الخلفية:

القبة الذهبية.. درع أميركي في السماء أم شرارة سباق تسلح فضائي؟

منذ لحظة إعلان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في عام 1983 عن مبادرة الدفاع الاستراتيجي المعروفة إعلاميًا باسم حرب النجوم، والولايات المتحدة تطارد حلم بناء درع صاروخي يحميها من ضربة نووية مباغتة. اليوم يعود هذا الحلم في نسخة أشد طموحًا وتعقيدًا تحت اسم القبة الذهبية لأميركا التي أطلقها الرئيس الحالي دونالد ترامب بأمر تنفيذي في عام 2025، في مشروع يستهدف إنشاء منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة تغطي القارة الأميركية من صواريخ باليستية وصواريخ فرط صوتية وطائرات من دون طيار وأسلحة متطورة أخرى.

هذه المنظومة لا تقتصر على رادارات وصواريخ اعتراضية فقط، بل تمتد إلى الفضاء عبر كوكبة من الأقمار الصناعية، وربما أسلحة ليزر فضائية، وبنية قيادة وسيطرة رقمية تربط كل شيء ببعضه البعض من الرادارات البرية والبحرية إلى المقاتلات الشبحية من طراز إف 35 وإف 22 وأخيرا إف 47. وبين الحلم الدفاعي والواقع العسكري والاعتبارات السياسية والمالية، تتحول القبة الذهبية إلى واحد من أكثر المشاريع إثارة للجدل في القرن الحالي.

من حرب النجوم إلى القبة الذهبية.. تطور فكرة الدرع الصاروخي

في عام 1983 أعلن الرئيس رونالد ريغان عن مبادرة الدفاع الاستراتيجي، وهي رؤية لبناء شبكة من الرادارات والصواريخ وأسلحة الليزر في الفضاء لاعتراض الصواريخ الباليستية السوفيتية قبل وصولها إلى أميركا. تضمنت الفكرة آنذاك مشاريع طموحة مثل مفهوم القذائف المدارية المعروفة باسم قضبان من الفضاء (Rods From God) ومشروع الحصى البراقة، حيث تنتشر مئات أو آلاف المركبات الصغيرة في المدار لتصطدم بالصواريخ المهاجمة.

لكن القيود التقنية والتكاليف الهائلة والضغوط السياسية والدبلوماسية، إلى جانب معاهدة الحد من أنظمة الصواريخ المضادة للباليستية ABM ، دفعت واشنطن إلى تقليص طموحاتها. خلال التسعينيات انتقلت الولايات المتحدة من فكرة الدرع الفضائي الشامل إلى مفهوم دفاع صاروخي أكثر تواضعًا يركز على عدد محدود من الصواريخ، ما أدى لاحقًا إلى ولادة منظومة الدفاع في منتصف المسار المعروفة باسم (GMD (Ground-Based Midcourse Defense مع مواقع إطلاق في ألاسكا وكاليفورنيا.

مع مطلع القرن الحادي والعشرين بدأت تتشكل بنية دفاع صاروخي طبقية تشمل رادارات إنذار مبكر على الأرض والبحر، ومنظومات اعتراض مثل باتريوت و ثاد و إيجيس، إلى جانب الشبكات الفضائية لمراقبة الإطلاقات. لكن كل هذه الأنظمة صممت لبيئة كانت فيها روسيا هي الخصم الرئيسي، مع عدد محدود نسبيًا من الدول المالكة لصواريخ بعيدة المدى.

اليوم تغيرت الصورة جذريًا. الصين تطور صواريخ فرط صوتية معقدة، وروسيا تقدم أنظمة مثل أفانغارد و كينجال و آر إس-28 سارمات، وكوريا الشمالية تختبر صواريخ عابرة للقارات بوتيرة متسارعة، وإيران تطور قدرات صاروخية ومسيرات هجومية بكميات كبيرة. في هذا السياق جاءت القبة الذهبية كمحاولة للانتقال من منظومة دفاع جزئية إلى رؤية شبه شاملة لحماية الأراضي الأميركية.

ما هي القبة الذهبية لأميركا؟ رؤية نظام داخل نظام

القبة الذهبية لأميركا هي مبادرة دفاعية تضع هدفًا معلنًا يتمثل في إنشاء منظومة متعددة الطبقات قادرة على التصدي لصواريخ باليستية وصواريخ كروز وصواريخ فرط صوتية وتهديدات جوية أخرى، ليس فقط فوق القواعد العسكرية، بل أيضًا فوق المدن والبنى التحتية الحيوية داخل الولايات المتحدة.

الأمر التنفيذي الذي أطلق المشروع في يناير 2025 وضع إطارًا عامًا يقوم على تحويل الدفاع الصاروخي من شبكة متفرقة من الأنظمة إلى نظام أنظمة موحد، حيث تعمل طبقات الدفاع الأرضية والبحرية والفضائية ضمن بيئة قيادة وتحكم موحدة، و تم اختيار مركز القيادة الرئيسي لها سيكون تابع لـNORAD. وتشير الوثائق والميزانيات التقديرية إلى أن تكلفة المشروع على مدى عشرين عامًا قد تتراوح بين 161 مليار و 542 مليار دولار، بينما تحدثت تقديرات أخرى عن احتمال تجاوز الكلفة الإجمالية 800 مليار دولار إذا تم تنفيذ كل المراحل الفضائية والبرية.

من الناحية التسويقية يقدم البيت الأبيض المشروع كنسخة أميركية موسعة من فكرة القبة الحديدية الإسرائيلية، ولكن على نطاق قاري وبقدرات تستهدف ليس فقط الصواريخ القصيرة المدى بل الصواريخ العابرة للقارات والرؤوس الفرط صوتية المعقدة.

الدرس الإسرائيلي.. من القبة الحديدية إلى منظومة متعددة الطبقات

في الوعي العام كثيرًا ما يُختزل الدفاع الصاروخي الإسرائيلي في اسم القبة الحديدية، لكن الواقع أن أميركا بنت لإسرائيل منظومة طبقية من ثلاث مستويات رئيسية. المستوى الأول هو القبة الحديدية المكونة من نحو 10 بطاريات، تبلغ كلفة البطارية الواحدة حوالى 100 مليون دولار، في حين تبلغ كلفة الصاروخ الاعتراضي من طراز تامير حوالى 40 ألف دولار للصاروخ الواحد، وهو رقم منخفض نسبيًا مقارنة بمنظومات غربية أخرى.

