تُعرَّف الكتابة الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بأنها دمج لقدرات الذكاء الاصطناعي، وخاصة معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، لتبسيط عمليات إنشاء ومراجعة وتلخيص المستندات الطبية المعقدة. وتشمل هذه المستندات بروتوكولات التجارب السريرية، وتقارير السلامة الدوائية، والوثائق التنظيمية.
وأصبح سوق استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة الطبية يشهد نمواً متسارعاً وسط توقعات بارتفاع قيمته من نحو 758.7 مليون دولار في 2024 إلى 2.854 مليار دولار في 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقدَّر بـ 14.2%، حسب ما أفاد تقرير لجلوبال انسايت.
بشكل عام كانت الكتابة الطبية تعتمد على فرق متخصصة تعمل لفترات طويلة لضمان الدقة العلمية والامتثال الصارم للمعايير التنظيمية. واليوم أصبحت حلول الذكاء الاصطناعي تساعد في أتمتة المهام المتكررة، وتقليل الأخطاء البشرية، وتوحيد أسلوب الكتابة، خصوصاً في المستندات التنظيمية الحساسة زمنياً. كما تسهم هذه الأدوات في تفسير وتحويل البيانات السريرية المعقدة إلى تقارير واضحة وقابلة للتنفيذ، وهو ما يسرّع تطوير الأدوية ويُحسّن كفاءة التواصل في القطاع الصحي.
يرتبط نمو السوق بعدة عوامل، أبرزها الاستثمار المتزايد في الصحة الرقمية، والاتجاه نحو الطب الشخصي، والحاجة إلى إدارة أحجام ضخمة من البيانات الطبية. في المقابل، ما زالت هناك تحديات رئيسية تشمل حماية خصوصية البيانات، ومخاطر الانحياز الخوارزمي، وارتفاع تكاليف التطبيق الأولية. ومع تشديد الأطر التنظيمية، تحتاج المؤسسات إلى منصات آمنة ومتوافقة تضمن الشفافية وقابليّة التتبع في كل ما ينتجه الذكاء الاصطناعي من محتوى.
المشهد التنافسي يضم عدداً متزايداً من الشركات المتخصصة مثل Narrativa وSynthetaic وJellyfish وArria NLG وDeepScribe وHealthLytix وLexalytics، إلى جانب شركات تقنية كبرى مثل IBM و Oracle التي تستفيد من قدراتها المتقدمة في الذكاء الاصطناعي وشراكاتها مع شركات الأدوية. يركّز اللاعبون الرئيسيون على تطوير أدوات متخصصة لتوليد اللغة الطبيعية في المجال الطبي، ومساعدات كتابة موجهة للتخصصات، ووظائف تحقق آلي فوري من جودة المحتوى وامتثاله للإرشادات الدولية مثل معايير ICMJE وتوجيهات وكالة الأدوية الأوروبية (EMA).
جغرافياً، تتصدر أميركا الشمالية السوق بفضل الاستثمارات الكبيرة في الصحة الرقمية ومراكز الأبحاث الدوائية، تليها أوروبا التي تدفعها الأطر التنظيمية الصارمة نحو اعتماد أدوات تضمن الدقة والتوحيد في التقارير الطبية. أما منطقة آسيا والمحيط الهادئ فهي الأسرع نمواً، بدعم من تطور البنية التحتية لتقنية المعلومات الصحية وزيادة الأبحاث السريرية في الصين والهند وكوريا الجنوبية. وتبقى أميركا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا أسواقاً ناشئة بدأت تدريجياً في إدماج حلول الذكاء الاصطناعي لسد فجوات الموارد في التوثيق الطبي.
الأشهر الأخيرة شهدت عدداً من التحركات الاستراتيجية؛ من بينها تعاون بين فايزر وIBM لأتمتة إنشاء المستندات التنظيمية، وإطلاق أسترازينيكا منصة جديدة للكتابة الآلية بهدف تقليص زمن إعداد التقارير السريرية، إلى جانب استحواذ جونسون آند جونسون على شركة ناشئة في مجال الكتابة الطبية بالذكاء الاصطناعي. كما قام الاتحاد الأوروبي بتحديث إرشاداته حول الاستخدام الأخلاقي والشفاف للذكاء الاصطناعي في النشر الطبي، في خطوة تعكس التركيز المتزايد على الجودة وسلامة المرضى.
هذه التطورات تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد أداة مساعدة في الكتابة الطبية، بل جزءاً أساسياً من البنية التحتية لصناعة الأدوية والرعاية الصحية خلال العقد المقبل، مع استمرار نمو السوق وظهور تطبيقات جديدة في التجارب السريرية، وتوثيق تطوير الأدوية، والاتصال الموجّه للمرضى.


