تعمل وزارة الدفاع البريطانية على تطوير بنية تحتية بحرية غير مسبوقة لدعم الجيل المقبل من غواصاتها النووية الحاملة للصواريخ، مع بدء أعمال التصميم لبناء أحواض جافة عائمة عملاقة مخصصة لغواصات بوزن يصل إلى 17,200 طن. المشروع، المعروف باسم Programme Euston (برنامج يوستون)، يهدف إلى معالجة اختناقات الصيانة المتزايدة مع دخول غواصات Dreadnought (دريدنوت) النووية الخدمة خلال النصف الثاني من هذا العقد.
ضغط متزايد على أسطول الغواصات النووية
جاء الكشف عن المشروع عبر ردود مكتوبة قدمها وزير الدفاع البريطاني اللورد كوكر إلى البرلمان، أوضح فيها أن برنامج يوستون دخل مرحلة التطوير الأولي، وأن عقد التصنيع سيُمنح بعد الانتهاء من المواصفات الفنية وإجراءات الشراء الرسمية. ولم يتم الإعلان عن جدول زمني نهائي لمنح العقد، ما يعكس حساسية المشروع وتعقيده التقني.
الأحواض العائمة الجديدة ستتمركز في قاعدة هير ماجستي البحرية كلايد HM Naval Base Clyde في اسكتلندا، وهي القاعدة الرئيسية لتشغيل الغواصات النووية البريطانية. وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه البحرية الملكية ضغوطا متزايدة للحفاظ على جاهزية أسطولها الحالي من غواصات Vanguard (فانغارد) الحاملة للصواريخ الباليستية، وغواصات Astute (أستيوت) الهجومية، بالتوازي مع الاستعداد لإدخال فئة دريدنوت الأحدث.
لماذا الأحواض العائمة تحديدا؟
تعاني بريطانيا منذ سنوات من محدودية القدرة على تنفيذ الصيانة خارج الماء لغواصاتها النووية، وهي عملية معقدة تتطلب بنية تحتية ضخمة وآمنة. الأحواض الجافة العائمة تمنح مرونة أكبر مقارنة بالأحواض التقليدية الثابتة، إذ يمكن نقلها وتكييفها مع متطلبات التشغيل المختلفة، كما تقلل من الاختناقات الزمنية التي قد تؤثر على استمرارية الردع النووي.
وبحسب وزارة الدفاع، فإن الأحواض الجديدة ستسمح بتنفيذ أعمال الصيانة الثقيلة والإصلاحات الهيكلية دون الحاجة إلى إخراج الغواصات من الخدمة لفترات طويلة، وهو عنصر حاسم لضمان استمرار الدوريات النووية على مدار الساعة.
غواصات Dreadnought عماد الردع النووي البريطاني
تمثل غواصات Dreadnought حجر الأساس في منظومة الردع النووي للمملكة المتحدة، حيث ستحل محل غواصات فانغارد التي دخلت الخدمة منذ تسعينيات القرن الماضي. وتعد هذه الغواصات من بين الأكبر والأكثر تطورا في تاريخ البحرية البريطانية.
تبلغ إزاحة كل غواصة نحو 17,200 طن متري، ويصل طولها إلى 153.6 مترا، مع سرعة قصوى تقارب 20 عقدة بحرية. وبفضل الدفع النووي، تتمتع الغواصات بمدى عملي غير محدود تقريبا، حيث يقتصر بقاؤها في البحر على عوامل الإمداد الغذائي وقدرة الطاقم على التحمل.
تسليح نووي وتقنيات شبحية متقدمة
ستكون غواصات دريدنوت قادرة على حمل وإطلاق صواريخ Trident II D5 (ترايدنت 2 دي 5) الباليستية، عبر 12 أنبوب إطلاق موزعة على ثلاث حجرات صواريخ، في تكوين يعرف باسم Quad Pack. كما ستُسلح بأربعة أنابيب طوربيد عيار 533 ملم لإطلاق طوربيدات Spearfish (سبيرفيش) الثقيلة.
على صعيد الدفع، ستعتمد الغواصات على مفاعل نووي من إنتاج Rolls-Royce (رولز رويس) من طراز PWR3 (مفاعل الماء المضغوط 3)، وهو تصميم جديد يتميز بعمر تشغيلي أطول ومتطلبات صيانة أقل مقارنة بالمفاعل السابق PWR2 المستخدم في فئة فانغارد.
ومن الناحية الشبحية، ستكون دريدنوت أول غواصات بريطانية تستخدم دفات على شكل X بدلا من التصميم التقليدي المتصالب، إلى جانب مروحة نفاثة Pump-Jet متطورة لتقليل الضجيج، خصوصا عند السرعات العالية. وتؤكد البحرية الملكية أن هذه الميزات تجعل الغواصات الجديدة الأكثر هدوءا وصعوبة في الرصد ضمن أسطولها.
أهمية Programme Euston استراتيجيا
ترى وزارة الدفاع أن Programme Euston عنصر مكمل لا غنى عنه لدخول غواصات دريدنوت الخدمة بكفاءة. فبدون قدرة صيانة مرنة وموسعة، قد تواجه البحرية اختناقات تؤثر مباشرة على جاهزية الردع النووي البريطاني، وهو خط أحمر استراتيجي في العقيدة الدفاعية للمملكة المتحدة.
ورغم أن البرنامج ليس جزءا رسميا من الاستراتيجية الوطنية لبناء السفن، فإن الحكومة أكدت أن شركات بناء السفن البريطانية ستكون مؤهلة للمنافسة على العقد، وأن مكتب بناء السفن الوطني جرى التشاور معه قبل اتخاذ قرار الاستثمار المقبل.
البعد الاقتصادي والصناعي
حتى الآن، لم تصدر وزارة الدفاع تقديرات رسمية بشأن فرص العمل التي قد يولدها المشروع، حيث قال اللورد كوكر إن من المبكر تقديم أرقام دقيقة قبل اكتمال خطة الشراء. غير أن محللين يتوقعون أن يشكل المشروع دفعة مهمة لسلاسل الإمداد البحرية البريطانية، خاصة في مجالات الهندسة الثقيلة، والأنظمة البحرية، والبنية التحتية النووية.
خطوة صامتة لكنها حاسمة
على الرغم من غياب الأرقام النهائية والتفاصيل الزمنية، فإن بدء أعمال التصميم يمثل خطوة عملية نحو ضمان استدامة الردع النووي البريطاني لعقود مقبلة. فالأحواض العائمة العملاقة ليست مجرد مشروع لوجستي، بل ركيزة استراتيجية تضمن أن تبقى غواصات المملكة المتحدة النووية قادرة على العمل والصيانة دون انقطاع في عالم تتسارع فيه التحديات الجيوسياسية.
المصدر: Interesting Engineering


