تتحرك الصين بخطوة جديدة وحاسمة نحو الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات عبر فرض قاعدة غير معلنة تشترط أن تستخدم مصانع الرقائق 50% على الأقل من المعدات المحلية عند إضافة أي قدرة إنتاجية جديدة. هذه القاعدة، التي كشفها مصدر لوكالة رويترز، تعيد رسم خريطة سلاسل الإمداد في واحدة من أهم الصناعات الإستراتيجية في العالم.
القرار يأتي في سياق سباق مفتوح بين بكين وواشنطن على التحكم في التقنيات المتقدمة، بعد سنوات من القيود الأميركية على تصدير معدات تصنيع الرقائق، والتي استهدفت إبطاء تقدم الصين في المجالات الحساسة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
قاعدة 50%… من توجيه غير معلن إلى أداة ضغط صناعية
بحسب المصادر، لا توجد وثيقة علنية تنص على قاعدة 50% معدات محلية، لكن أي شركة رقائق في الصين تسعى للحصول على موافقة حكومية لبناء مصنع جديد أو توسيع مصنع قائم، تُطالَب بإثبات أن نصف المعدات على الأقل من موردين صينيين عبر وثائق المناقصات وعقود الشراء.
التطبيق ليس شكليًا؛ فطلبات التوسعة التي لا تحقق نسبة 50% يتم رفضها في العادة، مع وجود مرونة محدودة عندما لا تتوافر معدات محلية لنقاط تكنولوجية متقدمة. في خطوط تصنيع الشرائح الأكثر تطورًا، حيث لا تزال المعدات المحلية غير مكتملة، تسمح السلطات بمستوى أقل من الالتزام، لكن التوجه الإستراتيجي واضح: رفع النسبة تدريجيًا وصولًا إلى 100% على المدى الطويل.
أحد المصادر أوضح أن السلطات “تفضل أن تكون النسبة أعلى بكثير من 50%“، وأن الهدف النهائي هو أن تعمل المصانع الصينية مستقبلًا بمعدات محلية بالكامل تقريبًا، كلما سمح مستوى التكنولوجيا بذلك.
من قيود واشنطن إلى تعبئة “كل الأمة” في بكين
تسارع هذا التوجه بعد تشديد الولايات المتحدة قيود التصدير في 2023، حيث حظرت بيع شرائح ذكاء اصطناعي متقدمة ومعدات تصنيع رئيسية إلى الصين. وبدلًا من إيقاف الصناعة الصينية، دفعت هذه القيود بكين إلى تسريع سياسة “تعبئة الأمة بالكامل” التي يدعو إليها الرئيس شي جين بينغ (Xi Jinping) لبناء سلسلة توريد شبه كاملة داخل الحدود الصينية.
تحت هذه الرؤية، تعمل آلاف الفرق من المهندسين والباحثين في الشركات والمختبرات الوطنية لتطوير بدائل محلية لكل حل أجنبي تقريبًا، من معدات الطباعة الضوئية (Lithography) إلى معدات الحفر والتجهيز الكيميائي والتنظيف، مرورًا بالمواد المتقدمة وشرائح التحكم.
لدعم هذا التحول، ضخت الحكومة مئات مليارات اليوان عبر صندوق صناعة الدوائر المتكاملة الوطني المعروف باسم Big Fund (بيج فاند)، الذي دخل مرحلته الثالثة في 2024 برأسمال يبلغ 344 مليار يوان تقريبًا، ما يجعله أحد أضخم صناديق دعم أشباه الموصلات في العالم.
صعود Naura و AMEC… وانحسار هيمنة الشركات الغربية
من أوائل المستفيدين من قاعدة 50% معدات محلية شركات مثل Naura Technology (ناورا تكنولوجي) وAdvanced Micro-Fabrication Equipment AMEC (إيه إم إي سي)، اللتين أصبحتا في قلب جهود إحلال المعدات الأجنبية في المصانع الصينية.
مصادر في القطاع تشير إلى أن Naura نجحت في تشغيل معدات الحفر Etching الخاصة بها على خطوط تصنيع بدقة 14nm، وتختبر الآن هذه المعدات على خط إنتاج متقدم بدقة 7nm لدى SMIC (سيميكونداكتور مانيوفاكتورينغ إنترناشونال كوربوريشن)، أكبر foundry صيني. هذا التطور يعد مؤشرًا على سرعة اللحاق التقني في واحدة من أعقد مراحل تصنيع الرقائق.
قبل ذلك، كانت معدات الحفر المتقدمة تأتي أساسًا من شركات أجنبية مثل Lam Research (لام ريسيرش) الأميركية وTokyo Electron (طوكيو إلكترون) اليابانية. لكن بفضل القاعدة الجديدة، تتحول طلبيات جزء متزايد من خطوط الإنتاج إلى شركات محلية، ما يمنحها فرصة ذهبية لتطوير منتجاتها ورفع جودتها عبر التجارب الميدانية في مصانع حقيقية.
