الخلفية:

أزمة النفايات الشمسية… هل تتحول طفرة الطاقة النظيفة في الهند إلى كابوس سام؟

Aerial view of India’s Bhadla solar park in Rajasthan with long rows of blue solar panels across desert land under hazy sky, highlighting India solar energy boom and the looming solar panel waste and recycling crisis.

تعيش الهند اليوم ما يشبه “العصر الذهبي للطاقة الشمسية” بعد عقد كامل من التوسع السريع جعلها ثالث أكبر منتج للطاقة الشمسية في العالم. حقول شاسعة من الألواح تغطي صحراء ثار وأسقف المدن، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا لأزمة بيئية صامتة: جبل متصاعد من نفايات الألواح الشمسية يقترب من نهاية عمره التشغيلي.

تقديرات مجلس الطاقة والبيئة والمياه الهندي تشير إلى أن الهند قد تنتج أكثر من 12 مليون طن من نفايات الألواح الشمسية بحلول عام 2047، في وقت لا تزال فيه البلاد تفتقر إلى ميزانية وطنية مخصصة أو بنية تحتية صناعية كافية للتعامل مع هذا الحجم من النفايات.

من قصة نجاح خضراء إلى تحدٍ نفايات معقد

بدعم من الإعفاءات الحكومية والدعم المالي، تبنّت نحو 2.4 مليون أسرة هندية نظم الطاقة الشمسية على الأسطح، لتصل مساهمة الطاقة الشمسية إلى أكثر من 20% من القدرة الكهربائية المركبة في البلاد وتخفّض اعتماد الهند على الفحم.

لكن خلف هذا النجاح تقف حقيقة مقلقة: موجة أولى من الألواح التي بدأت العمل منذ منتصف العقد الماضي تقترب الآن من نهاية عمرها الافتراضي البالغ نحو 25 عامًا، ما يعني أن كميات كبيرة من الألواح ستحتاج إلى تفكيك وإعادة تدوير أو التخلص منها خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة.

في عام 2023 قُدّرت نفايات الألواح الشمسية في الهند بنحو 110 ألف طن فقط، رقم يبدو محدودًا، لكن المسار التصاعدي حاد للغاية. فبحلول 2030 قد تقفز الكمية إلى حوالي 600 ألف طن، قبل أن تتجاوز 12 مليون طن بحلول 2047 إذا استمر التوسع الحالي في السعة الشمسية.

غياب البنية التحتية… وسباق مع الزمن

كي تتمكن الهند من التعامل مع “جبل” النفايات القادم، تحتاج وفقًا لتقديرات CEEW إلى إنشاء شبكة وطنية تضم نحو 300 مركز لإعادة تدوير الألواح الشمسية في أنحاء البلاد، إلى جانب استثمارات تقدَّر بحوالي 478 مليون دولار خلال العشرين عامًا المقبلة.

حتى الآن، لا توجد موازنة وطنية مخصصة بحجم كافٍ لهذا الملف، كما أن قدرات إعادة التدوير الحالية لا تزال في مرحلة بدائية تركز على استرجاع المكوّنات السهلة فقط مثل الأطر المصنوعة من الألومنيوم والزجاج، بينما تضيع المواد الأعلى قيمة أو تُطلَق ملوِّثات في البيئة.

ماذا يوجد داخل اللوح الشمسي؟ من الفضة إلى السموم الثقيلة

تحت السطح الزجاجي للألواح الشمسية توجد طبقات من الفضة والنحاس ومواد نصف موصلة، إضافة إلى آثار من الرصاص والكادميوم ومواد أخرى قد تكون سامة عند تسرّبها إلى التربة أو المياه الجوفية.

عندما تُكسّر الألواح في ساحات خردة غير مرخّصة أو تُرمى في مكبّات النفايات، يمكن لهذه المواد أن تتسرب تدريجيًا إلى المياه والتربة، ثم تتسلل إلى السلسلة الغذائية عبر المحاصيل أو الحيوانات، وهو ما يحوّل مشروعًا نظيفًا على مستوى الانبعاثات الكربونية إلى مصدر تلوث محلي خطير.

القواعد الهندية الخاصة بالنفايات الإلكترونية لعام 2022 تفرض مبدئيًا مسؤولية إعادة التدوير على الشركات المصنّعة (Extended Producer Responsibility)، لكن تطبيق هذه القواعد على أرض الواقع لا يزال غير متسق، خاصة عندما يتعلق الأمر بألواح الأسطح المنزلية التي غالبًا ما ينتهي بها المطاف في مكبّات النفايات أو ساحات خردة غير رسمية.

من أزمة بيئية محتملة إلى فرصة اقتصادية كبيرة

رغم المخاطر، يرى خبراء الطاقة أن إدارة نفايات الألواح الشمسية قد تتحول إلى قطاع صناعي مربح. التقنيات المتقدمة لإعادة التدوير تستطيع استرجاع نسبة كبيرة من الفضة والسيليكون والزجاج عالي الجودة والنحاس، مع إمكانية استعادة ما يصل إلى 38% من مواد اللوح وإعادة استخدامها في إنتاج ألواح جديدة أو منتجات عالية القيمة.

وفق هذه الرؤية، يمكن أن يساعد تدوير الألواح في تجنب نحو 37 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا خلال العقود المقبلة، إذا جرى تعميم إعادة التدوير المتقدمة بدلًا من الدفن أو التفكيك البدائي.

لكن ذلك يتطلب من الهند خلال السنوات العشر القادمة تطوير قطاع إعادة تدوير محترف، وإدماج الاقتصاد غير الرسمي الذي يعمل في جمع الخردة، وفرض مسؤولية واضحة على شركات الطاقة الشمسية الكبرى عن دورة الحياة الكاملة لمنتجاتها، من التصنيع وحتى نهاية العمر التشغيلي.

تحدٍ عالمي… والهند نموذج تحت المجهر

الأزمة المرتقبة في نفايات الألواح الشمسية لا تخص الهند وحدها؛ فالدول المتصدرة في الطاقة الشمسية مثل الصين والولايات المتحدة تستعد هي الأخرى لموجات ضخمة من نفايات الألواح خلال العقود المقبلة. لكن تختلف درجة الاستعداد من بلد لآخر تبعًا للسياسات والقوانين.

في حالة الهند، يتقاطع النمو السريع في قدرات الطاقة الشمسية مع ضعف البنية التحتية الحالية لإدارة النفايات، ما يجعلها نموذجًا مهمًا لما يمكن أن يحدث عندما لا تُخطط الدول مبكرًا للجانب المظلم من الطاقة الخضراء.

وبينما تبدو مستقبلات الطاقة المتجددة في الهند مشرقة على مستوى خفض الانبعاثات وتأمين الطاقة، فإن الحفاظ على هذا المستقبل “أخضر” حقًا يتطلب استثمارًا موازيًا في إدارة النفايات، حتى لا تتحول الألواح التي غيّرت مشهد الطاقة في البلاد إلى عبء سام على الأجيال القادمة.

المصدر: Interesting Engineering

اقرأ أيضاً