في الذكرى الثالثة لإطلاق شات جي بي تي، يكشف تقرير جديد عن تحوّل عميق في صناعة التقنية تقوده شركات الذكاء الاصطناعي، حيث باتت هذه الشركات تحقّق إيرادات ضخمة بعدد محدود للغاية من الموظفين، مقارنة بشركات التقنية التقليدية التي اعتادت الاعتماد على آلاف العاملين لتحقيق مستويات قريبة من هذه العوائد.
التقرير الصادر عن شركة مراكز البيانات TRG Datacenters يوصّف شركات الذكاء الاصطناعي بأنها تتصدر سباق الإنتاجية على مستوى الإيراد لكل موظف. وبحسب الأرقام، يتصدر منتج كوبيلوت Copilot قائمة الكفاءة بإيراد يبلغ نحو 4.26 مليون دولار لكل موظف، يليه أوبن إيه آي OpenAi بنحو 2.87 مليون دولار، ثم شركة ديب سيك Deepseek الصينية التي تحقق حوالي 1.25 مليون دولار لكل موظف. وهي أرقام تتجاوز بهامش واسع متوسط شركات البرمجيات والخدمات السحابية التقليدية.
ويُرجع التقرير هذه القفزة في الإنتاجية إلى قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على أتمتة نسبة كبيرة من الأعمال التي كانت تتطلب سابقاً فرقاً بشرية كاملة. فخدمات مثل كوبيلوت باتت تكتب ما بين نصف إلى 60 في المئة من الكود في شركات مثل جوجل ومنصة جيت هب، ما يعني أن جزءاً كبيراً من العمل البرمجي اليوم أصبح منجزاً بواسطة الآلة، بينما يتركز دور المبرمجين على المراجعة والتصميم المعماري واتخاذ القرارات التقنية.
أوبن إيه آي، وهي من أبرز اللاعبين في هذا المجال، توظّف نحو ثلاثة آلاف شخص فقط، لكنها تحقق إيرادات سنوية تُقدّر بـ 8.6 مليار دولار، أي ما يعادل تقريباً 2.87 مليون دولار لكل موظف. ومع أكثر من 800 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدماتها، يشير التقرير إلى أن كل موظف في الشركة يخدم عملياً مئات الآلاف من المستخدمين حول العالم، في نموذج عمل يعتمد على منصات رقمية واسعة النطاق مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتشير تقديرات حديثة إلى أن الشركة في طريقها لبلوغ 20 مليار دولار في الإيراد السنوي المتكرر بنهاية 2025.
وفي المقابل، تمثل ديب سيك نموذجاً أكثر تطرفاً في الهيكل التشغيلي الخفيف المعتمد على عدد محدود من الموظفين، إذ لا يتجاوز عدد موظفيها 160 موظفاً، مع إيرادات تقديرية تصل إلى 200 مليون دولار سنوياً. ويركز نشاط الشركة بشكل أكبر على البحث والتطوير بدلاً من التوسع التجاري السريع، ما يعكس توجهاً للاحتفاظ بهيكل تشغيلي محدود تديره خوارزميات قوية وبنية تحتية رقمية عالية الكفاءة.
وعلى مستوى القطاع ككل، يشير التقرير إلى أن صناعة الذكاء الاصطناعي حققت خلال العام الماضي إيرادات تفوق 200 مليار دولار، بينما لا يتجاوز متوسط عدد العاملين في كبرى الشركات نحو 1500 موظف. كما تظهر البيانات أن القطاعات الأكثر تبنياً لتقنيات الذكاء الاصطناعي تسجّل نمواً في الإيراد لكل عامل يزيد بثلاثة أضعاف عن القطاعات الأخرى، في حين ترتفع الأجور في الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بمعدل يضاعف تقريباً نمو الأجور في الوظائف التقليدية، مع تحسن واضح في تجارب العملاء لدى الشركات التي أدخلت الذكاء الاصطناعي في عملياتها.
ويرى محللون أن هذه الأرقام تؤشر إلى اتجاه عالمي نحو شركات تقنية ذات هيكل خفيف من حيث عدد الموظفين، وأكثر اعتماداً على الأتمتة والبرمجيات الذكية في تحقيق النمو. وفي الوقت نفسه، تطرح هذه التحولات أسئلة جديدة حول مستقبل الوظائف، وطبيعة المهارات المطلوبة في سوق العمل، وكيفية توزيع عوائد الإنتاجية بين أصحاب الأعمال والموظفين في عالم باتت فيه الخوارزميات مشاركة أساسية في خلق القيمة الاقتصادية.