اللافت أن Naura لم تكتف بتوريد المعدات الكاملة، بل طورت أيضًا Electrostatic Chucks (حواضن كهرستاتيكية) لتمكين المصانع الصينية من الاستمرار في استخدام معدات Lam Research التي لم تعد الشركة الأميركية قادرة على خدمتها بعد قيود 2023، وهو ما يقلل اعتماد الصين على خدمات ما بعد البيع الأجنبية.
الأرقام المالية تعكس هذا التحول؛ فإيرادات Naura للنصف الأول من 2025 قفزت بحوالي 30% لتصل إلى نحو 16 مليار يوان، بينما سجلت AMEC نموًا بنحو 44% في الفترة نفسها بإيرادات تقارب 5 مليارات يوان. كما سجلت Naura رقمًا قياسيًا بتقديم 779 براءة اختراع في 2025، مقارنة بعدد أقل من نصف هذا الرقم قبل أعوام قليلة.
في المقابل، تواجه الشركات الأجنبية التي اعتادت الهيمنة على السوق الصيني انكماشًا متزايدًا في حصتها، مع إحلال تدريجي لمعداتها، حتى في القطاعات التي لم تطلها القيود الأميركية مباشرة، مثل معدات إزالة Photoresist والتنظيف التي كان اليابانيون يسيطرون عليها تقريبًا بالكامل، بينما تشير تقديرات المحللين الآن إلى وصول الصين إلى نحو 50% اكتفاء ذاتي في هذا المجال.
تغيير قواعد اللعبة في سلاسل الإمداد العالمية
قاعدة 50% معدات محلية لا تؤثر فقط على المصانع الصينية، بل تمتد تبعاتها إلى الأسواق العالمية. فمع توسع استخدام المعدات المحلية، قد تنخفض الطلبات على منتجات الشركات الأميركية واليابانية والأوروبية، ليس فقط في الصين، بل أيضًا في الأسواق التي قد تستورد هذه المعدات الصينية الأرخص أو الأكثر توافرًا في المستقبل.
في الوقت نفسه، تحمل هذه السياسة مخاطر على كفاءة الصناعة الصينية نفسها؛ ففرض استخدام معدات محلية أقل نضجًا قد يرفع تكاليف التشغيل أو يقلل من الإنتاجية في المدى القصير، لكن السلطات تبدو مستعدة لتحمل هذا الثمن مقابل الوصول إلى استقلالية تقنية إستراتيجية على المدى البعيد.
بالنسبة للشركات الصينية الكبرى مثل SMIC وYMTC (يانغتسي ميموري تكنولوجيز) وغيرها، يعني هذا أن المعادلة لم تعد تقنية فقط؛ فهي مجبرة على موازنة اعتبارات الأداء والجودة مع اعتبارات السياسة الصناعية والدعم الحكومي.
ويرى محللون أن بكين تستخدم مزيجًا من الجزرة والعصا: تمويل ضخم عبر Big Fund، وسوق داخلي هائل يضمن الطلب، إلى جانب قواعد إلزامية مثل قاعدة 50%، لدفع الصناعة نحو اعتماد أوسع على المعدات المحلية.
هل تقترب الصين من كسر الاحتكار التقني؟
رغم التقدم الواضح، لا تزال الفجوة كبيرة بين قدرات الصين في المعدات الأكثر تطورًا، خصوصًا في الطباعة الضوئية المتقدمة وبعض أدوات عملية EUV وDUV عالية الأداء، حيث تظل شركات مثل ASML الهولندية لاعبًا لا يمكن الاستغناء عنه عالميًا.
مع ذلك، يشير خبراء إلى أن الجمع بين حجم السوق الصيني، والدعم الحكومي، والسياسات الإلزامية مثل قاعدة 50%، قد يجعل من الصعب على المنافسين منع الصين من اللحاق في قطاعات واسعة من سلسلة تصنيع الرقائق، حتى لو بقيت بعض النقاط الحرجة خارج متناولها لسنوات.
في هذا السياق، قد تتحول الصين من أكبر مستورد لمعدات تصنيع الرقائق إلى منافس رئيسي في تصديرها إلى الدول النامية أو الأسواق التي لا تخضع مباشرة للضغوط الأميركية، ما يزيد التوتر في الحرب التكنولوجية بين القوى الكبرى.
في النهاية، تعكس القاعدة الجديدة أن بكين لم تعد تنظر إلى أشباه الموصلات كصناعة تجارية فحسب، بل كـ بنية تحتية سيادية لا تقل أهمية عن الطاقة والدفاع والمال. وكل رقاقة تُصنَّع بمعدات صينية، في نظر صانعي القرار هناك، هي خطوة أخرى بعيدًا عن “عنق الزجاجة” الذي تحاول واشنطن إبقاء الاقتصاد الصيني عالقًا بداخله.
المصدر: رويترز


