ناسا (NASA) دخلت مرحلة جديدة في استكشاف الفضاء بعد إطلاق مهمة أرتميس 2 (Artemis II)، وهي أول رحلة مأهولة إلى ما بعد المدار الأرضي المنخفض (Low Earth Orbit) منذ آخر بعثة مأهولة في برنامج أبولو (Apollo) عام 1972. هذه المهمة لا تتعلق فقط بإرسال أربعة رواد فضاء في رحلة تستمر نحو عشرة أيام حول القمر، بل تمثل اختبارا شاملا للبنية التقنية واللوجستية والبشرية التي ستحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على العودة إلى سطح القمر ثم بناء وجود دائم هناك في السنوات المقبلة.
أهمية المهمة تأتي من أنها أول اختبار مأهول متكامل لصاروخ نظام الإطلاق الفضائي (Space Launch System – SLS) ومركبة أوريون (Orion) في الفضاء العميق، وهي بيئة تختلف جذريا عن المدار الأرضي القريب من حيث الإشعاع ومدة التأخير في الاتصال ومتطلبات الاعتمادية. كما أن هذه المهمة تحمل بعدا جيوسياسيا واضحا، لأن الولايات المتحدة تسعى إلى استعادة وجودها البشري على القمر قبل أن تنفذ الصين مهمتها المأهولة المخطط لها قبل عام 2030، في وقت يعود فيه القمر إلى الواجهة كمنصة علمية واستراتيجية واقتصادية في آن واحد.
الطاقم والأسماء والأدوار داخل المركبة
تضم المهمة أربعة رواد فضاء يمثلون مزيجا من الخبرة العسكرية والتشغيلية والرمزية الدولية. يقود المهمة ريد وايزمان بصفته القائد، وهو المسؤول عن القرارات النهائية خلال الرحلة وعن قيادة الطاقم في الظروف الطارئة. ويشغل فيكتور جلوفر منصب الطيار، وهو مسؤول بصورة أساسية عن دعم عمليات الملاحة والمناورات ومراقبة أداء المركبة أثناء المراحل الحرجة. أما كريستينا كوك فهي اختصاصية مهمة، وتضطلع بدور أساسي في اختبارات الأنظمة وعمليات التنسيق الداخلي والتقييم التشغيلي للمركبة. ويشارك جيريمي هانسن من وكالة الفضاء الكندية بوصفه اختصاصي مهمة أيضا، ليصبح أول كندي في رحلة مأهولة إلى محيط القمر. هذه التركيبة ليست رمزية فقط، بل مقصودة لتعكس طبيعة برنامج Artemis باعتباره برنامجا متعدد الشركاء تقوده الولايات المتحدة لكنه يعتمد على مساهمات دولية متزايدة.
الصاروخ والمركبة والكتلة والقدرة التقنية
ينطلق الطاقم على متن صاروخ SLS Block 1، وهو صاروخ ثقيل الرفع يبلغ ارتفاعه نحو 98 مترا ويولد عند الإقلاع قوة دفع تقارب 8.8 مليون رطل، وهي قوة تجعله أقوى من معظم أنظمة الإطلاق الحديثة المخصصة للرحلات المأهولة إلى الفضاء العميق. يتكون الصاروخ من المرحلة الأساسية المركزية التي تعمل بأربعة محركات RS-25 معززة باثنين من المعززات الصلبة، ثم مرحلة عليا تعرف باسم المرحلة العليا المؤقتة للدفع المبرد (Interim Cryogenic Propulsion Stage) التي تنفذ الحرقات المدارية اللاحقة.
فوق هذا الصاروخ توجد مركبة Orion، وهي ليست كبسولة بسيطة على نمط أبولو، بل نظام رحلات متكامل مكون من وحدة الطاقم (Crew Module) ووحدة الخدمة الأوروبية European Service Module التي توفر الدفع والطاقة الحرارية والكهرباء والمياه والهواء. المركبة مصممة لحمل أربعة رواد فضاء في رحلات تمتد إلى نحو 21 يوما، ويبلغ قطر الكبسولة حوالي 5 أمتار، مع حجم داخلي أكبر بنحو 50 بالمئة من كبسولات Apollo. وتضم أوريون نظام حماية حرارية شديد التطور يعتمد على درع حراري من نوع Avcoat، صمم لتحمل حرارة عودة قد تصل إلى نحو 5000 درجة فهرنهايت وسرعات تقترب من 24,700 ميل في الساعة عند اختراق الغلاف الجوي أثناء العودة من مسار قمري.
