تسلم سلاح الجو الإسرائيلي من وزارة الدفاع منظومة الليزر الاعتراضية «أور إيتان»، في خطوة وصفتها تل أبيب بأنها لحظة «تاريخية» في مسار تطوير الدفاع الجوي، واعتبرتها شركات التسليح «بداية عصر الليزر العسكري». المنظومة الجديدة هي النسخة العملياتية من مشروع الليزر عالي الطاقة المعروف باسم Iron Beam (الشعاع الحديدي)، الذي تطوّره شركة «رافائيل» بالتعاون مع «إلبيت سيستمز» وبدعم وثيق من وزارة الدفاع والجيش الإسرائيلي.
المنظومة صممت لتكون طبقة إضافية داخل شبكة الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة المستويات، إلى جانب «القبة الحديدية» و«مقلاع داود» و«حيتس»، مع هدف معلن هو اعتراض الصواريخ قصيرة المدى، وقذائف الهاون، والطائرات المسيرة، بكلفة زهيدة جداً لكل عملية اعتراض مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التقليدية.
ما هي «أور إيتان» وكيف تعمل منظومة الليزر الجديدة؟
«أور إيتان» هي منظومة اعتراض تعتمد على ليزر عالي الطاقة مثبت على منصة أرضية، يطلق حزمة مركزة من الضوء باتجاه الهدف الجوي مثل صاروخ أو قذيفة هاون أو مسيرة. عند تركيز الحزمة لثوانٍ محدودة على جسم الهدف، ترتفع حرارته بسرعة إلى درجة تُحدث تدميراً بنيوياً في جسم الصاروخ أو جناح الطائرة المسيرة أو رأسها الحربي، ما يؤدي إلى إسقاطها في الجو قبل وصولها إلى الهدف.
بحسب وزارة الدفاع الإسرائيلية وشركة «رافائيل»، اجتازت المنظومة خلال الشهور الماضية سلسلة تجارب عملياتية مكثفة في جنوب إسرائيل، شملت اعتراض صواريخ غير موجهة، وقذائف هاون، ومسيرات بمقاطع رادارية صغيرة وفي ظروف إطلاق مختلفة، وأثبتت قدرتها على التعامل مع «طيف واسع» من التهديدات الجوية في سيناريوهات متعددة.
التجارب أظهرت أن المنظومة قادرة على تنفيذ اعتراضات متتالية بسرعة عالية، لأن «الذخيرة» هنا عبارة عن طاقة كهربائية تُحوَّل إلى شعاع ليزر، وليس صواريخ تنفد من القاذفات. مسؤولون إسرائيليون تحدثوا عن أن عدد الاعتراضات «غير محدود عملياً» طالما أن المنظومة مرتبطة بمصدر طاقة كافٍ ومزوَّدة بنظام تبريد فعال، ما يمنحها نظرياً قدرة على مواجهة رشقات كبيرة من الصواريخ أو المسيرات دون حساب دقيق لعدد الصواريخ الاعتراضية المتبقية.
التكلفة… من عشرات آلاف الدولارات إلى «بضعة دولارات» لكل اعتراض
أحد أهم عناصر القوة في «أور إيتان» يرتبط بالاقتصاد وليس بالتكنولوجيا فقط. اعتراض واحد بصاروخ «تامير» في منظومة «القبة الحديدية» قد يكلف عشرات الآلاف من الدولارات، في حين تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن تكلفة كل «طلقة ليزر» في منظومة Iron Beam لا تتجاوز بضعة دولارات من قيمة استهلاك الطاقة والصيانة، ما يخلق فجوة هائلة بين كلفة الهجوم الرخيص عبر صواريخ بدائية أو مسيرات صغيرة، وكلفة الدفاع عنها.
هذا الفارق يجعل الليزر جذاباً جداً في مواجهة ما يُعرف بـ«هجمات الإغراق» أو حرب الاستنزاف، حيث تعتمد الفصائل أو الجيوش المعادية على إطلاق أعداد كبيرة من المقذوفات الرخيصة لإرهاق الدفاعات الجوية وإفراغ مخزون صواريخها الاعتراضية. في هذه المعادلة، يصبح من الأسهل على الجيش الإسرائيلي تحمّل موجات طويلة من الإطلاقات، لأن المنظومة الجديدة لا «تستهلك» صواريخ حقيقية، بل طاقة يمكن تعويضها.