المستوى الثاني هو منظومة مقلاع داوود المصممة لاعتراض الصواريخ المتوسطة المدى والصواريخ الموجهة الأكثر تعقيدًا. أما المستوى الثالث فهو منظومة السهم بأنواعها المختلفة، والمخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية وبمديات كبيرة، وتصل كلفة بعض صواريخها الاعتراضية إلى حوالى 5 ملايين دولار للصاروخ الواحد.

خلال جولات التصعيد الأخيرة تعرضت هذه المنظومة لواحدة من أعنف الاختبارات عندما أطلقت إيران مئات الصواريخ والمسيرات في موجات متزامنة، في محاولة لإغراق الدفاعات الإسرائيلية بعدد يفوق طاقة الاعتراض. تقارير عديدة قدرت الكلفة اليومية لتشغيل المنظومة الإسرائيلية في ذروة المواجهة بما يصل إلى 285 مليون دولار في اليوم الواحد، وهو رقم هائل بالنسبة للمساحة التي تؤمنها هذه المنظومة.

مع ذلك فإن إسرائيل تدافع عن مساحة محدودة نسبيًا، والمدن متقاربة، ما يسمح للبطاريات بتغطية مساحات واسعة. الولايات المتحدة، في المقابل، دولة قارية مترامية الأطراف، ما يجعل فكرة نسخ النموذج الإسرائيلي على مستوى القارة أمرًا شبه مستحيل من ناحية العدد المطلوب من المنظومات والكلفة التشغيلية على المدى الطويل.

البنية الحالية للدفاع الصاروخي الأميركي

قبل القبة الذهبية كانت الولايات المتحدة تمتلك بالفعل شبكة معقدة من أنظمة الدفاع الصاروخي، يمكن تلخيصها في ثلاث حلقات رئيسية مترابطة، لكن ما يميز هذه الشبكة هو أنها تتدرّج من أنظمة قصيرة المدى جداً وصولاً إلى منظومات تستطيع اعتراض صواريخ باليستية عابرة للقارات في الفضاء الخارجي.

الحلقة الأولى هي طبقة الإنذار المبكر الفضائي، حيث تعمل أقمار الإنذار المبكر بالأشعة تحت الحمراء (DSP ثم SBIRS حالياً) على مراقبة حرارة محركات الصواريخ خلال مرحلة الدفع الأولى. هذه الأقمار في مدارات ثابتة أو إهليلجية عالية، وتوفّر تغطية شبه دائمة لمناطق الإطلاق المحتملة في العالم، وهي أول نقطة في سلسلة كشف أي هجوم صاروخي.

الحلقة الثانية هي طبقة الرادارات الأرضية والبحرية، وعلى رأسها رادار التمييز بعيد المدى في ألاسكا LRDR، وهو رادار صفيف مرحلي نشط يعتمد على وحدات من الجاليوم نيترايد عالية القدرة، قادر على تتبّع أهداف على مسافات هائلة وتمييز الرؤوس الحقيقية عن الشراك الخداعية في منتصف المسار. إلى جانب هذا الرادار توجد رادارات بحرية ضخمة محمولة على منصات عائمة (SBX)، ورادارات AN/TPY-2 المنتشرة في أوروبا وآسيا، ورادارات إيجيس البحرية SPY-1 وSPY-6، والتي تعمل جميعها ضمن شبكة بيانات موحدة.

الحلقة الثالثة هي طبقة الاعتراض، وهي الأكثر تنوعاً وتشمل مجموعة ضخمة من الأنظمة المتتالية من المدى القصير جداً وحتى الدفاع القاري:

  • فائقة القصر (VSHORAD): منظومات ستينغر FIM-92 المحمولة على الكتف، ومنظومة أفنجر Avenger، ومنظومة C-RAM (النسخة البرية من فالانكس Phalanx) لحماية القواعد من الصواريخ القصيرة وقذائف الهاون والطائرات المسيرة.

  • المدى القصير – المتوسط: منظومات IM-SHORAD على مدرعات سترايكر، ومنظومات NASAMS التي تستخدم صواريخ AMRAAM بمديات بين 25 و40+ كم وصواريخ Sidewinder أرض–جو بمدى 15 كم.

  • المدى المتوسط – الطويل: منظومة باتريوت Patriot، سواء بصواريخ PAC-2 GEM-T المخصّصة لمواجهة الطائرات والصواريخ التقليدية بمدى 160 كم، أو بصواريخ PAC-3 MSE ذات مفهوم “القتل الصدمي” hit-to-kill لاعتراض الصواريخ الباليستية بمدى 45–60 كم.

  • المدى الطويل جداً / الدفاع الصاروخي المسرحي: منظومة ثاد THAAD لاعتراض الصواريخ الباليستية متوسطة المدى على ارتفاعات عالية تصل إلى 150 كم وبمدى يفوق 200 كم.

  • الطبقة البحرية: منظومة إيجيس Aegis BMD على المدمرات والطرادات الأميركية، بصواريخ الاعتراض المتقدّمة:

    • SM-2 بمدى 90–170 كم

    • SM-6 بمدى 240–370 كم وقدرة ثنائية على ضرب الأهداف الجوية والصواريخ الباليستية

    • SM-3 بجميع نسخها (IA / IB / IIA) بمديات تتراوح بين 900 و2500 كم لاعتراض الصواريخ الباليستية خلال مرحلة منتصف المسار في الفضاء خارج الغلاف الجوي.

  • الدفاع القاري الإستراتيجي: منظومة Ground-Based Midcourse Defense – GMD المزودة بصواريخ اعتراضية عملاقة من طراز GBI تنطلق من صوامع ثابتة في ألاسكا وكاليفورنيا، بمدى يتجاوز 5000 كم لاعتراض الصواريخ العابرة للقارات في الفضاء.

وإلى جانب هذه الشبكة الصاروخية، تدخل المقاتلة الشبح F-35 و F-22 كعنصر شبكي متحرك فائق الحيوية، فهي تمتلك رادار AESA متطوراً وأنظمة استشعار كهروبصرية، وتستطيع رصد الأهداف الجوية والصاروخية من مسافات كبيرة، وإرسال البيانات مباشرة إلى منظومات باتريوت وإيجيس وNASAMS، بل وتنفيذ اعتراضات جوية ضد صواريخ كروز أو طائرات معادية عند الضرورة، مما يجعلها عقدة متحركة في شبكة الدفاع الجوي الأميركية.

