حققت مهمة Solar Orbiter (سولار أوربيتر) التابعة لـ وكالة الفضاء الأوروبية ESA بالتعاون مع وكالة ناسا إنجازا علميا غير مسبوق وُصف بأنه محطة فارقة في فيزياء الشمس، بعد تنفيذ أطول رصد متواصل على الإطلاق لمنطقة شمسية نشطة واحدة، في إنجاز يفتح آفاقا جديدة لفهم السلوك الديناميكي للشمس وتأثيره المباشر على كوكب الأرض ومجتمع عالمي بات يعتمد بشكل شبه كلي على التكنولوجيا والبنية الرقمية.
ويأتي هذا التقدم العلمي في مرحلة حساسة تشهد تزايدا واضحا في القلق الدولي من تأثير العواصف الشمسية القوية على الأقمار الصناعية، وأنظمة الملاحة الجوية والبحرية، وشبكات الاتصالات، إضافة إلى شبكات الكهرباء والبنى التحتية الرقمية التي تشكل العمود الفقري للاقتصادات الحديثة.
رصد لا يمكن تحقيقه من الأرض
يدور مسبار Solar Orbiter حول الشمس مرة كل 6 أشهر ضمن مدار بيضاوي فريد صُمم خصيصا لتمكين العلماء من مراقبة الشمس من زوايا ومسافات متغيرة. هذه الهندسة المدارية تمنح المسبار قدرة استثنائية على تتبع تطور النشاط الشمسي بدقة زمنية ومكانية لا يمكن تحقيقها بواسطة المراصد الأرضية.
فالشمس تدور حول محورها مرة كل 28 يوما تقريبا، ما يعني أن أي مرصد أرضي أو قمر صناعي تقليدي متمركز قرب الأرض لا يستطيع متابعة منطقة شمسية نشطة لأكثر من أسبوعين قبل أن تختفي عن مجال الرؤية. هذا القيد الزمني لطالما شكّل عائقا أساسيا أمام دراسة تطور المناطق الشمسية المعقدة.
لكن بفضل المدار الفريد لـ Solar Orbiter وقدرته على التحرك بعيدا عن خط الأرض–الشمس، تمكن العلماء لأول مرة من تجاوز هذا القيد ومراقبة منطقة شمسية نشطة لفترة طويلة دون انقطاع، ما وفر سجلا زمنيا نادرا ومتكاملا للنشاط الشمسي.
منطقة NOAA 13664 تحت المجهر العلمي
بين أبريل ويوليو 2024، ركز Solar Orbiter أدواته العلمية على واحدة من أكثر المناطق الشمسية نشاطا خلال العشرين عاما الماضية، والمعروفة باسم NOAA 13664، وهي منطقة اشتهرت بتعقيد بنيتها المغناطيسية وقوتها غير المعتادة.
وعندما كانت هذه المنطقة تواجه الأرض في مايو 2024، تسببت في أقوى عواصف جيومغناطيسية شهدها كوكبنا منذ عام 2003، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في المجال المغناطيسي للأرض، وظهور الشفق القطبي في مناطق غير معتادة وصلت حتى سويسرا، في مشهد نادر جذب اهتمام العلماء والجمهور على حد سواء.
دمج بيانات أوروبية وأميركية لرؤية كاملة
اعتمد فريق دولي من الباحثين على دمج بيانات Solar Orbiter مع مشاهدات مرصد ديناميكا الشمس التابع لناسا Solar Dynamics Observatory، الذي يتمركز على خط الأرض–الشمس ويراقب الجانب المواجه للأرض بشكل مستمر.
هذا الدمج بين منصتين فضائيتين مكّن العلماء من تتبع المنطقة النشطة حتى عندما أصبحت على الجانب البعيد من الشمس وغير مرئية من الأرض، ما أتاح مراقبتها بشكل متواصل لمدة 94 يوما دون انقطاع.