تكلفة المهمة والبرنامج والبعد الصناعي
برنامج Artemis يعد من أكثر البرامج الفضائية كلفة في العصر الحديث. تقديرات الهيئات الرقابية الأميركية أشارت سابقا إلى أن إجمالي تكاليف حملة Artemis حتى منتصف العقد الحالي بلغ عشرات المليارات، مع تقديرات واسعة تشير إلى أن الكلفة التراكمية للحملة وصلت إلى نحو 93 مليار دولار حتى عام 2025، بينما تقدر كلفة بعض الرحلات الفردية باستخدام SLS وOrion بما يتجاوز 4 مليارات دولار للمهمة الواحدة عند احتساب مكونات الإطلاق والتجهيزات والبنية التحتية. هذه الأرقام تشرح لماذا تعتبر Artemis أكثر من برنامج علمي، فهي أيضا مشروع صناعي ضخم يربط بوينج (Boeing) ولوكهيد مارتن (Lockheed Martin) ونورثروب غرومان (Northrop Grumman) وشركاء دوليين مثل إيرباص (Airbus) في سلسلة إنتاج معقدة ومكلفة تهدف إلى إعادة بناء قدرة أميركية مستقلة على الرحلات المأهولة إلى الفضاء العميق.
ما الذي يحدث قبل الإطلاق ولماذا هو معقد جدا
المرحلة السابقة للإطلاق ليست مجرد عد تنازلي، بل سلسلة طويلة من العمليات اللوجستية والفنية شديدة الحساسية. تبدأ العملية بدمج الصاروخ في مبنى التجميع العمودي، ثم نقله فوق منصة متحركة إلى منصة الإطلاق 39B في مركز كينيدي الفضائي. بعد ذلك تبدأ اختبارات الوقود المبرد، ومراجعات جاهزية الطاقم، واختبارات الاتصالات العميقة، والتحقق من حالة الطقس ومسارات الإلغاء المحتملة. في الرحلات المأهولة، لا يكفي أن يكون الصاروخ قادرا على العمل، بل يجب أن تكون كل أنظمة الإنقاذ والإخلاء والقياسات الحيوية للطاقم في حالة جاهزية كاملة.
قبل الإقلاع أيضا، يتم تجهيز الطاقم ببدلات الإطلاق والهبوط، ثم يصعد الرواد إلى أوريون قبل ساعات من الإطلاق لبدء فحوصات المقصورة وضغطها ووضعية أنظمة الدعم الحيوي. وعند الإقلاع، يتحول كل شيء إلى تسلسل زمني دقيق إلى درجة الثواني، لأن أي انحراف في ضغط الوقود أو درجة الحرارة أو أداء المحركات قد يؤدي إلى إلغاء المحاولة بالكامل.
أهداف المهمة التقنية بالتفصيل
هدف Artemis II ليس الهبوط على القمر، بل إثبات أن المنظومة كلها قادرة على حمل بشر بأمان في رحلة عميقة بعيدة عن الأرض. تشمل أهداف المهمة اختبار أنظمة دعم الحياة (Life Support) داخل أوريون، والتأكد من أداء الملاحة والاتصالات والطاقة في ظروف الفضاء العميق، واختبار قدرة الطاقم على التحكم اليدوي بالمركبة إذا تعطل التوجيه الآلي. كما تتضمن المهمة مناورات اقتراب ودوران حول المرحلة العليا بعد الوصول إلى المدار الأرضي، وهي مناورات مهمة لأنها تثبت أن الطاقم قادر على قيادة المركبة بدقة عالية في فضاء معقد ثلاثي الأبعاد.