ما الذي تضيفه القبة الذهبية على هذه البنية؟

القبة الذهبية لا تبدأ من الصفر، بل تبني على هذه الشبكات القائمة بهدف دمجها في منظومة موحدة ذات عدة مستويات. الفكرة الجوهرية هي إنشاء طبقات حماية متتابعة تمتد من مرحلة ما قبل الإطلاق، مرورًا بمرحلة الدفع الأولى للصاروخ، ثم مرحلة الطيران في الفضاء، وصولًا إلى المرحلة النهائية عند اقتراب الرأس الحربي من الهدف.

الوثائق المرتبطة بالمشروع تشير إلى هدف واضح وهو الانتقال من الدفاع عن الأهداف العسكرية إلى حماية ما يسمى الأهداف ذات القيمة العالية مثل المدن الكبرى والمراكز الصناعية والبنى التحتية للطاقة والاتصالات. هذا يعني أن مهمة القبة الذهبية ليست فقط حماية قواعد الصواريخ أو مراكز القيادة، بل أيضًا خلق مظلة دفاع حول مناطق ذات كثافة سكانية واقتصادية عالية.

تضيف القبة الذهبية الأميركية طبقات جديدة من القدرات التي لم تكن جزءًا من البنية التقليدية للدفاع الصاروخي، فهي توسّع نطاق التعامل مع التهديدات من مجرد اعتراض الصواريخ الباليستية والكروز إلى مواجهة مركبات انزلاقية فرط صوتية عالية المناورة، وأنظمة اختراق متقدمة متعددة الرؤوس، وهجمات أسراب الدرون، عبر دمج تكنولوجيا توجيه عالية الدقة، ومستشعرات متعددة النطاقات الطيفية، وأنظمة قيادة وسيطرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. والهدف المركزي للقبة الذهبية هو بناء منظومة دفاعية ذات قدرة Predictive Engagement، أي القدرة على توقع مسار التهديد قبل تغيّره، وليس مجرد رد الفعل بعد انطلاقه.

تشكل منظومة Glide Phase Interceptor أحد أهم الإضافات التقنية في المشروع، فهي أول منظومة أميركية مخصصة لاعتراض المركبات الانزلاقية الفرط صوتية في مرحلة الانزلاق داخل الغلاف الجوي، وهي المرحلة الأكثر صعوبة نظرًا لقدرة الهدف على المناورة باستخدام الرفع الديناميكي (Aerodynamic Lift) على ارتفاعات تتراوح بين 40 و70 كيلومترًا بسرعات قد تتجاوز Mach 7 إلى Mach 10. يعتمد GPI على خوارزميات توجيه تكيفية من الجيل الجديد Adaptive Guidance Algorithms تعمل من خلال دمج بيانات مستشعرات متعددة المصدر (Multi-Sensor Data Fusion) تشمل رادارات SPY-6 وAN/TPY-2، بالإضافة إلى مستشعرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء في نطاق MWIR وLWIR لرصد البصمة الحرارية للهدف رغم الخلفية الحرارية المعقدة للغلاف الجوي. كما يستخدم الصاروخ مركبة قتل حركية Hit-to-Kill KV مزودة بمحركات مناولة دقيقة (Divert and Attitude Control System – DACS) قادرة على تنفيذ تصحيحات مسار متتالية على المستوى الميكروثاني، وهي قدرة ضرورية للتعامل مع الهدف الذي يغيّر مساره باستمرار.

أما مشروع Next Generation Interceptor فيُعد أكثر التطورات الجذرية في بنية الدفاع القاري الأميركي ضد الصواريخ العابرة للقارات. يستخدم NGI Multi-Object Kill Vehicle – MOKV وهو مفهوم يسمح باحتواء عدة مركبات قتل مستقلة داخل صاروخ واحد، بحيث يمكن اعتراض رأس صاروخي حقيقي وعدة شراك خداعية في آن واحد. وتعتمد المنظومة على جيل جديد من خوارزميات التمييز (Midcourse Discrimination Algorithms) القادرة على تحليل توقيع الهدف عبر نطاقات طيفية متعددة تشمل الرادار الترددي الواسع Wideband Radar Cross Section Analysis، وتحليل دوران الهدف، وخصائص التسخين الإشعاعي Thermal Signature Modeling. وتحتوي نسخة NGI على وصلة بيانات ثنائية الاتجاه Two-Way In-Flight Communications Link تمكّن من تحديث مسار مركبة القتل خلال الرحلة، مع إمكانية إعادة توجيهها نحو أهداف أخرى، وهو ما يرفع معامل النجاح بشكل كبير مقارنة بالجيل الحالي من صواريخ GBI.

وفي مجال أسلحة الطاقة الموجهة، تدخل القبة الذهبية مرحلة جديدة بدخول منظومات الليزر عالية الطاقة مثل HELIOS، الذي يعتمد على ليزر ألياف Fiber Laser بقدرات بين 60 و150 كيلوواط، مع قابلية رفع القدرة حتى 300 كيلوواط في النسخ المستقبلية، مستفيدًا من كفاءة تحويل طاقية أعلى من 40%. يعتمد الليزر على نظام تتبع Fine-Track Beam Director قادر على استقرار الشعاع حتى في بيئات بحرية ذات اضطراب عالي، مما يسمح بتسليط طاقة مركزة على بدن الهدف لتسخينه حتى نقطة الانهيار الهيكلي Structural Failure أو تدمير المستشعرات البصرية، وهي عملية تتم في أجزاء من الثانية بتكلفة تشغيلية شبه معدومة مقارنة بالصواريخ الاعتراضية. كما يجري تطوير منظومات تعتمد على نبضات كهرومغناطيسية عالية القدرة HPM تستند إلى مولدات Solid-State Marx Generators لاستهداف الإلكترونيات الحساسة للدرونات والصواريخ قصيرة المدى.

وتتجاوز الإضافة التي توفرها القبة الذهبية جانب التسليح إلى مستوى البنية الشبكية نفسها، حيث تعتمد على ربط منصات الاستشعار والاعتراض عبر شبكة قيادة وسيطرة تعرف باسم JADC2 – Joint All-Domain Command and Control، وهي منظومة تسمح بدمج بيانات الرادارات الأرضية والبحرية، والأقمار الاصطناعية، والطائرات الشبحية F-35 باستخدام الذكاء الاصطناعي لتقليل زمن اتخاذ القرار من دقائق إلى ثوانٍ. وتسمح هذه البنية بتطبيق مفهوم “من يرى أولًا يطلق أولًا” و”الإطلاق من أي منصة والتوجيه من أي منصة”، بحيث قد تلتقط طائرة F-35 الهدف بواسطة رادار AESA الخاص بها، بينما يجري الاعتراض بصاروخ SM-6 يُطلق من مدمرة تبعد مئات الكيلومترات.

