أصبحت التحديات المناخية اليوم أكثر تعقيداً وتسارعاً من أي وقت مضى، ما يفرض على الحكومات حول العالم البحث عن أدوات أكثر ذكاءً لدعم اتخاذ القرار، وحماية المجتمعات، وتحويل المخاطر إلى فرص تنموية مستدامة. وفي هذا السياق، أصدرت مؤسسة القمة العالمية للحكومات في دبي ، بالتعاون مع شركة «أكسنتشر»، تقريراً جديداً بعنوان:
«مزايا التكيّف مع التغير المناخي: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة الحكومات على دفع العمل المناخي نحو نتائج أفضل؟»
هذا التقرير يسلّط الضوء على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في تمكين الحكومات من التعامل مع التغير المناخي ليس بوصفه تهديداً فقط، بل كمسار لإطلاق فرص اقتصادية وتقنية جديدة.
تقرير عالمي يستند إلى بيانات وتجارب واقعية
يعتمد التقرير على أكثر من 20 دراسة حالة من مختلف مناطق العالم، ويستقي بياناته من أكثر من 50 دولة تبنت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي. هذا التنوع يمنح التقرير بعداً عملياً، ويجعله أقرب إلى دليل تطبيقي للحكومات وصنّاع القرار، وليس مجرد وثيقة نظرية.
ويؤكد التقرير أن الحكومات تواجه مهمة مزدوجة:
– حماية المجتمعات من الآثار المتصاعدة للتغير المناخي مثل موجات الحر، وشح المياه، والفيضانات، واضطراب سلاسل الإمداد.
– تسريع تبني التقنيات التحولية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، لتحسين جودة حياة الأفراد والمجتمعات، وتعزيز جاهزية القطاع الحكومي للمستقبل.
سبعة مجالات رئيسية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل المناخي
يتبنى التقرير سبعة محاور رئيسية توضّح كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم بشكل فعّال في دعم جهود العمل المناخي التي تقودها الحكومات، وهي:
-
صياغة السياسات وتنفيذها
يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل كميات ضخمة من البيانات المناخية والاقتصادية والاجتماعية، وتقديم نماذج تساعد الحكومات على تصميم سياسات أكثر دقة، وقياس أثرها المتوقع، وضبطها بشكل مستمر وفقاً للنتائج على أرض الواقع. -
نماذج استشراف التغير المناخي
يساعد الذكاء الاصطناعي في بناء نماذج متقدمة للتنبؤ بالظواهر المناخية، ورسم سيناريوهات مستقبلية لمستويات الحرارة والأمطار وارتفاع مستوى البحار، ما يمكّن الحكومات من التخطيط المبكر للبنية التحتية، وإدارة المخاطر، وتحديد المناطق الأكثر هشاشة. -
الزراعة المستدامة
من خلال تحليل بيانات التربة، والطقس، وأنماط الزراعة، يمكن للذكاء الاصطناعي دعم المزارعين وصنّاع القرار في تحسين كفاءة استخدام المياه، واختيار المحاصيل الأنسب، وتقليل الهدر، وزيادة الإنتاجية بطريقة تراعي الاستدامة. -
التخطيط الحضري الذكي
يعزز الذكاء الاصطناعي قدرات المدن في التخطيط الحضري من خلال تحليل حركة المرور، وجودة الهواء، وأنماط استخدام الأراضي، ما يساعد على تصميم مدن أكثر مرونة، وأقل استهلاكاً للطاقة، وأكثر قدرة على التكيّف مع الظواهر المناخية المتطرفة. -
إدارة الطاقة
يمكن للأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحسين كفاءة شبكات الكهرباء، ودمج مصادر الطاقة المتجددة، وإدارة الطلب على الطاقة في الأوقات الحرجة، ما يسهم في تقليل الانبعاثات والمحافظة على استقرار الشبكات. -
إشراك المجتمع
يسّهل الذكاء الاصطناعي الوصول إلى المواطنين عبر منصات رقمية ذكية، وتقديم معلومات مخصصة عن المخاطر المناخية، وبرامج التوعية، وفرص المشاركة المجتمعية في مبادرات الاستدامة، ما يعزز شعور الأفراد بدورهم في الحل. -
سلاسل التوريد والمشتريات الحكومية
يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل سلاسل التوريد الحكومية، وتحديد نقاط الضعف، وتعزيز الشفافية والاستدامة في المشتريات، عبر تتبع البصمة الكربونية للمنتجات والخدمات، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
التحدي المناخي يتصاعد… ودور الحكومات يتعاظم
يشير التقرير إلى أن التزامات الدول، سواء المتقدمة أو النامية، قد زادت منذ التصديق على اتفاقية باريس للمناخ عام 2015 بنحو 18 ضعفاً. ومع ذلك، لا تزال هذه الالتزامات غير كافية في ظل تسارع ارتفاع درجات الحرارة، حيث كان عام 2024 الأكثر حرارةً على الإطلاق، وأول عام يتجاوز فيه متوسط درجة حرارة سطح الأرض العالمية 1.5 درجة مئوية، بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
هذه الأرقام تضع الحكومات أمام واقع واضح: لا يكفي الإعلان عن التعهدات، بل يجب تطوير قدرات عملية قادرة على ترجمتها إلى نتائج ملموسة، وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة تمكين أساسية.
رؤية القمة العالمية للحكومات: حلول متوازنة بين التقنية والبيئة
قال محمد الشرهان، مدير مؤسسة القمة العالمية للحكومات، إن تقرير «مزايا التكيّف مع التغير المناخي» يأتي في مرحلة تشهد تسارعاً مزدوجاً، تطور كبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتفاقماً في التحديات البيئية والمناخية.
وأشار إلى أن هذا الواقع يستدعي ابتكار فرص وحلول وسياسات متوازنة، تدعم جاهزية عمل الحكومات، وتعزز قدرتها على تحقيق أعلى مستويات التكيّف مع التحولات العالمية، مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
نحو نموذج حكومي أكثر استعداداً للمستقبل
التقرير يطرح إطار عملي يمكن للحكومات البناء عليه لتطوير استراتيجيات وطنية تجمع بين:
– التخطيط المناخي طويل المدى،
– والاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي،
– وتفعيل الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات البحثية.
في عالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد منخفض الكربون، سيكون تميّز الحكومات في استخدام الذكاء الاصطناعي عنصرًا حاسمًا في قدرتها على حماية مجتمعاتها، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص جديدة في مجالات الطاقة النظيفة، والزراعة الذكية، والمدن المستدامة، وغيرها من القطاعات التي تشكل ملامح اقتصاد المستقبل.


