الولايات المتحدة (United States) دفعت بإحدى أهم أصولها العسكرية إلى مرحلة الصيانة، بعد وصول حاملة الطائرات جيرالد آر فورد (Gerald R. Ford) إلى ميناء سبليت (Split) في كرواتيا (Croatia)، في خطوة تعكس الضغوط المتزايدة على القدرات العسكرية الأميركية خلال العمليات الأخيرة.
السفينة، التي تعد الأحدث والأضخم في الأسطول الأميركي، لم تصل إلى أوروبا في إطار استعراض قوة، بل نتيجة سلسلة من التحديات التشغيلية التي بدأت بحريق غير قتالي داخل غرفة الغسيل في 12 مارس، وأدت إلى إصابة عدد من البحارة وتأثر مئات آخرين بسبب استنشاق الدخان.
حادث تقني يكشف تعقيدات التشغيل العسكري
الحريق، رغم كونه محدودا من حيث الموقع بحسب الرواية الرسمية، استغرق ساعات للسيطرة عليه، وأثر على نحو 100 مكان مخصص للنوم داخل السفينة، وهو ما يعكس حساسية الأنظمة الداخلية في السفن العسكرية، حيث يمكن لحادث بسيط أن يمتد تأثيره إلى البنية التشغيلية بالكامل.
كما تم علاج نحو 200 بحار من آثار الدخان، وهو ما يوضح أن الحوادث غير القتالية قد تكون أحيانا بنفس خطورة التهديدات المباشرة داخل بيئة مغلقة ومعقدة مثل حاملة الطائرات.
ومع ذلك، فإن بعض المحللين العسكريين يشيرون إلى أن مثل هذه الحوادث تثير دائما تساؤلات حول الرواية الرسمية، خاصة في ظل العمليات العسكرية المكثفة في مناطق مثل البحر الأحمر. في مثل هذه البيئات، لا يمكن استبعاد احتمال تعرض السفن لهجمات غير معلنة، حتى وإن لم يتم تأكيد ذلك رسميا.
من الناحية التقنية، تمتلك جهات مثل الحرس الثوري الإيراني قدرات صاروخية وبحرية متطورة، تشمل صواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيرة يمكنها نظريا إحداث أضرار مشابهة. ومع ذلك، لا توجد أي أدلة مؤكدة على أن الحادثة الحالية كانت نتيجة هجوم، وتبقى هذه السيناريوهات ضمن إطار التحليل والاحتمالات، وهي وقائع مثبنة من الجانب الإراني وليست مؤكدة من الجانب الأميركي.
هذا النوع من الغموض ليس جديدا في العمليات العسكرية، حيث تميل الدول في بعض الحالات إلى تقليل حجم الخسائر أو التحكم في تدفق المعلومات لأسباب تتعلق بالأمن القومي والمعنويات العسكرية.
مشاكل مستمرة تتجاوز الحريق
المشكلات لم تتوقف عند الحريق. السفينة واجهت أيضا أعطال متكررة في أنظمة السباكة، أثرت على نحو 650 دورة مياه، وهو رقم يعكس حجم التحديات اللوجستية داخل منصة عسكرية تضم أكثر من 5,000 فرد.
هذه المشاكل تسلط الضوء على التحديات التي تواجه الجيل الجديد من حاملات الطائرات، حيث يتم دمج أنظمة متقدمة ومعقدة قد تكون أكثر عرضة للأعطال مقارنة بالأنظمة التقليدية.
دور السفينة في العمليات العسكرية
قبل وصولها إلى كرواتيا، كانت Gerald R. Ford تعمل في البحر الأحمر ضمن عمليات عسكرية مرتبطة بالتوتر مع إيران، بعد أن شاركت سابقا في عمليات في منطقة الكاريبي ضد فنزويلا.
هذا الانتشار الطويل، الذي استمر نحو 9 أشهر، يمثل أحد أطول فترات الانتشار لحاملة طائرات حديثة، وهو ما يزيد الضغط على الطاقم والأنظمة التقنية في آن واحد.