إن ما تضيفه القبة الذهبية في المحصلة هو دمج قدرات لم تكن موجودة سابقًا: اعتراض الفرط صوتي في مرحلة الانزلاق، تطوير سلاح اعتراض متعدد المركبات ضد الرؤوس النووية، إدخال الطاقة الموجهة كسلاح دفاعي عملياتي، بناء شبكة قيادة وتحكم مبنية على الذكاء الاصطناعي والدمج الطيفي للمستشعرات، وإنشاء منظومة تنبؤية قادرة على التعامل مع السرعة والمناورة والتشويش والتهديدات المركبة في وقت واحد. هذه العناصر تمثل نقلة نوعية تجعل مشروع القبة الذهبية ليس مجرد توسع في القدرات، بل خطوة نحو جيل جديد بالكامل من الدفاع الصاروخي متعدد النطاقات.

في هذا السياق يتعين على المخطط الأميركي أن يحدد أي المدن ستحظى بحماية كاملة، وأيها ستكون أقل أولوية. هل ستكون الأولوية لواشنطن ونيويورك ولوس أنجلوس وهيوستن فقط، أم ستضاف عواصم الولايات والمراكز الصناعية الكبرى، وما هو الحد الأدنى من عدد السكان أو القيمة الاقتصادية التي تبرر إنشاء حلقة دفاع إضافية حول مدينة ما.

من اكتشاف الإطلاق إلى رسم مسار الصاروخ

رحلة أي صاروخ باليستي تنقسم إلى ثلاث مراحل رئيسية. المرحلة الأولى هي مرحلة الدفع، وفيها يعمل محرك الصاروخ بقوة لعدة دقائق حتى يدفعه إلى حدود الفضاء. المرحلة الثانية هي مرحلة منتصف المسار، وفيها يتحرك جسم الصاروخ أو الرؤوس الحربية في الفضاء على مسار باليستي، وهي أطول مرحلة زمنيًا. المرحلة الثالثة هي المرحلة النهائية، وهنا تعود الرؤوس الحربية إلى الغلاف الجوي بسرعة هائلة نحو الهدف.

في مرحلة الدفع تعتمد المنظومات الأميركية على الأقمار الصناعية التي تراقب توقيع الحرارة المنبعثة من محركات الصواريخ. هذه الأقمار تستطيع خلال ثوان معدودة رصد الإطلاق وتحديد نقطة الانطلاق تقريبًا. بعد ذلك تبدأ شبكة الرادارات الأرضية والبحرية في استلام المهمة، حيث تتولى تتبع الصاروخ ورسم مساره بدقة.

التحدي الأكبر يظهر في منتصف المسار، حيث يمكن للصاروخ المهاجم أن يطلق عدة رؤوس حربية مع شراك خداعية على شكل أجسام صغيرة أو بالونات أو قطع معدنية. هنا يعتمد الدفاع على رادارات متطورة مثل الرادار البعيد المدى في ألاسكا القادر على العمل بترددات مختلفة تسمح له بالتبديل بين مدى بعيد ودقة عالية، لمحاولة تمييز الرأس الحربي الحقيقي عن الأهداف الوهمية.

الاعتراض بالاصطدام.. لماذا لا تستخدم المتفجرات؟

عندما يتخذ القرار بإطلاق صاروخ اعتراضي تكون المهمة هي تدمير الرأس الحربي قبل وصوله إلى هدفه. في الأنظمة الحديثة مثل ثاد أو صواريخ GMD يعتمد مبدأ القتل بالاصطدام، حيث لا يحمل الصاروخ رأسًا متفجرًا تقليديًا، بل يعتمد على الطاقة الحركية الهائلة الناتجة عن الاصطدام المباشر بجسم الهدف.

استخدام المتفجرات في ارتفاعات عالية يكون أقل فعالية بسبب غياب الهواء الكافي لنقل موجة الانفجار إلى الهدف، كما أن احتمال تفجير الرأس النووي أو الكيماوي أو البيولوجي للمهاجم يمثل خطرًا إضافيًا. لذلك يفضل أن يصطدم الصاروخ الاعتراضي بالرأس المعادي لتمزيقه وتحييده.

لتحقيق ذلك يحمل الصاروخ الاعتراضي في قمته ما يشبه مستشعرًا بصريًا حراريًا يعمل كمصفوفة من الحساسات المصنوعة من مواد حساسة للأشعة تحت الحمراء. هذه المصفوفة توفر صورة حرارية بالأبيض والأسود تمكن الحاسب الصغير داخل الصاروخ من تتبع الهدف بدقة متناهية حتى لحظة الاصطدام. وكانت التكلفة المبدئية لهذا المشروع هي 50 مليار دولار، ولكنه لا يضمن اسقاط الهدف الا بنسبة 58%. وهذا نظرا لسرعات الفائقة للهدف ونظام الاعتراض الخاصبيه حيث يتم تاكيد مسار الهدف واعتراضه قبل الإطلاق و يفشل اذا غير الهدف مساره.

من الدفاع الطبقي إلى الدفاع الفضائي.. عودة فكرة الأسلحة المدارية

أكثر عناصر القبة الذهبية إثارة للجدل هو ما يشير إليه الأمر التنفيذي من ضرورة تطوير قدرات لاعتراض الصواريخ في مرحلة الدفع الأولى، بل وحتى قبل الإطلاق في بعض السيناريوهات. لتحقيق ذلك لا يكفي الاعتماد على رادارات وأسلحة أرضية، بل يتطلب الأمر وجود طبقة فضائية من الحساسات وربما الأسلحة الهجومية.

الفكرة المطروحة تتضمن إنشاء كوكبة من الأقمار الصناعية في مدار منخفض، قد يتراوح عددها بين 1300 و 2000 قمر تقريبًا، مزودة إما بصواريخ اعتراضية صغيرة أو بأسلحة ليزر عالية الطاقة. هذه الأقمار يجب أن تكون قادرة على رصد أي إطلاق خلال ثوان ثم توجيه ضربة سريعة للصاروخ وهو ما زال في مرحلة الدفع، حيث يكون هدفًا كبيرًا وبطيئًا نسبيًا وحساسًا لأي ضرر في خزانات الوقود أو هيكل المحرك.