كما تهدف المهمة إلى جمع بيانات بشرية وفسيولوجية حول تأثير الإشعاع والحبس الطويل والعمل التشغيلي في الفضاء العميق. وهذا جانب محوري، لأن إرسال بشر إلى القمر أو المريخ لا يتطلب أن تعمل المركبة فقط، بل أن تظل قابلة للعيش والتشغيل تحت الضغط النفسي والبدني الذي يتعرض له الطاقم على مدى أيام أو أسابيع بعيدا عن الحماية النسبية التي يوفرها المجال المغناطيسي الأرضي.
مسار الرحلة من الأرض إلى القمر
بعد الإقلاع، يدخل الطاقم أولا في مدار أرضي أولي وليس في مسار قمري مباشر. هذه المرحلة تمنح الطاقم ومراقبي المهمة فرصة لفحص الأنظمة تحت ظروف الفضاء الفعلية، والتأكد من سلامة أوريون بعد الانفصال عن الصاروخ. ثم ينفذ الطاقم اختبارات قيادة يدوية والتفافات قريبة من المرحلة العليا قبل تنفيذ مناورة حقن المسار القمري (Trans Lunar Injection)، وهي حرق مداري دقيق ينقل المركبة من مدار أرضي إلى مسار بعيد باتجاه القمر.
خلال الرحلة، ستسافر أوريون إلى مسافة تقارب 406,000 كيلومتر من الأرض، متجاوزة بذلك المسافة القياسية التي سجلتها Apollo 13، ما يجعل هذه الرحلة الأبعد التي يقطعها بشر في التاريخ. ستمر المركبة قرب القمر ثم حول جانبه البعيد، حيث تنقطع الاتصالات مؤقتا مع الأرض. هذه اللحظات ليست مجرد تفاصيل درامية، بل اختبار عملي لقدرة المركبة على الاستمرار في العمل المستقل في بيئة لا يمكن فيها الاعتماد على اتصال فوري مع مراكز التحكم.
الأنظمة الحرجة داخل أوريون
مركبة أوريون ليست مجرد كبسولة نقل، بل نظام فضائي متكامل يضم أنظمة ملاحة عميقة لا تعتمد على GPS، وأنظمة إدارة طاقة تقوم على ألواح شمسية في وحدة الخدمة، إضافة إلى 33 محركا صغيرا ومتوسطا في وحدة الخدمة تستخدم للمناورات الدقيقة وتصحيح المسار. كما تحتوي المركبة على نظام إجهاض إطلاق Launch Abort System القادر على سحب الكبسولة بعيدا عن الصاروخ إذا وقع خلل كبير في مرحلة الإقلاع أو الصعود، وهو عنصر أساسي في سلامة الطاقم.
ومن الناحية الداخلية، صممت المقصورة لتوفير مساحة معيشية أكبر من Apollo، لكنها تظل بيئة ضيقة نسبيا إذا قورنت بمحطات فضائية أو حتى بمركبات مستقبلية مثل ستارشيب (Starship). ولهذا فإن Artemis II أيضا اختبار بشري حقيقي للعيش والعمل والنوم وإدارة النظافة والطعام والمهام التشغيلية في حيز محدود على مدى أيام.
كيف يعيش الطاقم؟
الحياة اليومية داخل أوريون منظمة بدقة شديدة، حيث يتبع الطاقم جدولا زمنيا مقسما إلى فترات عمل ونوم وراحة، يتم تنسيقه مع مركز التحكم الأرضي. يتناول الرواد وجباتهم على شكل أطعمة مجففة أو معبأة يتم إعادة ترطيبها باستخدام الماء، وتشمل وجبات عالية السعرات مصممة للحفاظ على الطاقة في بيئة منخفضة الجاذبية. أما النوم، فيتم داخل أكياس نوم مثبتة في جدران الكبسولة لمنع الطفو العشوائي، مع إضاءة يتم التحكم بها لمحاكاة دورة الليل والنهار للحفاظ على الساعة البيولوجية.
من ناحية العمل، يقضي الطاقم ساعات يوميا في تنفيذ اختبارات الأنظمة ومراقبة الأداء، إضافة إلى إجراء تجارب علمية بسيطة ودراسة استجابة الجسم البشري للفضاء العميق. كما يقومون بتجارب قيادة يدوية وتقييمات تشغيلية، ما يجعل كل يوم في المهمة مزيجا بين العمل التقني والتدريب العملي.