وقال إيوانيس كونتوغيانيز، عالم الفيزياء الشمسية في ETH زيورخ ومعهد أبحاث الشمس IRSOL في لوكارنو «هذه أطول سلسلة صور متواصلة يتم إنشاؤها على الإطلاق لمنطقة شمسية واحدة، وهي تمثل محطة فارقة في فيزياء الشمس»، في توصيف يعكس أهمية هذا الإنجاز على المستوى العلمي العالمي.
من الولادة إلى الاضمحلال خطوة بخطوة
بدأت المراقبة مع ولادة NOAA 13664 في 16 أبريل 2024، ثم تابع العلماء تطورها أثناء انتقالها من الجانب البعيد للشمس، ورصدوا التغيرات البنيوية والمغناطيسية التي طرأت عليها مع مرور الوقت، وصولا إلى مرحلة اضمحلالها الكامل في يوليو 2024.
وخلال هذه الفترة الطويلة، لاحظ الباحثون تشكل بنية مغناطيسية شديدة التعقيد ومتشابكة، وهو ما أدى في النهاية إلى إطلاق أقوى انفجار شمسي خلال 20 عاما في 20 مايو 2024، حدث كان له تأثير مباشر وملموس على البيئة الفضائية المحيطة بالأرض.
لماذا تهمنا العواصف الشمسية علميا وعمليا
تُظهر هذه الدراسة بوضوح لماذا تُعد مراقبة المناطق الشمسية النشطة مسألة بالغة الأهمية، إذ تلعب دورا محوريا في نشوء العواصف الجيومغناطيسية التي تحدث عندما تقذف الشمس بلازما عالية الطاقة وشديدة المغناطيسية نحو الفضاء.
وعند وصول هذه الانبعاثات إلى الأرض، يمكن أن تتسبب في ظواهر بصرية مذهلة مثل الشفق القطبي، لكنها في المقابل قد تُحدث اضطرابات خطيرة في الأقمار الصناعية، وأنظمة تحديد المواقع، والاتصالات اللاسلكية، وحتى في شبكات الطاقة الأرضية.
خسائر حقيقية في عالم يعتمد على التكنولوجيا
في مايو 2024، كشفت تداعيات العواصف الشمسية القوية عن هشاشة بعض الأنظمة التقنية، حيث أدت إلى تعطيل إشارات الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار، ما تسبب بخسائر اقتصادية ملموسة في قطاعات حيوية مثل الزراعة والنقل والخدمات اللوجستية.
وقالت لويز هارا، أستاذة الفيزياء الشمسية في ETH زيورخ ومديرة مرصد دافوس الفيزيائي للأرصاد الجوية «تعطلت إشارات الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار، ما أدى إلى فقدان المزارعين لأيام عمل وحدوث خسائر زراعية كبيرة»، في مثال واضح على التأثير المباشر للطقس الفضائي على الحياة اليومية.
وأضاف كونتوغيانيز «إنها تذكرة واضحة بأن الشمس هي النجم الوحيد الذي يؤثر بشكل مباشر في أنشطتنا اليومية. نحن نعيش مع هذا النجم، ولذلك علينا مراقبته وفهم كيفية عمله وتأثيره على بيئتنا».
ويُتوقع أن تساعد هذه النتائج غير المسبوقة في تحسين نماذج التنبؤ بالطقس الفضائي، ما يسمح بإصدار تحذيرات مبكرة للأقمار الصناعية ومشغلي شبكات الكهرباء وشركات الطيران، وتقليل الأضرار المحتملة في المستقبل.
وفي عصر أصبحت فيه المجتمعات أكثر اعتمادا على التكنولوجيا والأنظمة الفضائية، يشكل هذا النوع من الأبحاث خطوة أساسية نحو حماية البنية التحتية العالمية وتعزيز جاهزية الدول لمواجهة الظواهر الشمسية المتطرفة.