هذه الفكرة ليست جديدة بالكامل، فقد طرحت خلال الثمانينيات ضمن مشروع الحصى البراقة الذي تصور مئات المركبات الصغيرة في الفضاء تتصدى للصواريخ السوفيتية. ما تغير اليوم هو أن كلفة الإطلاق إلى الفضاء انخفضت بشكل كبير مع دخول شركات تجارية جديدة، وأن عدد الأقمار العاملة في المدار أصبح بالآلاف كما هو الحال في شبكات الاتصالات.

مع ذلك تبقى العقبة الكبرى هي تعقيد هذه المنظومة وكلفتها وردود الفعل الدولية عليها، إذ يعتبر وضع أسلحة هجومية أو دفاعية في الفضاء خطوة تصعيدية يمكن أن تدفع خصوم الولايات المتحدة إلى تطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية قادرة على تدمير هذه الكوكبات، ما قد يؤدي إلى فوضى في الفضاء وتهديد للبنية التحتية الفضائية المدنية والعسكرية لجميع الدول. فالقمر الصناعي يتحرك وهذه المنظومات بالمثل. فهل يعقل ان تقبل أي دولة بوجود هذه الأسلحة فوقها؟ فبعيدا عن مخاطر الاستهداف، هناك خطر على السكان و المدن في حال فشل احدى المنظومات وسقوطها او حدوث خلل تقني او هجوم سيبراني يخرجها خارج نطاق التحكم. اما منظومة بهذا الحجم هي بمثابة اسلحة الدمار الشامل وقد يرى خصوم أميركا انها تمثل خطر وجودي لها ولقيادتها وتنشب حروب وأزمات بسبب هذه المنظومة وأبسط هذه الأزمات فصلً جديد من حرب تسلح الفضاء.

الليزر في الفضاء.. حلم تقني أم خيار واقعي؟

إحدى الأفكار المطروحة داخل تصور القبة الذهبية هي استخدام أسلحة ليزر عالية الطاقة سواء على منصات جوية أو فضائية. الليزر يمتاز بأن طاقته تصل إلى الهدف بسرعة الضوء، ما يجعله سلاحًا مثاليًا نظريًا ضد أهداف سريعة جدًا مثل الصواريخ الفرط صوتية.

لتدمير صاروخ بالليزر يجب تسليط حزمة طاقة عالية على نقطة محددة من هيكله لفترة قصيرة حتى ترتفع درجة حرارتها إلى حد يضعف البنية أو يفجر خزانات الوقود. هذه العملية تتطلب قدرة كهربائية عالية جدًا واستقرارًا في توجيه الحزمة.

التجارب السابقة في هذا المجال شملت نظام ليزر جوي على طائرة بوينغ 747 معدلة نجح في اختبار إسقاط صواريخ باليستية خلال مرحلة الدفع. لكن المشروع ألغي بسبب الكلفة وقيود التشغيل. في حالة الأقمار الصناعية تحتاج المنظومة إلى مصادر طاقة كبيرة، قد تصل إلى 250 كيلوواط أو حتى 1 ميغاواط للقمر الواحد، وهو ما يتطلب إما ألواحًا شمسية ضخمة أو نقل طاقة لاسلكيًا من محطات طاقة شمسية في مدار أعلى.

تقنيًا يمكن تصور طبقتين، الأولى كوكبة أقمار للطاقة الشمسية في مدار عال، والثانية كوكبة أسلحة في مدار منخفض تتلقى الطاقة عند الحاجة، لكن مثل هذا السيناريو يفتح نقاشات واسعة حول عسكرة الفضاء ومستقبل المعاهدات الدولية المنظمة لاستخدامه.

التكلفة الهائلة.. أعباء مالية لعقود

التقديرات الرسمية الأولية تحدثت عن كلفة تبلغ حوالى 175 مليار دولار للمرحلة الأولى من المشروع، في حين أشارت دراسات أخرى إلى أن الكلفة الكاملة، بما في ذلك الطبقة الفضائية الواسعة العدد، يمكن أن تتجاوز 542 مليار دولار على مدى عشرين عامًا، وربما تصعد إلى ما فوق 800 مليار دولار إذا أضيفت تحسينات مستمرة وتوسع في عدد الأقمار والمنصات.

للمقارنة فإن هذا الرقم يعادل تقريبًا ما بين 6 و 27 عامًا من الميزانية السنوية الكاملة لوكالة ناسا، ما يعني أن القبة الذهبية ليست مجرد برنامج دفاعي عادي، بل مشروع بنية تحتية استراتيجية قد يقيّد أولويات إنفاق أخرى في مجال الفضاء والدفاع.

إضافة إلى الكلفة الإنشائية هناك كلفة التشغيل والصيانة وتحديث البرمجيات والحماية من الهجمات السيبرانية على شبكة بهذه الضخامة، إلى جانب تدريب آلاف الأفراد على إدارتها وتشغيلها.

قدرات فعلية وحدود واقعية.. هل يمكن حماية قارة كاملة؟

حتى لو افترضنا نجاح الولايات المتحدة في بناء كل طبقات القبة الذهبية، تبقى هناك أسئلة جوهرية حول مدى قدرة أي منظومة على حماية مساحة ضخمة مثل مساحة الولايات المتحدة وكندا من تهديدات متنوعة ومتزامنة. فهجوم مكثف يشمل مئات الصواريخ الباليستية وعشرات الصواريخ الفرط صوتية وآلاف المسيرات السريعة قد يتجاوز أي قدرة على الاعتراض الكامل.

التجربة الإسرائيلية مع القبة الحديدية أظهرت أن الدفاع الصاروخي يمكنه تقليص حجم الخسائر بشكل كبير، لكنه لا يصل إلى نسبة مئة في المئة، بل يعمل على إدارة المخاطر وتخفيف الأضرار. على مستوى القارة يصبح هذا التحدي أكبر بكثير، خاصة في ظل إمكانية استهداف البنى التحتية للطاقة والاتصالات والاقتصاد الرقمي.

في هذا السياق قد تتحول القبة الذهبية من وعد بحماية مطلقة إلى أداة لرفع عتبة الردع، عبر جعل أي خصم يدرك أن جزءًا كبيرًا من هجومه سيُحيد، ما يخفف من جدوى الضربة الأولى ويزيد كلفة المغامرة.