الاتصال مع الأرض يتم عبر شبكة Deep Space Network، لكنه يختلف عن الاتصالات الأرضية، حيث يوجد تأخير زمني يصل إلى عدة ثوان، خاصة عند الابتعاد عن الأرض أو المرور خلف القمر. يمكن للطاقم إرسال واستقبال رسائل صوتية وفيديو، لكن الاتصال ليس فوريا كما في الإنترنت على الأرض.
أما من ناحية الترفيه، فإن الرواد يمكنهم مشاهدة محتوى مخزن مسبقا مثل الأفلام أو الاستماع إلى الموسيقى أو قراءة مواد رقمية، لكن لا يوجد اتصال إنترنت مباشر أو بث حي بسبب القيود التقنية في الفضاء العميق. هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تلعب دورا حاسما في الحفاظ على الحالة النفسية للطاقم خلال المهمة، خاصة في بيئة معزولة وبعيدة عن الأرض بشكل غير مسبوق.
مرحلة العودة ولماذا تعد الأخطر
إذا كانت مرحلة الإطلاق هي الأكثر عنفا من حيث الطاقة، فإن مرحلة العودة هي الأكثر قسوة من حيث الفيزياء الحرارية. تستخدم Artemis II مسارا يعرف باسم المسار الحر للعودة (Free Return Trajectory) بحيث تساعد جاذبية القمر على إعادة المركبة إلى الأرض. وعند الاقتراب من الأرض، تبدأ أوريون دخول الغلاف الجوي بسرعات أعلى بكثير من سرعات العودة من المدار الأرضي المنخفض، ما يولد أحمالا حرارية شديدة جدا على الدرع الحراري.
هذه المرحلة تحظى بأهمية خاصة لأن مهمة Artemis I كشفت عن تآكل غير متوقع في بعض عناصر الدرع الحراري، وهو ما دفع ناسا إلى تعديل بعض الجوانب في ملف الطيران والعودة لتقليل الإجهاد الحراري. بعد اجتياز الذروة الحرارية، تنشر أوريون نظام المظلات على مراحل قبل الهبوط في المحيط الهادئ، حيث تبدأ بعد ذلك عملية استعادة معقدة تشمل سفن دعم وفرق سلامة وغواصين ومعدات رفع لضمان إخراج الطاقم والمركبة بأمان.
لماذا هذه المهمة مهمة للقمر وليس فقط لهذه الرحلة
Artemis II هي البروفة التشغيلية الكبرى للبعثات التي ستليها. في الهيكل المحدث لبرنامج Artemis، أصبحت المهمة تمهيدا لمهام لاحقة أكثر تعقيدا ستشمل اختبار بدلات وأنظمة هبوط وعمليات سطحية قبل إعادة البشر فعليا إلى القمر. الهدف الأميركي الحالي يركز على القطب الجنوبي للقمر، لأن هذه المنطقة يعتقد أنها تحتوي على جليد مائي في مناطق مظللة بشكل دائم. وجود الماء هناك مهم للغاية لأنه يمكن استخدامه للشرب، ولدعم الحياة، بل وحتى لاستخراج الأكسجين والهيدروجين مستقبلا لإنتاج الوقود. وهذا يحول القمر من هدف رمزي إلى بنية تحتية محتملة للوجود البشري الطويل في الفضاء.
من ينافس الولايات المتحدة في هذا السباق
المنافس المباشر الأبرز هو الصين، التي أعلنت عبر برنامجها الفضائي المأهول أنها تستهدف تنفيذ أول هبوط مأهول على القمر قبل عام 2030. الصين تطور منظومة تشمل مركبة مأهولة جديدة وصاروخا ثقيلا وبنية هبوط قمرية، وهي لا تنظر إلى القمر كرحلة رمزية فقط، بل كمنصة لتأسيس وجود دائم وتعاون دولي تقوده بكين على المدى الطويل. وهذا ما يجعل Artemis ليس برنامجا علميا فقط، بل أداة نفوذ جيوسياسي وتكنولوجي.
