حقق باحثون في جامعة غلف الكندية تقدما لافتا في مجال سلامة الغذاء عبر تقنية “البلازما الباردة” القادرة على القضاء على مسببات مرضية وسموم خطرة تهدد الإمدادات الغذائية حول العالم، من دون الإضرار بجودة الغذاء أو اللجوء إلى مواد كيميائية. ويقود هذا المسار البحثي منذ نحو ثلاثة عقود البروفيسور كيفن كينر، المتخصص في هندسة الأغذية المستدامة.
تعتمد التقنية على بلازما باردة عالية الجهد في ظروف جوية اعتيادية، تولّد جزيئات تفاعلية قصيرة العمر تستطيع تدمير البكتيريا والسموم الفطرية على سطح الأغذية. وتشير نتائج فريق البحث إلى أن هذه المقاربة نجحت في إزالة 99 في المئة من بكتيريا السالمونيلا من الدجاج في أقل من عشر دقائق، إلى جانب تدمير السموم الفطرية (المايكوتوكسينات) التي تؤثر في أكثر من خمسة ملايين طفل في أفريقيا، وهي سموم ينتجها العفن في البيئات الرطبة.
وعملت الباحثة في الدراسات العليا هيماشري بونراجان على تحسين تكنولوجيا “الماء المنشّط بالبلازما” خلال عامين من التجارب، عبر ضبط عوامل دقيقة مثل المسافة بين الأقطاب الكهربائية، ونوع المحولات، وحجم الحاويات، للوصول إلى أعلى كفاءة تعقيم ممكنة مع الحفاظ على سلامة المادة الغذائية.
خارج المختبر، أسهمت شركة Clean Crop Technologies، التي شارك كينر في تأسيسها عام 2019، في نقل التقنية إلى مستوى تجاري من خلال استخدامها في معالجة البذور. وتظهر الدراسات أن هذه المعالجة بالبلازما الباردة يمكن أن تضاعف معدلات إنبات البذور عبر تحسين امتصاص الماء في البذور والحبوب والمكسرات، بما يفتح الباب أمام رفع إنتاجية المحاصيل عالميا. وقد دشّنت الشركة أول منشأة تجارية لها في مدينة هوليك بولاية ماساتشوستس الأميركية، بطاقة معالجة تصل إلى 42 ألف رطل من البذور شهريا.
وبحسب تقارير استثمارية في قطاع التقنيات الزراعية، وقّعت الشركة طلبات شراء بقيمة 3.4 ملايين دولار، مع خط مبيعات متوقع يصل إلى 47 مليون دولار في إيرادات سنوية متكررة من شركات تمثل نحو 39 في المئة من سوق بذور الخضروات عالميا، بعدما أثبتت التقنية فاعليتها في معالجة بذور البروكلي والفجل والبرسيم والقرنبيط والسبانخ على نطاق تجاري.
ورغم هذا التقدم، يشير الباحثون إلى أن تبني التقنية في أميركا الشمالية لا يزال أبطأ من دول أخرى. فخلال زيارة بحثية إلى الصين، اكتشف الدكتور وي كاو، الباحث في فريق كينر، عشرات النماذج الأولية المتخصصة للبلازما الباردة في الاستخدامات الغذائية والزراعية، في حين تواجه مراكز البحث في أميركا الشمالية تحديات تتعلق بتمويل النماذج الأولية ونقص سلاسل التوريد الصناعية للمعدات المعقدة اللازمة. ويتطلب نشر التقنية على نطاق واسع تحسينات مستمرة في تصميم الأجهزة وضبط إمدادات الكهرباء وفقا لكل تطبيق.
العلماء يؤكدون أن هذه التكنولوجيا تحمل بعدا إنسانيا واضحا، إذ يمكن أن تسهم في إنقاذ الأرواح عبر الحد من التسمم الغذائي والسموم الفطرية في المناطق الأكثر هشاشة. كما أن كيمياء الغازات في البلازما الباردة تتيح تدمير هذه المركبات السامة من دون ترك مخلفات ضارة، ما يجعلها خيارا واعدا لربط زيادة الإنتاج الزراعي برفع معايير السلامة الغذائية عالميا.


