وقال الباحث في جامعة رايس كاليب باشور إن «هناك عددا هائلا من التصاميم المحتملة لأي وظيفة جينية، والعثور على التصميم المناسب عملية بالغة الصعوبة».
تقنية جديدة توسع حدود التصميم الجيني
يعتمد الاختراق العلمي الجديد على تقنية أطلق عليها اسم CLASSIC، وهو اختصار لعبارة تعني دمج تقنيات التسلسل الجيني الطويل والقصير لفهم التعقيد الجيني. وتسمح هذه المنهجية للباحثين بإنتاج مئات الآلاف إلى ملايين التصاميم الجينية دفعة واحدة، وهو رقم غير مسبوق في هذا المجال.
وأوضح باشور، وهو أستاذ مساعد في الهندسة الحيوية ونائب مدير معهد رايس للبيولوجيا التركيبية، أن الفريق نجح في تطوير أسلوب قادر على إنشاء واختبار مكتبات جينية ضخمة على نطاق لم يكن متاحا من قبل.
ويهدف المشروع إلى ربط التسلسلات الجينية المعروفة باسم الدوائر الجينية بالسلوكيات التي تنتجها داخل الخلايا البشرية. ولتحقيق ذلك، بنى الفريق مكتبات هائلة من الدوائر الجينية ثم قام بتتبع كيفية أدائها داخل خلايا بشرية حقيقية.
دمج تقنيات التسلسل لتحقيق الدقة والسرعة
تعتمد تقنية CLASSIC على الجمع بين التسلسل طويل المدى القادر على قراءة آلاف القواعد الجينية دفعة واحدة وتسجيل التصميم الكامل للدائرة الجينية، والتسلسل قصير المدى الذي يتميز بسرعته ودقته العالية في المقاطع القصيرة.
وقال الباحث المشارك رونان أوكونيل إن استخدام الطريقتين معا فتح الباب أمام بناء واختبار مكتبات جينية واسعة النطاق لم يكن من الممكن تحليلها سابقا باستخدام أسلوب واحد فقط.
وقام الفريق بإدخال هذه الدوائر الجينية في خلايا كلوية بشرية معدلة وراثيا بحيث تصدر توهجا ضوئيا عند تنشيط جينات معينة. وكلما زاد التوهج، دل ذلك على نشاط جيني أعلى.
ومن خلال التسلسل قصير المدى، تمكن الباحثون من تتبع الرموز التعريفية لكل تصميم جيني داخل مجموعات الخلايا المختلفة، ما أتاح ربط كل تسلسل جيني بنتيجته الوظيفية وبناء قواعد بيانات ضخمة عالية الدقة.
تعليم الآلة لرسم خريطة الجينات
بفضل هذه البيانات الهائلة، تم تدريب نماذج تعلم الآلة على فهم العلاقة بين التصميم الجيني والسلوك الخلوي، ما سمح للعلماء بالتنبؤ بأداء تصاميم جينية لم يتم اختبارها فعليا داخل المختبر.
وقال أوكونيل إن النماذج المدربة باتت قادرة على استكشاف مشهد جيني واسع والتنبؤ بنتائج لم تكن متاحة سابقا بسبب محدودية البيانات.
وأظهرت اختبارات التحقق الأولية دقة عالية للغاية، إذ تطابقت نتائج 40 تصميما جينيا تم التنبؤ بها بواسطة الذكاء الاصطناعي مع نتائج الاختبارات اليدوية بنسبة كاملة.
الذكاء الاصطناعي يقود مستقبل البيولوجيا التركيبية
أكد الباحث المشارك كشيتج راي أن الحجم الهائل للبيانات هو العامل الحاسم الذي سمح للذكاء الاصطناعي بالعمل بكفاءة في هذا المجال، مشيرا إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يمكن فيها استخدام نماذج تعلم الآلة للتنبؤ بدقة بأداء دوائر جينية غير مختبرة.
وكشفت الدراسة أيضا أن العديد من الدوائر الجينية لا تعتمد على حل واحد مثالي، بل تمتلك عدة حلول فعالة، ما يمنح المهندسين مرونة أكبر لتصميم أنظمة حيوية أكثر متانة وقدرة على التكيف.
ويرى الفريق البحثي أن الدمج بين الإنتاج عالي الكثافة للبيانات والنمذجة الذكية سيسرّع تطوير العلاجات الخلوية والعلاجات الجينية، ويفتح آفاقا جديدة في تصميم الأدوية والتطبيقات الصناعية الحيوية.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature (نيتشر) العلمية، وسط توقعات بأن تمثل هذه التقنية نقطة تحول في كيفية تصميم الأنظمة البيولوجية في المستقبل.