إلى جانب الصين، توجد برامج ومشاريع دولية أخرى مرتبطة بالقمر وإن كانت ليست كلها مأهولة. أوروبا (Europe) تشارك بعمق في Artemis عبر وحدة الخدمة الأوروبية لأوريون، كما تعمل على مشاريع اتصالات وخدمات قمرية مثل Moonlight. اليابان شريك أساسي في البنية المستقبلية للوجود القمري من خلال تقنيات النقل والدعم والروبوتات. الهند توسع برامجها القمرية على نحو متسارع بعد نجاحات مهمات تشاندرايان، حتى وإن لم تكن بعد في مستوى برنامج مأهول قمري كامل. كما أن شركات خاصة أميركية مثل سبيس إكس وبلو أوريجين لم تعد مجرد مقاولين، بل أصبحت لاعبين مؤثرين في شكل العمارة القمرية المستقبلية من خلال تطوير مركبات هبوط وأنظمة نقل وبنية إمداد.
دور الشركات الخاصة والحمولات المستقبلية
رغم أن Artemis II نفسها لا تحمل حمولة سطحية قمرية لأنها مهمة تحليق واختبار، فإنها تمهد لمرحلة ستصبح فيها الحمولة العلمية واللوجستية جزءا أساسيا من كل رحلة. في المدى القريب، تعتمد ناسا على سبيس إكس وبلو أوريجين لتطوير مركبات هبوط قمرية يمكنها حمل الطواقم والمعدات إلى السطح، وعلى شبكات صناعية أوسع لتأمين الإمدادات والمركبات والعربات السطحية والأنظمة المعيشية. لذلك فإن نجاح Artemis II يفتح الباب أمام سلسلة قيمة اقتصادية كاملة، من إطلاق الصواريخ إلى بناء بنية تحتية قمرية وخدمات اتصالات ونقل وموارد.
كيف تؤثر المهمة على المستقبل البشري في الفضاء
إذا نجحت Artemis II في تحقيق أهدافها الرئيسية، فإنها ستعطي ناسا وحلفاءها ثقة تشغيلية وتقنية للانتقال إلى المراحل التالية من العودة إلى القمر. وهذا لا يعني فقط تنفيذ هبوط مأهول، بل تأسيس نموذج جديد للاستكشاف يقوم على الوجود المستدام بدلا من الزيارات القصيرة. القمر في هذا السياق يصبح مختبرا لتقنيات الإقامة الطويلة، وإدارة الموارد، والتعامل مع الغبار القمري، والإشعاع، والأنظمة المغلقة، وهي كلها خبرات ضرورية لأي مهمة بشرية حقيقية إلى المريخ.
المعنى الأوسع للمهمة أن البشرية تدخل مرة أخرى حقبة الاستكشاف العميق، لكن بأدوات أكثر تعقيدا وشراكات أكثر اتساعا ومنافسة دولية أكثر وضوحا. النجاح هنا لن يقاس فقط بوصول الطاقم والعودة بسلام، بل بقدرة هذه الرحلة على تحويل القمر من ذكرى تاريخية إلى محطة عملية في مستقبل استيطان الفضاء.
على المستوى الأكاديمي والمهني، تفتح Artemis II الباب أمام توسع كبير في مجالات الهندسة الفضائية وعلوم الكواكب والذكاء الاصطناعي والروبوتات وإدارة الأنظمة المعقدة. الجامعات ومراكز الأبحاث ستعيد توجيه برامجها لتخريج كوادر قادرة على العمل في بيئات الفضاء العميق، بينما سيزداد الطلب على وظائف مثل مهندسي الدفع، ومختصي الحماية الحرارية، وعلماء المواد، ومهندسي البيانات الفضائية، ومشغلي المهام. كما أن سلسلة الإمداد المرتبطة بالفضاء، من تصنيع الرقائق إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد والطاقة المتجددة، ستخلق فرص عمل جديدة وتدفع نحو اقتصاد معرفي عالي القيمة. على المدى المتوسط، قد نشهد نشوء قطاعات مهنية جديدة بالكامل مرتبطة بالبنية التحتية القمرية، والخدمات اللوجستية بين الأرض والقمر، والسياحة الفضائية، وهو ما يحول الفضاء من مجال نخبة علمية إلى سوق عمل واسع ومتعدد التخصصات.
المصدر:رويترز


