الخلفية:

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل رياضة أصحاب الهمم؟.. الإمارات نموذجاً

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد تقنية نخبوية في مختبرات الشركات الكبرى، بل بات لاعباً أساسياً في الملاعب والصالات الرياضية، وخصوصاً في رياضة أصحاب الهمم. من تحليل الحركة، إلى الأطراف الذكية، إلى التجربة الجماهيرية؛ يفتح الذكاء الاصطناعي باباً جديداً للمساواة في الفرص الرياضية وجودة الحياة.

وترتبط هذه التحولات برؤية الإمارات، بقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لترسيخ مكانة الدولة ضمن الدول الرائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على تمكين أصحاب الهمم ودمجهم في المجتمع، وليس الاكتفاء بتقديم خدمات تقليدية لهم.

تدريب أكثر ذكاءً وأداء أدق

في رياضة أصحاب الهمم، كل تفصيل في الحركة يصنع فرقاً في النتيجة. هنا يأتي دور تقنيات الرؤية الحاسوبية التي تحلل فيديوهات التدريب لحظة بلحظة، فتقيس زوايا حركة الذراع والكتف، وسرعة الكرسي المتحرك، واتزان الجسم، ثم تقدّم للمدرب تقارير واضحة عن نقاط القوة والضعف، واقتراحات عملية لتعديل التكنيك.

كما تتيح خوارزميات الذكاء الاصطناعي بناء برامج تدريب شخصية، تأخذ في الاعتبار نوع الإعاقة، والحالة الصحية، وتاريخ الإصابات، لتحدد شدة التمرين ومدة الراحة وتمارين التقوية، بما يقلل مخاطر الإجهاد ويحافظ على استمرارية الرياضي في المنافسة.

أطراف وكراسٍ وهياكل «تفهم» صاحبها

تطوّرت الأطراف الصناعية من مجرد قطعة ميكانيكية إلى طرف ذكي يقرأ إشارات العضلات أو الأعصاب ويتعلّم نمط حركة الرياضي مع الوقت. هذا التطور يجعل الجري أو ركوب الدراجة أو رفع الأثقال أقرب ما يكون إلى الحركة الطبيعية، ويمنح أصحاب الهمم فرصة أداء تنافسي حقيقي.

الأمر نفسه ينطبق على الكراسي المتحركة الرياضية الذكية، القادرة على ضبط السرعة وعزم الدفع بحسب درجة ميلان أرضية الملعب والمضمار، ما يخفف الحمل البدني على اللاعب ويحسن دقة المناورات. كما تستخدم بعض الفرق هياكل روبوتية خارجية «إكسوسكلتون» في التدريب وإعادة التأهيل، تضيف قوة مساعدة محسوبة بدقة عبر نماذج تعلم آلي تستجيب لحركة وتوازن الجسم في الزمن الحقيقي.

الوقاية من الإصابات إلى إعادة التأهيل

من خلال تحليل بيانات الحمل التدريبي، والضغط على المفاصل، ونمط الحركة، تستطيع خوارزميات التنبؤ بالإصابات رصد إشارات مبكرة تشير إلى خطر محتمل، وتقترح خفض شدة التمرين أو تغيير طريقة الأداء قبل حدوث الإصابة فعلاً.

وفي مرحلة التأهيل، تظهر أنظمة علاج طبيعي وروبوتات تفاعلية تجعل التمارين العلاجية أكثر دقة وتشويقاً، مع إمكانية تحويلها إلى ألعاب إلكترونية تحفّز الرياضي على الاستمرار، بدل الملل الذي يصاحب جلسات العلاج التقليدية.

عدالة أكبر في التصنيف والتحكيم

التصنيف البارالمبي من أكثر الملفات حساسية، لأنه يحدد الفئة التي سيتنافس فيها الرياضي. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم لجان التصنيف من خلال نماذج تقيس القدرة الوظيفية، ومجال الحركة، وقوة العضلات، استناداً إلى بيانات موضوعية، بما يقلل هامش التحيّز البشري، مع بقاء القرار النهائي بيد الخبراء.

كذلك تُستخدم أنظمة تتبّع ذكية للكرة والكراسي المتحركة وخطوط الملعب، لتسجيل المخالفات بدقة ومساعدة الحكام في اللقطات الصعبة، ما يعزز الإحساس بالعدالة لدى اللاعبين والجماهير على حد سواء.

