نشرت صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ 12 سبتمبر 2025 تقريراً موسعاً تناول مستقبل الدبلوماسية الرقمية والدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل قواعد العمل الدبلوماسي. ووفقاً للبروفيسور كورنيليو بيولا، أستاذ الدبلوماسية الرقمية في جامعة أكسفورد، فإن ما كان يُنظر إليه سابقاً كخيال علمي بات اليوم حقيقة ملموسة، إذ بدأت بعض القنصليات حول العالم بالاعتماد على تقنيات الهولوجرام لتقديم الخدمات القنصلية للمراجعين بدلاً من الموظفين التقليديين.
صعود الدبلوماسية الرقمية
يشير بيولا إلى أن تطور وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي فتح المجال أمام بروز مفهوم الدبلوماسية الرقمية، وهي ممارسة تسمح للدول باستعراض ثقافاتها، الترويج لفرصها الاستثمارية، وبناء علاقات دولية أوسع عبر منصات رقمية متقدمة. ومن بين المفاهيم الجديدة ظهر مصطلح سفير التكنولوجيا، وهو منصب يُعنى بجذب الاستثمارات المباشرة من كبريات الشركات العالمية وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
مراحل التحول
- المرحلة الأولى: مع بداية الألفية الجديدة اعتمدت وزارات الخارجية على المدونات الرسمية والسفارات الافتراضية للتواصل مع الجمهور. وقد عزز هذا التوجه الشفافية وساعد في إدارة الأزمات بسرعة، لكنه كشف أيضاً عن تحديات مثل انتشار الأخبار المضللة.
- المرحلة الثانية: خلال جائحة كورونا تحولت الاجتماعات الدبلوماسية إلى منصات افتراضية مثل Zoom وTeams، ما ساعد على تسريع التنسيق الدولي وتقليص الوقت اللازم للتحضير.
- المرحلة الثالثة: تمثلها الطفرة في الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح عنصراً أساسياً في المفاوضات الدولية وفهم مواقف الأطراف المختلفة عبر التحليل العميق للبيانات، مما وفر أداة فعالة لدعم متخذي القرار.
خدمات قنصلية افتراضية
أكد بيولا أن بعض القنصليات بدأت بالفعل في تجربة “وكلاء دبلوماسيين” يعملون بالذكاء الاصطناعي، مثل الهولوجرامات الذكية التي تقدم خدمات قنصلية شاملة. ويعتبر ذلك بداية لمرحلة قد نشهد فيها سفراء افتراضيين قادرين على التفاعل مع المواطنين على مدار الساعة.
الاقتصاد الرقمي والدبلوماسية
بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum، فإن 70% من القيمة الاقتصادية الجديدة خلال العقد المقبل ستُبنى على نماذج أعمال رقمية تعتمد على المنصات. كما أوضحت مؤسسة نيو أمريكا أن تدفقات البيانات الإلكترونية عبر الحدود ساهمت بـ2.8 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي عام 2023، ومن المتوقع أن تصل إلى 11 تريليون دولار بحلول 2025. هذه الأرقام تؤكد أن الاقتصاد الرقمي تجاوز التجارة التقليدية في السلع وأصبح محركاً رئيسياً للنمو العالمي.
السياحة والميتافيرس
توسعت تطبيقات الدبلوماسية الرقمية لتشمل قطاعات مثل السياحة والثقافة. فدول من بينها السعودية تستثمر في تقنيات الميتافيرس والواقع المعزز لتوفير جولات افتراضية تعرّف العالم بمدنها ومعالمها التاريخية، ما يعزز رغبة الزوار في زيارتها على أرض الواقع. كما أن استخدام تقنيات مثل الواقع الممتد والنظارات الذكية يفتح آفاقاً جديدة للترويج التجاري والثقافي.
تجارب عالمية
على صعيد عالمي، شهدت ألبانيا مؤخراً تجربة غير مسبوقة بإعلانها عن تعيين أول وزيرة افتراضية بالذكاء الاصطناعي لتولي ملف المشتريات العامة ومكافحة الفساد. هذه الخطوة تعكس تحولاً كبيراً في طريقة إدارة الحكومات وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً على أداء أدوار رسمية تتجاوز الدعم الفني والاستشاري.
اقرأ ايضاً… ألبانيا تعين وزيرة افتراضية بالذكاء الاصطناعي لمكافحة الفساد
التحديات والمخاوف
رغم هذه الإنجازات، يحذر الخبراء من تحديات محتملة مرتبطة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في العمل الدبلوماسي، مثل خطر التلاعب بالخوارزميات، تهديد الخصوصية، وإضعاف العنصر الإنساني في المفاوضات. كما أن تفشي المعلومات المضللة عبر المنصات الرقمية يجعل من الضروري بناء أطر قوية للحوكمة والرقابة.
المستقبل: التقنية الكمية
يؤكد بيولا أن التقنية الكمية قد تكون العنصر الحاسم في المرحلة المقبلة، بفضل قدراتها على الحوسبة فائقة السرعة، الاتصالات المشفرة، وحماية البيانات الحساسة. هذه التقنية ستمنح الدول إمكانات جديدة لتعزيز التفاوض الدولي، إجراء تحليلات أكثر عمقاً، وتأمين بنيتها الرقمية بطرق لم تكن ممكنة عبر الأدوات التقليدية.