السفينة تحمل أكثر من 75 طائرة عسكرية، بما في ذلك مقاتلات F-18 Super Hornet، إضافة إلى أنظمة رادار متقدمة للتحكم في الحركة الجوية، ما يجعلها منصة قتال متكاملة وليست مجرد سفينة.
لماذا كرواتيا تحديدا
اختيار كرواتيا، العضو في حلف الناتو (NATO)، يعكس بعداً سياسياً إلى جانب البعد اللوجستي.
زيارة السفينة تتضمن أيضا لقاءات مع مسؤولين محليين، في خطوة تهدف إلى تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا، وإعادة التأكيد على الشراكات العسكرية في ظل التوترات العالمية. وسعي أميركا لجر العديد من الدول لماسندتها في الحرب.
هذا النوع من التحركات يوضح أن حتى عمليات الصيانة يمكن أن تحمل رسائل استراتيجية.
تأثير على التوازن العسكري
خروج حاملة طائرات بهذا الحجم من مسرح العمليات، حتى بشكل مؤقت، يخلق فجوة في الانتشار العسكري، خاصة في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط. وقررت الولايت المتحدة ارسال حاملة الطائرات جورج بوش USS George HW. Bush لتولي الدعم العملياتي.
حاملة الطائرات ليست مجرد قطعة بحرية، بل تمثل قاعدة عسكرية متحركة قادرة على تنفيذ عمليات جوية واسعة، وبالتالي فإن غيابها قد يؤثر على وتيرة العمليات أو يتطلب إعادة توزيع القوات.
هل تقترب نهاية عصر حاملات الطائرات التقليدية
في موازاة هذه التحديات، بدأت الولايات المتحدة بالفعل في إعادة تقييم دور حاملات الطائرات داخل العقيدة العسكرية الحديثة. ورغم أنها لا تزال تمثل رمزا للقوة والنفوذ البحري، فإن التطورات في مجالات مثل الطائرات بدون طيار (Drones) والعمليات الجماعية والصواريخ فرط الصوتية تفرض واقعا جديدا.
الاستراتيجية الجديدة التي يتم بحثها داخل الأوساط العسكرية تعتمد بشكل متزايد على منصات أصغر وأكثر مرونة، مثل السفن السريعة وأنظمة الإطلاق الموزعة، والتي يصعب استهدافها مقارنة بحاملة طائرات ضخمة تمثل هدفا واضحا وعالي القيمة. في المقابل، أصبحت الطائرات المسيرة قادرة على تنفيذ مهام هجومية واستطلاعية بتكلفة أقل وبمخاطر بشرية شبه معدومة، خاصة عند استخدامها ضمن أسراب يمكنها إرباك أنظمة الدفاع التقليدية.
كما أن انتشار الصواريخ فرط الصوتية، التي تتحرك بسرعات تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت وتتميز بقدرتها على المناورة، يجعل من الصعب اعتراضها باستخدام أنظمة الدفاع الحالية، وهو ما يقلل من مستوى “التحصين” الذي كانت تتمتع به حاملات الطائرات لعقود.
في هذا السياق، تتحول حاملة الطائرات من أداة شبه غير قابلة للمساس إلى منصة تحتاج إلى حماية معقدة ومكلفة، تشمل أنظمة دفاع متعددة الطبقات وسفن مرافقة، ما يزيد من التكلفة التشغيلية ويعقد استخدامها في بيئات عالية التهديد.
هذه التحولات لا تعني نهاية فورية لحاملات الطائرات، لكنها تشير إلى أن دورها قد يتغير تدريجيا، من منصة هجومية مركزية إلى جزء من منظومة أوسع تعتمد على التوزيع والمرونة والسرعة، وهو ما يعكس الاتجاه العام للحروب الحديثة.
المصدر: رويترز