سباق تسلح في الفضاء.. رؤية دفاعية أم تصعيد استراتيجي؟

إعلان القبة الذهبية لم يمر بهدوء في العواصم المنافسة. الصين وروسيا وكوريا الشمالية رأت في المشروع خطوة استفزازية تحمل طابعًا هجوميًا، لأنه يهدد مبدأ التدمير المتبادل المؤكد الذي يقوم عليه الردع النووي منذ الحرب الباردة. فكلما اعتقدت دولة ما أنها قادرة على حماية نفسها من ضربة نووية، كلما زاد احتمال أن تلجأ إلى استخدام القوة العسكرية دون خوف من رد مدمّر.

إضافة إلى ذلك تملك هذه الدول قدرات متنامية في مجال الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، ما يعني أن دخول الولايات المتحدة في سباق لتسليح الفضاء قد يدفعها إلى تطوير جيل جديد من الأسلحة لإسكات شبكة القبة الذهبية في حال نشوب نزاع، وهو ما قد يؤدي إلى تدمير عدد كبير من الأقمار الصناعية وإغراق المدار بالحطام الفضائي، مع ما يحمله ذلك من تبعات على الاتصالات والملاحة الجوية والبيئة والاقتصاد العالمي.

من ناحية أخرى يرى مؤيدو المشروع أنه تطور طبيعي في عالم لم يعد فيه التهديد النووي حكرًا على قوتين عظميين، بل أصبح موزعًا بين عدة دول تمتلك قدرات مختلفة، وأن بناء طبقة دفاعية إضافية فوق المدن والبنى التحتية الأميركية يندرج ضمن حق أي دولة في حماية شعبها.

التكاليف التشغيلية لمنظومات باتريوت وثاد وإيجيس.. أعباء لا تتوقف

رغم أن أرقام القبة الذهبية على مستوى الإنشاء تبدو فلكية بحد ذاتها، إلا أن التعمق في التكاليف التشغيلية للمنظومات التي ستشكّل العمود الفقري لهذا الدرع يكشف أن المشروع قد يتحوّل فعليًا، على مدى جيل كامل، إلى التزام مالي يقترب من خانة التريليونات.

تقارير مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي GAO و خدمة الأبحاث في الكونغرس CRS و وكالة الدفاع الصاروخي MDA تشير إلى أن كل طبقة من طبقات الدفاع القائمة اليوم تستهلك سنويًا مليارات الدولارات فقط في التشغيل والصيانة، قبل الحديث عن التوسع الهائل الذي تتطلبه القبة الذهبية.

منظومة باتريوت PAC-3.. خط الدفاع الأخير المكلف

نظام باتريوت PAC-3 الذي يشكّل اليوم خط الدفاع الأخير ضد الصواريخ القصيرة المدى وصواريخ كروز وبعض الأهداف الجوية، يُعد مثالًا واضحًا على الكلفة الباهظة للدفاع الصاروخي. تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 60 كتيبة باتريوت منتشرة داخل البلاد وخارجها، لكن كل كتيبة من هذه الكتائب هي مشروع مالي قائم بذاته.

تقدّر تقارير CRS لعام 2024 متوسط كلفة الصاروخ الاعتراضي من طراز PAC-3 MSE بما بين 4 و 5.5 ملايين دولار للصاروخ الواحد، بحسب الدفعة وحجم العقود. أما بطارية باتريوت كاملة، بما تتضمنه من رادار صفيف مرحلي ومنصات إطلاق ووحدة قيادة وتحكم ومركبات دعم، فتتراوح كلفتها بين 1.1 و 1.4 مليار دولار عند أخذ البنية التحتية والتجهيزات اللوجستية في الحسبان.

على مستوى التشغيل، تشير بيانات GAO إلى أن الكلفة السنوية لتشغيل مجموعة كتائب باتريوت المنتشرة خارج الأراضي الأميركية تتجاوز 400 مليون دولار سنويًا، تشمل الأفراد وقطع الغيار والتدريب والدعم الفني. وإذا افترضت القبة الذهبية إضافة عشرات الكتائب الجديدة لتغطية المدن الأميركية ذات الكثافة السكانية العالية، فإن الحديث يدور بسهولة عن الحاجة إلى ما بين 40 و 60 كتيبة إضافية، ما يعني استثمارًا إنشائيًا قد يلامس 40 إلى 80 مليار دولار في طبقة باتريوت وحدها، دون احتساب تكاليف التشغيل لعقدين أو ثلاثة عقود.

منظومة ثاد THAAD.. اعتراض عالي الارتفاع بسعر ثقيل

منظومة ثاد THAAD المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية متوسطة المدى في الطبقات العليا من الغلاف الجوي وخارجه، تُعد من أكثر الأنظمة تكلفة في ترسانة الدفاع الأميركية. تقارير وكالة الدفاع الصاروخي MDA و CRS تشير إلى أن كلفة البطارية الواحدة من ثاد تتراوح بين 800 مليون و 1.2 مليار دولار اعتمادًا على تكوين الرادارات وعدد منصات الإطلاق واحتياجات البنية التحتية في موقع الانتشار.

أما الصاروخ الاعتراضي الواحد في منظومة ثاد فتقدّر كلفته بما بين 11 و 24 مليون دولار، وهو رقم يتجاوز بعشرات المرات كلفة كثير من الصواريخ التي يُفترض أن يعترضها. الولايات المتحدة تمتلك اليوم 9 بطاريات ثاد فقط، منتشرة في مواقع حساسة مثل غوام وكوريا الجنوبية وبعض القواعد داخل الأراضي الأميركية. وتم رسال بطارية واحدة منها الى اسرائيل.

لكن إذا أراد مخططو القبة الذهبية توفير مظلة تغطي محيط القارة الأميركية ضد الصواريخ متوسطة المدى والرؤوس المناورة، فقد يحتاج المشروع إلى إضافة ما بين 25 و 35 بطارية ثاد جديدة. هذا التوسع بمفرده قد يضيف ما بين 30 و 40 مليار دولار كلفة إنشاء، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن تشغيل بطارية ثاد واحدة مع طواقمها وصيانتها وتدريبها لمدة عشرين عامًا قد يتجاوز 2.3 مليار دولار، ما يرفع إجمالي كلفة طبقة ثاد على مدى عقدين إلى نطاق 70–90 مليار دولار.

إيجيس AEGIS BMD.. درع بحري بصواريخ فائقـة الكلفة

طبقة الدفاع البحري التي تمثلها منظومة إيجيس للدفاع ضد الصواريخ الباليستية AEGIS BMD تشكل بدورها ركيزة أساسية لأي قبة فوق الولايات المتحدة. البحرية الأميركية تشغّل اليوم أكثر من 48 مدمرة وطرادًا مزودة برادار SPY-1 أو SPY-6 وقدرات إطلاق صواريخ اعتراضية من طراز SM-3 و SM-6.