مع ذلك، يشير خبراء إلى أن كلفة المنظومة نفسها وتطويرها وبنيتها التحتية معقدة وباهظة، وأن الحديث عن «بضعة دولارات» يخص تكلفة الطلقة الواحدة بعد نشر المنظومة، ولا يشمل تكلفة بناء النظام وتشغيله، وهو ما يوضح أن هذه القدرات لن تكون متاحة بسهولة أو بسرعة لدول أخرى في المنطقة.
مدى العمل والقيود التقنية… الليزر ليس بديلاً كاملاً للقبة الحديدية
رغم الزخم الإعلامي حول «أور إيتان»، تؤكد المصادر الإسرائيلية أن منظومة الليزر لن تحل محل «القبة الحديدية» أو الأنظمة الصاروخية الأخرى، بل ستعمل إلى جانبها. الليزر يحتاج إلى خط رؤية مباشر مع الهدف، ومداه العملي محدود مقارنة بصواريخ الاعتراض، كما أن فعاليته تتأثر بسماكة الهواء والضباب والغبار والدخان والأمطار الغزيرة.
لذلك، تعتمد العقيدة الإسرائيلية على دمج «أور إيتان» كطبقة إضافية منخفضة الكلفة، تتولى إسقاط جزء كبير من التهديدات في الظروف الجوية المناسبة، بينما تبقى الصواريخ الاعتراضية متاحة للتعامل مع الأهداف البعيدة أو في الظروف الجوية الصعبة أو ضد تهديدات لا يستطيع الليزر التعامل معها بكفاءة.
هذا الدمج بين الليزر والصواريخ يمنح إسرائيل مرونة أكبر في إدارة مواردها الدفاعية، ويطيل عمر مخزونها من الصواريخ الاعتراضية في الحروب طويلة الأمد، خصوصاً إذا تكررت سيناريوهات إطلاق آلاف الصواريخ من إيران و غزة أو لبنان أو جبهات أخرى في وقت قصير.
منظومة متعددة الشركات… «رافائيل» و«إلبيت» وتقنيات البصريات التكيفية
من الناحية الصناعية، تشكل «أور إيتان» نقطة التقاء بين قدرات عدة شركات إسرائيلية. «رافائيل» تلعب دور المتعاقد الرئيسي المسؤول عن دمج المنظومة في شبكة الدفاع الجوي، وتصميم نظام القيادة والسيطرة والتتبع، بينما تتولى «إلبيت سيستمز» تطوير مصدر الليزر عالي القدرة.
مسؤولون في «رافائيل» تحدثوا عن استخدام تقنيات «البصريات التكيفية» داخل المنظومة، وهي تقنيات تسمح بتعديل موجة الليزر أثناء تحركها في الغلاف الجوي لتعويض التشويهات التي تسببها طبقات الهواء المختلفة، ما يرفع دقة الإصابة ويقلل من فقدان الطاقة في المسار.
وزارة الدفاع الإسرائيلية من جانبها تصف «أور إيتان» بأنها أول منظومة ليزر عالية القدرة في العالم تبلغ «نضجاً عملياتياً كاملاً» لاعتراض تهديدات جوية حقيقية، وليس فقط للاستخدام التجريبي أو الميداني المحدود، وتعتبرها «مغيّراً لقواعد اللعبة» في ميدان الدفاع الجوي.
ماذا يعني دخول «أور إيتان» للخدمة بالنسبة لغزة ولبنان واليمن؟
إدخال الليزر إلى منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية يحمل رسائل مباشرة لعدة ساحات إقليمية. في غزة، حيث تعتمد الفصائل المسلحة على صواريخ قصيرة المدى وقذائف هاون بكثافة، يمكن لـ«أور إيتان» أن يقلل كلفة الدفاع الإسرائيلية بشكل كبير في أي جولة قتال مستقبلية، ويُصعّب محاولة استنزاف «القبة الحديدية» عبر وابل من القذائف الرخيصة.
في الجبهة الشمالية، ينظر إلى المنظومة على أنها جزء من استعدادات إسرائيل لاحتمال مواجهة واسعة مع «حزب الله» في لبنان، الذي يمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ والقذائف، وبعضها أكثر دقة وقوة من تلك المستخدمة في غزة. في سيناريو حرب متعددة الجبهات، وجود طبقة ليزرية يمكن أن يخفف الضغط عن الأنظمة الأخرى، لكنه لن يلغي خطر الصواريخ الثقيلة أو الصواريخ الدقيقة أو صواريخ كروز، التي قد تحتاج إلى حلول مختلفة.
