الخلفية:

هل بدأت فقاعة إنفاق الذكاء الاصطناعي في الانكشاف داخل الشركات الأميركية؟

بعد عامين من الاندفاع غير المسبوق نحو تبني أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات، بدأت ملامح مرحلة جديدة في الظهور داخل الشركات الأميركية مرحلة لا تتعلق بالحماس أو الابتكار، بل بالفواتير.

تقارير حديثة تشير إلى أن عدداً متزايداً من الشركات الأميركية بدأ يعيد النظر في حجم إنفاقه على أدوات الذكاء الاصطناعي، بعدما تحولت التجارب المفتوحة إلى أعباء مالية ضخمة يصعب تبريرها على مستوى العائد والإنتاجية.

صدمة نصف مليار دولار

بحسب تقرير نشره Axios، كشف مستشار في مجال الذكاء الاصطناعي أن إحدى الشركات تلقت فاتورة تقارب 500 مليون دولار خلال شهر واحد فقط مقابل استخدام أداة Claude، وذلك بعد فشلها في وضع حدود واضحة لتراخيص الموظفين.

هذا الرقم لم يكن مجرد خطأ إداري، بل جرس إنذار. فمع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي المعتمدة على نظام احتساب الرموز أو التوكنات، أصبحت التكلفة ترتفع بشكل غير ملحوظ في البداية، ثم تنفجر فجأة عندما يتضاعف الاستخدام دون رقابة.

المشكلة لا تتعلق بشركة واحدة، بل بثقافة تبني سريعة سبقت آليات الضبط المالي.

مايكروسوفت وأمازون تعيدان الحسابات

في خطوة لافتة، بدأت مايكروسوفت بإلغاء غالبية تراخيص Claude Code الداخلية في قسم Experiences and Devices، المسؤول عن منتجات مثل ويندوز وتيمز وأوتلوك وسيرفس، مع توجيه المطورين للانتقال إلى GitHub Copilot CLI.

التقارير تشير إلى أن الاعتبارات المالية لعبت دوراً رئيسياً في القرار.

أما أمازون، فقد ألغت لوحة ترتيب داخلية كانت تقيس استخدام الذكاء الاصطناعي، بعدما تبين أن الموظفين يرفعون استهلاكهم من التوكنات لتحسين ترتيبهم، في ظاهرة أطلق عليها البعض اسم تعظيم التوكنات. هذه الممارسات رفعت التكاليف دون ارتباط واضح بتحسن الأداء الفعلي.

الإنتاجية ليست واضحة بعد

في مقابلة مع Rapid Response، أقر المدير التنفيذي للعمليات في أوبر أندرو ماكدونالد بأن من الصعب تبرير تصاعد إنفاق الشركة على الذكاء الاصطناعي.

وأشار إلى أن المدير التقني في الشركة استهلك ميزانية Claude Code لعام 2026 بالكامل بحلول شهر أبريل، واصفاً اللحظة بأنها صادمة.

المشكلة، بحسب تعبيره، أن العلاقة بين عدد التوكنات المستخدمة وزيادة الإنتاجية ليست واضحة بعد. من السهل قياس الاستهلاك، لكن من الصعب إثبات أن ذلك يترجم إلى ميزات أفضل أو أسرع للمستخدمين.

الظاهرة انتشرت في وادي السيليكون، حيث يتنافس بعض الموظفين في شركات كبرى على استهلاك أكبر عدد من التوكنات، في سباق يعكس ثقافة استخدام مكثف، لكنه لا يعكس بالضرورة قيمة حقيقية مضافة.

تحذيرات من فقاعة جديدة

يتزامن هذا الإنفاق المتسارع مع تصاعد التحذيرات من احتمال تشكل فقاعة في سوق الذكاء الاصطناعي.

المستثمر مايكل بوري أشار إلى أن السوق يشعر وكأنه في الأشهر الأخيرة من فقاعة عامي 1999 و2000، حيث ترتفع التقييمات استناداً إلى فرضية بسيطة يعتقد الجميع أنهم يفهمونها.

حتى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، أقر بأن بعض المستثمرين متحمسون بشكل مفرط، في تشبيه يعيد إلى الأذهان مرحلة فقاعة الإنترنت.

تقرير من غولدمان ساكس يتوقع أن يرتفع استهلاك التوكنات 24 ضعفاً بحلول عام 2030، ليصل إلى 120 كوادريليون توكن شهرياً، مدفوعاً بتوسع أنظمة الذكاء الاصطناعي الذاتية التنفيذ.

إذا كانت الشركات تواجه صدمة تكاليف اليوم، فإن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر تعقيداً.

ما الذي يحدث فعلياً؟

ما نشهده ليس تراجعاً عن الذكاء الاصطناعي، بل انتقالاً من مرحلة الاندفاع إلى مرحلة الانضباط.

الشركات بدأت تدرك أن تبني الذكاء الاصطناعي دون سياسات حوكمة واضحة وحدود استهلاك دقيقة يمكن أن يحول الأداة إلى بند إنفاق غير قابل للسيطرة.

السؤال لم يعد هل نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف نستخدمه بكفاءة، وكيف نقيس أثره الحقيقي على الإيرادات والإنتاجية.

إن الذكاء الاصطناعي لم يفشل داخل الشركات الأميركية، لكنه بدأ يواجه أول اختبار مالي حقيقي.

في المرحلة القادمة، ستفوز الشركات التي تنجح في ربط الاستهلاك بالقيمة، وتتحول من سباق الاستخدام إلى استراتيجية العائد.

الاندفاع كان سهلاً. لكن الانضباط هو التحدي الحقيقي الآن.

اقرأ أيضاً