صاروخ SM-3 Block IIA المصمم لاعتراض الصواريخ الباليستية متوسطة وبعيدة المدى في الفضاء، تصل كلفته وفق عقود وزارة الدفاع الحديثة إلى نحو 38 مليون دولار للصاروخ الواحد. أما صاروخ SM-6 متعدد المهام، القادر على اعتراض أهداف جوية وصواريخ كروز وبعض التهديدات الباليستية في المرحلة النهائية، فتدور كلفته بين 9 و 12 مليون دولار حسب النسخة.

تقدّر تقارير CRS و CSIS أن تخصيص جزء مهم من الأسطول السطحي الأميركي لمهام الدفاع الصاروخي فقط يزيد الكلفة التشغيلية السنوية بمقدار يتراوح بين 3 و 4 مليارات دولار، بين وقود وصيانة وذخائر وبرامج تدريب، خاصة إذا فرضت القبة الذهبية زيادة عدد السفن المجهزة لإيجيس إلى ما بين 60 و 75 سفينة لضمان تغطية مستمرة لسواحل الأطلسي والهادي والخليج.

لماذا يمكن أن تصل كلفة القبة الذهبية إلى تريليونات الدولارات؟

عند جمع هذه المعطيات يتضح أن أرقام 161 إلى 542 مليار دولار المذكورة في بعض التقديرات الأولية لا تعكس سوى جزء من الصورة. فمجرد توسيع الشبكات القائمة لتغطية مساحة الولايات المتحدة وقواعدها البحرية الجوية يعني عمليًا بناء بنية دفاعية قارية جديدة فوق بنية قائمة بالفعل.

المساحة الجغرافية للولايات المتحدة، التي تبلغ نحو 9.8 مليون كيلومتر مربع، تفرض نشر شبكة كثيفة من الرادارات البعيدة والمتوسطة المدى. دراسات تحليلية صادرة عن RAND Corporation و CSIS تشير إلى أن تحقيق تغطية فعالة ضد الصواريخ الباليستية والفرط صوتية فوق المدن والبنى التحتية الأميركية قد يتطلب نشر ما لا يقل عن 100 رادار بعيد المدى بتقنيات صفيف مرحلي نشط، تتراوح كلفة الواحد منها بين 1 و 1.8 مليار دولار مع البنية التحتية، إلى جانب مئات الرادارات التكتيكية الأصغر.

على مستوى منصات الاعتراض، تحتاج القبة الذهبية إلى مئات منصات ثاد وباتريوت وإيجيس البرية والبحرية، مع مخزون مبدئي من عشرات الآلاف من الصواريخ الاعتراضية عالية الكلفة. إذا افترضنا مخزونًا أوليًا يتكون من 10 آلاف صاروخ باتريوت PAC-3 MSE بمتوسط 5 ملايين للصاروخ، و2000 صاروخ ثاد بمتوسط 18 مليونًا، و1500 صاروخ SM-3 وSM-6 بمتوسط 20 مليونًا، فإن كلفة الذخيرة فقط تتجاوز 200 مليار دولار في المرحلة الأولى، دون حساب عمليات إعادة التعبئة بعد أي صراع كبير. ناهيك عن لكلفة الكاملة لخطوط الاإنتاج و الصيانة و الموارد البشرية لإدارة المنظومة.

الطبقة الفضائية.. الجزء الأكثر كلفة في المعادلة

الطبقة الفضائية التي تُعد قلب رؤية القبة الذهبية هي الأكثر إثارة للجدل على مستوى التكلفة. تقديرات RAND و مكتب الميزانية في الكونغرس CBO تتحدث عن حاجة محتملة لنشر ما بين 1300 و 2000 قمر صناعي في مدار منخفض إذا أرادت الولايات المتحدة تحقيق قدرة حقيقية على كشف الصواريخ في مرحلة الدفع واعتراضها من الفضاء.

القمر الصناعي الواحد المزود بحساسات إنذار مبكر عالية الدقة ونظم توجيه واتصال عسكري مشفر، وربما صواريخ اعتراضية صغيرة أو ليزر عالي الطاقة، قد تتراوح كلفته بين  600 مليون دولار الى مليار دولار، بحسب الحمولة ووسيلة الإطلاق وعمر القمر في المدار. هذا يعني أن الطبقة الفضائية وحدها قد تتطلب استثمارات تراوح بين 455 مليار و 1.2 تريليون دولار، إذا أُخذ في الاعتبار استبدال الأقمار المنتهية عمرها التشغيلي وإطلاق دفعات إضافية للحفاظ على كثافة التغطية.

إلى جانب ذلك، تحتاج هذه الكوكبات إلى بنية اتصالات وتحكم أرضية موزعة عالميًا، ومراكز بيانات عسكرية قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات في الزمن الحقيقي، ما يضيف عشرات المليارات من الدولارات إلى الكلفة الإجمالية على شكل مراكز قيادة وتحليل ومرافق سيبرانية محصّنة.

كلفة التشغيل والصيانة والموارد البشرية

خلال فترة تشغيل تمتد لعشرين أو خمسة وعشرين عامًا، لا يمكن النظر إلى القبة الذهبية كمنظومة ثابتة، بل ككائن حي يحتاج إلى صيانة مستمرة وتحديث متواصل. تقديرات مراكز بحثية مثل RAND و CSBA تشير إلى أن الكلفة التشغيلية السنوية لشبكة بهذا الحجم قد تتراوح بين 25 و 45 مليار دولار، تشمل صيانة الرادارات ومنصات الإطلاق والسفن، وتطوير البرمجيات، والحماية من الهجمات السيبرانية، وتحديث أنظمة الذكاء الاصطناعي التي ستلعب دورًا متزايدًا في إدارة ساحة المعركة الرقمية.

إلى ذلك، تتطلب القبة الذهبية قوة بشرية متخصصة تتراوح بين 90 ألفًا و 110 آلاف فرد من مهندسين وفنيين ومحللين وضباط قيادة وسيطرة، موزعين على قواعد جوية وبرية وبحرية ومراكز تحكم فضائية. تكلفة تدريب هذه الكوادر والحفاظ على جاهزيتها قد تضيف ما بين 8 و 15 مليار دولار سنويًا وفق تقديرات لخبراء الدفاع في CSIS و معهد ميتشل للدراسات الفضائية.