أما في البحر الأحمر ومسرح اليمن، فقد استخدمت إسرائيل وحلفاؤها خلال العامين الماضيين مزيجاً من الدفاعات الجوية لاعتراض صواريخ ومسيرات أطلقت عليها. إدخال الليزر في المستقبل إلى هذه الساحة، سواء من البر أو على منصات بحرية أو جوية، يمكن أن يغيّر معادلة كلفة الدفاع ضد المسيرات بعيدة المدى التي تُطلق بكثافة وتكلفة منخفضة.
إيران أيضاً معنية بشكل غير مباشر، إذ تنظر إلى تطوير الليزر الإسرائيلي في سياق سباق أوسع على تقنيات الدفاع والهجوم في المنطقة. طهران ركزت في السنوات الماضية على تطوير الصواريخ الباليستية والمسيرات الهجومية، وتعتمد على «الحجم والكمية» كأداة ضغط في أي مواجهة. منظومة قادرة نظرياً على اعتراض عدد كبير من التهديدات بكلفة منخفضة تطرح تحديات جديدة على هذا النموذج، رغم أن فعالية الليزر ضد الصواريخ الثقيلة أو الباليستية العابرة لمسافات طويلة لا تزال محل نقاش.
اقرأ أيضاً.. إيران تكشف أسرع طائرة انتحارية نفاثة بميزات “شبحية”
هل تتجه المنطقة إلى سباق تسلّح ليزري؟
رغم أن إسرائيل هي أول من يعلن امتلاك منظومة ليزر عملياتية للدفاع الجوي، فإن دولاً أخرى في العالم، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وأستراليا، تختبر أنظمة مشابهة أو تطورها بسرية نسبية. بالنسبة لدول الشرق الأوسط، قد يمثل نجاح «أور إيتان» حافزاً لتسريع برامج مشابهة، سواء محلية أو عبر استيراد تقنيات من قوى كبرى.
الدول العربية المحيطة بإسرائيل تراقب المشهد من زاويتين متوازيتين. الأولى، أن دخول الليزر إلى الخدمة قد يجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيداً من ناحية حسابات الردع والقدرة على إلحاق الضرر بإسرائيل عبر الصواريخ التقليدية. والثانية، أن هذه التقنيات نفسها قد تصبح مستقبلاً جزءاً من منظومات دفاعية تبنيها بعض هذه الدول لحماية أجوائها ومنشآتها الحيوية ضد تهديدات الصواريخ والمسيرات العابرة للحدود. وذلك عبر تطويرها محلياً او استيردها من أسواق المنافسين الروس و الصينين.
في المقابل، يدفع ظهور منظومات مثل «أور إيتان» الأطراف غير الحكومية والجيوش المعادية إلى البحث عن وسائل التفاف مضادة، مثل زيادة الاعتماد على الصواريخ الثقيلة أو صواريخ كروز منخفضة التحليق، أو محاولة استغلال الظروف الجوية التي تقل فيها فعالية الليزر، أو استخدام هجمات إلكترونية وتشويش لإرباك أنظمة التتبع والاستشعار.
إقرأ أيضاً.. سباق أسلحة الليزر العسكرية في 2025 يعيد رسم خطط الدفاع
تغيير في معادلة الكلفة لا في طبيعة الخطر
تسليم منظومة «أور إيتان» لسلاح الجو الإسرائيلي لا يلغي المخاطر الأمنية في المنطقة، ولا ينهي تهديد الصواريخ والمسيرات، لكنه يغيّر بوضوح معادلة الكلفة في الدفاع عن الأجواء الإسرائيلية. فبدلاً من الاعتماد الكامل على اعتراضات باهظة الثمن أمام تهديدات رخيصة، تدخل الآن طبقة دفاعية جديدة تجعل من الصعب استنزاف إسرائيل اقتصادياً عبر حرب الصواريخ.
في الوقت ذاته، تبقى المنظومة مقيدة بعوامل بيئية وتكنولوجية، وتبقى الأنظمة التقليدية مثل «القبة الحديدية» ضرورية. لكن الرسالة الأوسع التي يبعثها هذا التطور إلى دول المنطقة هي أن سباق التكنولوجيا العسكرية لم يعد يدور فقط حول عدد الصواريخ أو مدى الطائرات، بل أيضاً حول من يمتلك مزيجاً أكثر تقدماً من الاستشعار والذكاء الاصطناعي والطاقة الموجهة لتغيير قواعد اللعبة في السماء.
المصدر: وزارة الدفاع الإسرائيلية


