في ظل تزايد انتشار الفيروسات الموسمية وازدياد الاعتماد على البيئات الداخلية مثل المكاتب والمدارس والمستشفيات، قدّم فريق من مهندسي جامعة كولومبيا البريطانية – حرم أوكاناغان (UBC Okanagan) ابتكاراً قد يغيّر قواعد السلامة الصحية جذريًا: نظام تدفق هوائي جديد قادر على التقاط 94% من مسببات الأمراض المحمولة بالهواء خلال ثوانٍ من خروجها من فم الإنسان. هذا النظام، الذي يُعرف باسم تقنية النفاث–الحوض (Jet-Sink Airflow System)، لا يكتفي بتحسين جودة الهواء، بل يعالج نقطة الفشل الأكبر في أنظمة التهوية الحالية: منع العدوى قبل أن تنتشر في الهواء وليس بعد ذلك.
تشير الدراسة، المنشورة في مجلة Building and Environment، إلى أن أنظمة التهوية التقليدية، حتى المتطورة منها في المستشفيات والمدارس، تفشل في التقاط الرذاذ التنفسي لحظة خروجه، إذ تعتمد على تحريك كميات كبيرة من الهواء بطريقة بطيئة مقارنة بسرعة انتشار الهباء التنفسي. ويقول الدكتور ساني لي، أستاذ الهندسة في UBC وأحد المشرفين على البحث، إن الحفاظ على جودة الهواء داخل المباني أصبح ضرورة أساسية للحد من انتقال الأمراض المحمولة جوًا، لكن الأنظمة الحالية لا يمكنها السيطرة على ما يستنشقه الأشخاص أثناء التفاعل القريب. ومع قضاء الكنديين أغلب وقتهم داخل المباني، تصبح جودة الهواء مسألة صحية يومية لا يمكن تجاهلها.
حدود أنظمة التهوية الحالية
أما أنظمة التهوية الشخصية، التي تُستخدم في بعض الأماكن لتوجيه هواء نقي مباشرة نحو المستخدم، فهي تعاني من مشكلات عديدة، أبرزها حاجتها لبقاء الشخص ثابتًا، وتسببها بجفاف البشرة والعينين نتيجة تدفق الهواء المباشر، إضافة إلى فقدان فعاليتها عند استخدام عدة أشخاص لها داخل الغرفة نفسها. ويقول الباحث مجتبى زبيحي، المؤلف الأول للدراسة، إن الهدف كان تطوير نظام قادر على التقاط الهواء الملوث قبل وصوله للآخرين، دون أن يفرض على المستخدم الجلوس في وضعية ثابتة أو يسبب إزعاجًا.
كيف تعمل تقنية Jet-Sink؟
النظام الجديد يعتمد على مبدأ هندسي معاكس تمامًا للأنظمة التقليدية. فبدلًا من دفع الهواء نحو المستخدم، يقوم الجهاز بامتصاص الهواء الملوث لحظة خروجه من الفم أو الأنف، عبر إنشاء ما يشبه “فقاعة هوائية” حول رأس وجذع الشخص. هذه الفقاعة توجه الزفير مباشرة إلى منطقة التقاط صغيرة تسحب الهباء التنفسي إلى وحدة فلترة داخلية. ويشرح زبيحي أن النظام يخلق منطقة تحكم هوائية تمنع الرذاذ من الانتشار منذ اللحظة الأولى، وهو ما يقلل من احتمالات العدوى إلى مستوى غير مسبوق.
نتائج الاختبارات: انخفاض تاريخي في احتمالات العدوى
الاختبارات التي أجراها الفريق كانت واسعة ومبنية على محاكاة رقمية دقيقة، شملت حرارة الجسم، أنماط التنفس، حركة الهواء، ومحاكاة جلسة مدتها ثلاثون دقيقة بين شخصين في غرفة مغلقة. أظهرت النتائج أن احتمال العدوى باستخدام التهوية التقليدية بلغ 91 بالمئة، بينما خفّضته التهوية الشخصية المعتادة إلى 47.6 بالمئة. وعند إضافة وحدة شفط بسيطة هبطت النسبة إلى 38 بالمئة. أما تقنية Jet-Sink فكانت أكثر فاعلية بشكل ملحوظ، حيث انخفض احتمال العدوى إلى 9.5 بالمئة فقط. وكشفت النماذج أن الشخص المقابل قد يتعرض لعشر جسيمات فقط من أصل 540 ألف جسيم زفيري، ما يعني أن النظام قادر على إزالة 94 بالمئة من مسببات الأمراض المحمولة جوًا.
تطبيقات محتملة في المكاتب والمدارس والعيادات
يرى الدكتور جوشوا برينكرهوف، أحد مؤلفي الدراسة، أن أبرز مشكلات الأنظمة التقليدية هي عدم قدرتها على التكيف مع حركة الأشخاص، وهو ما يجعل الحل الجديد مثاليًا لبيئات مثل العيادات والمدارس والمكاتب، حيث يصعب الحفاظ على مسافة آمنة بين الأفراد. ويؤكد أن هندسة تدفق الهواء، وليس تقنيات الفلترة وحدها، ستكون إحدى ركائز السلامة المستقبلية داخل المباني.
الخطوات التالية والتجارب الواقعية
يخطط الفريق الآن لاختبار النظام في غرف أكبر وبيئات سريرية واقعية، إضافة إلى ترتيبات مكتبية متعددة المستخدمين. ومع كون الباحث زبيحي عضوًا في اللجنة الوطنية الكندية لمعايير جودة الهواء الداخلي، فإن نتائج هذه الأبحاث قد تساهم مباشرة في تطوير معايير البناء في كندا. ويأمل الفريق أن يسهم هذا الابتكار في خلق جيل جديد من أنظمة الحماية الداخلية، قائم على التحكم الشخصي المباشر بالهواء.
تكشف نتائج هذه الدراسة أن الحلول الحالية، مهما بلغت كفاءتها، لا يمكنها منع انتشار العدوى كما كان يُعتقد. أما تقنية Jet-Sink، المبنية على مبادئ هندسية دقيقة وتحكم موجّه بتدفق الهواء، فتمثل خطوة ثورية نحو مستقبل تصبح فيه جودة الهواء الشخصية عنصرًا رئيسيًا من عناصر الصحة العامة. وإذا أثبتت الاختبارات الواقعية فعاليتها، فقد تُحدث هذه التقنية تحولًا جذريًا في تصميم المدارس والمستشفيات والمكاتب خلال السنوات القادمة.
المصدر: interesting engineering وscience direct