تجربة جماهيرية أكثر شمولاً

لا يتوقف دور الذكاء الاصطناعي عند حدود الملعب، بل يمتد إلى المدرجات والشاشات. فأنظمة الترجمة الفورية للغة الإشارة، والوصف الصوتي الآلي للمباريات، تسهّل على المشجعين من الصم والمكفوفين متابعة الحدث الرياضي في الوقت الحقيقي. كما يمكن لتطبيقات ذكية أن تشرح القواعد المعقدة لبعض الرياضات البارالمبية للجمهور الجديد بطريقة مبسطة وتفاعلية.

الإمارات.. من رؤية شاملة إلى مبادرات على الأرض

تتبنى دولة الإمارات مقاربة واضحة تقوم على تمكين أصحاب الهمم في مختلف مجالات الحياة، ومن بينها الرياضة والتكنولوجيا. يرتكز هذا التوجه على إطار تشريعي متين، مثل القانون الاتحادي رقم 29 لسنة 2006 وتحديثاته، الذي يضمن حقوق أصحاب الهمم في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، ويشجع على توفير التقنيات المساندة لهم.

على المستوى الرقمي، أطلقت الحكومة «السياسة الوطنية للنفاذ الرقمي»، التي تلزم الجهات الحكومية بتصميم خدماتها الإلكترونية لتكون متاحة لأصحاب الهمم وكبار السن، مع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لرفع كفاءة الوصول إلى الخدمات الرقمية.

في المجال البحثي، تلعب جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي دوراً محورياً في تطوير حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي تراعي مبادئ الشمولية، حيث تؤكّد الجامعة في فعالياتها العلمية أن تصميم التكنولوجيا يجب أن ينطلق من احتياجات الفئات الأكثر عرضة للتهميش، بما في ذلك أصحاب الهمم.

كما تعمل مؤسسات مثل مؤسسة زايد العليا لأصحاب الهمم على استثمار الذكاء الاصطناعي والروبوتات في تطوير خدمات التأهيل والتعليم الدامج، وهو ما يبرز في مشاركتها في مؤتمرات متخصصة حول دور الذكاء الاصطناعي في تمكين هذه الفئة.

ومن المبادرات اللافتة، إطلاق أول مختبر للذكاء الاصطناعي مخصص لأصحاب الهمم بالتعاون مع بنك التنمية الإماراتي في جمعية الإمارات لمتلازمة داون في دبي، بهدف تطوير حلول صحية وتعليمية وتدريبية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتمنح الأطفال واليافعين من أصحاب الهمم فرصة التعرّف المبكر إلى مفاهيم البرمجة والروبوتات.

وفي ميدان الرياضة تحديداً، تعمل أندية ومراكز مثل نادي دبي لأصحاب الهمم على تجربة نظم تحليل أداء قائمة على الذكاء الاصطناعي، تجمع بيانات الحركة واللياقة لتقديم خطط تدريبية أكثر تخصيصاً للرياضيين، في انسجام مع توجه الدولة إلى جعل الرياضة قناة أساسية لدمج أصحاب الهمم في المجتمع وتعزيز حضورهم في البطولات الإقليمية والعالمية.

يوفّر الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية لإعادة تعريف رياضة أصحاب الهمم: رياضة أكثر عدلاً، وأقل إصابات، وأكثر متعة للاعبين والجماهير. غير أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات لا تتحقق إلا عندما ترتبط برؤية إنسانية واضحة، تعتبر أصحاب الهمم شركاء كاملين في صناعة المستقبل، لا متلقّين لخدمات رعاية فقط.

لا تكتفي الإمارات برفع شعارات التمكين، بل تحوّلها اليوم إلى واقع ملموس عبر منظومة متكاملة من القوانين والتشريعات، والاستثمار في البحث العلمي، ومبادرات ميدانية حية في الأندية والمدارس والمختبرات. ومع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي، يتّسع الفارق بين دول توظّف التقنية لتعميق الفجوة، وأخرى تستثمرها لردمها وفتح آفاق جديدة أمام أصحاب الهمم. وفي هذا المشهد العالمي المتسارع، تختار الإمارات بوضوح أن تكون في مصاف الدول التي تجعل الذكاء الاصطناعي أداة للدمج والإنصاف، لا وسيلة للإقصاء والتمييز

اقرأ أيضاً