كما لا يمكن تجاهل الاستثمارات المطلوبة في مصانع الشركات الدفاعية الكبرى مثل لوكهيد مارتن و رايثيون و نورثروب غرومان لرفع القدرة الإنتاجية من الصواريخ والرادارات ومنظومات الاستشعار. بعض التقديرات الحديثة تشير إلى أن تحديث خطوط الإنتاج الحالية وبناء خطوط جديدة مخصصة للقبة الذهبية قد يتطلب استثمارات تراكمية قد تصل إلى 200 مليار دولار خلال عقد واحد.

ماذا ستظل القبة الذهبية عاجزة عن منعه؟

رغم هذا التوسع الهائل في الطبقات والأنظمة، تبقى هناك حدود واضحة لقدرة أي درع صاروخي، مهما بلغ تطوره، على توفير حماية مطلقة. فالصواريخ الروسية والصينية الحديثة القادرة على حمل رؤوس متعددة مستقلة MIRV، تصل في بعض الحالات إلى 8 أو 10 رؤوس نووية في صاروخ واحد، يمكنها إغراق أي منظومة دفاع بعدد من الأهداف يفوق قدرة الاعتراض. كما أن الرؤوس المناورة MARV التي تغير مسارها في المرحلة النهائية تجعل حسابات الاعتراض أكثر صعوبة وتعقيدًا.

إضافة إلى ذلك، تظهر في الأفق فئات جديدة من الأسلحة قد لا تكون القبة الذهبية مؤهلة بالكامل للتعامل معها منذ اليوم الأول، مثل الصواريخ الفرط صوتية ذات المرحلتين، أو المركبات الشراعية المدارية القادرة على البقاء في الفضاء لمدد طويلة قبل الانقضاض على أهدافها من زوايا غير متوقعة، أو حتى أنظمة هجومية تعتمد على نبضات كهرومغناطيسية واسعة النطاق لتعطيل الإلكترونيات الحساسة في الرادارات ومراكز القيادة.

ويبقى البعد السيبراني نقطة ضعف محتملة لأي منظومة تعتمد بهذا القدر على الشبكات الرقمية والذكاء الاصطناعي. فالهجمات السيبرانية المعقدة قد تستهدف برامج إدارة المعركة، أو قواعد البيانات، أو روابط الاتصالات بين الطبقات الأرضية والبحرية والفضائية، ما قد يؤدي إلى تعطيل الرادارات أو تضليل أنظمة التصنيف بين الرأس الحقيقي والشراك الخداعية، أو حتى خلق صورة ميدانية مزيفة تدفع صانع القرار إلى استخدام ذخائر اعتراضية ثمينة في الاتجاه الخاطئ.

تصريحات وتحذيرات من مؤسسات بحثية وعسكرية

هذه المخاوف لا تأتي من منتقدين سياسيين فقط، بل من داخل مجتمع الأمن القومي الأميركي نفسه. تقرير صادر عن RAND Corporation في 2024 حذر من أن بناء درع وطني واسع النطاق فوق الولايات المتحدة “قد يستهلك بين 30 و 45 في المئة من ميزانية تحديث المنظومة النووية الأميركية على مدى جيل كامل”، ما يطرح سؤالًا عن التوازن بين الاستثمار في الردع الهجومي والدفاع الصاروخي.

كما حذر محللون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS من أن برامج مثل GPI و NGI رغم ضرورتها لمواجهة التهديدات الفرط صوتية، ستواجه تحديات كبيرة في الكلفة وسرعة الإنتاج، مشيرين إلى أن “الفجوة بين عدد التهديدات المحتملة وعدد الاعتراضات المتاحة ستبقى قائمة لعقدين على الأقل”.

على الجانب العسكري، تعترف وثائق للبنتاغون بأن الأسلحة الفرط صوتية الروسية والصينية الحالية “تتجاوز في بعض السيناريوهات قدرة أنظمتنا المجربة، ما لم يتم تسريع تطوير جيل جديد من الحساسات والاعتراضات”، وهو ما تحاول القبة الذهبية معالجته، لكن من دون ضمان نجاح كامل.

خاتمة موسعة.. درع باهظ الثمن في زمن الردع المتشابك

مع كل طبقة جديدة تُضاف إلى القبة الذهبية، ومع كل رادار أو قمر صناعي أو صاروخ اعتراضي جديد يدخل الخدمة، تقترب الولايات المتحدة خطوة من بناء ما يشبه “حصانة استراتيجية نسبية” ضد أنواع معينة من الهجمات الصاروخية. لكن في الوقت نفسه يقترب النظام الدولي من حافة سباق تسلح فضائي وصاروخي لم يشهد له مثيل من قبل.

من الناحية التقنية، تبدو القبة الذهبية تتويجًا لعقود من التطوير في مجالات الرادارات ذات الصفيف المرحلي، والصواريخ الاعتراضية ذات القتل بالاصطدام، والإنذار المبكر الفضائي، وأسلحة الطاقة الموجهة. ومن الناحية المالية، تمثل التزامًا طويل الأمد قد تصل فاتورته التراكمية، وفق تقديرات عدة مراكز بحثية أميركية، إلى ما بين 1.7 و 2.6 تريليون دولار خلال 25 عامًا، ما يضعها في مصاف أكبر المشاريع العسكرية في التاريخ الحديث.

أما استراتيجيًا، فالقبة الذهبية قد ترفع عتبة الردع وتجعل أي خصم يعيد حساباته قبل التفكير في توجيه ضربة صاروخية واسعة، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع القوى النووية الكبرى إلى تطوير مزيد من الرؤوس المتعددة والأنظمة المناورة والأسلحة المضادة للأقمار الصناعية لتجاوز هذا الدرع أو إسقاطه. وهنا يتحول السؤال من: هل تستطيع الولايات المتحدة بناء قبة ذهبية؟ إلى سؤال أعمق وأصعب: ما الثمن الذي سيتعين على النظام الدولي كله دفعه مقابل مثل هذا الدرع، في المال… وفي الاستقرار… وفي شكل سباق التسلح في العقود المقبلة؟

 

المصادر:وثائق حكومية أميركية، تقارير بحثية صادرة عن GAO و CRS وCBO وكالة الدفاع الصاروخي MDA، وزارة الحرب الأمريكية،

RAND Corporation ،CSIS – Missile Defense Project، CSBA – Center For Strategic and Budgetary Assessments

Mitchell Institute for Aerospace Studies إضافة إلى بيانات شركات دفاعية كبرى(Lockheed Martin, RTX Collins, Northrop Grumman)

اقرأ أيضاً