على مدار احد عشر عاما منذ استحواذ “غوغل” على شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة “ديب مايند“، تحول المؤسس
“ديميس هاسابيس” من باحث شاب الى “كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي في “ألفابت”، حصد جائزة نوبل في الكيمياء عام 2024، وجنى ملايين الدولارات، بينما بقي العائد التجاري المباشر على الشركة الام اكثر تواضعا بكثير مما كان يتوقعه المستثمرون.
في الوقت الذي تخوض فيه الشركات العالمية سباقا محموما على ريادة الذكاء الاصطناعي، تجد “غوغل” نفسها مهددة بفقدان هيمنتها التاريخية على البحث، بعدما اظهرت “تشات جي بي تي” من “اوبن ايه آي” في عام 2022 ان روبوت محادثة قادر على تقديم المعلومات بسلاسة اكبر من محرك بحث تقليدي. المفارقة ان هذه الثورة اعتمدت على تقنية “ترانسفورمر” التي طورتها فرق بحث داخل “غوغل” نفسها ثم نشرتها بشكل مفتوح.
ومع انتقال المزيد من السيطرة على جهود الذكاء الاصطناعي داخل “ألفابت” الى يد “هاسابيس“، بدأت الشركة تطرح نسخا اكثر تقدما من نماذجها، مثل عائلة “جيميني“، التي عززت قدرات محرك البحث وتصدرت عددا من اختبارات الاداء. كما اطلق فريقه محرر الصور المعتمد على الذكاء الاصطناعي “Nano Banana” الذي جذب حوالي 13 مليون مستخدم جديد لتطبيق “جيميني” خلال اربعة ايام فقط في سبتمبر، ليساهم مع منتجات اخرى في دفع سهم “ألفابت” الى مستوى قياسي هذا الشهر.
مع ذلك، لا يزال كثير من المستثمرين يتساءلون لماذا لم تتحول هذه الريادة البحثية الى تفوق تجاري حاسم في سوق الذكاء الاصطناعي.
فريق يملك كل المواهب ولا يحصد اللقب
المستثمر “جين مونستر”، الشريك الاداري في صندوق “Deepwater Asset Management”، لخّص قلق وول ستريت بقوله:
“انها الصورة الكلاسيكية لفريق يملك كل المواهب لكنه لا يفوز بالبطولة”.
الصندوق الذي يتخذ من مينيابوليس مقرا له باع هذا العام اسهما في “ألفابت” بحوالي 14 مليون دولار، بسبب مخاوف من قدرة الشركة على الحفاظ على مركز قيادي في سوق يتغير بوتيرة سريعة، رغم التقدم الاخير الذي حققته.
من جانبها، دافعت “غوغل” في بيان عن “قيادتها في الذكاء الاصطناعي وتركيزها المستمر على البحث العلمي”، مؤكدة ان من يعرف الصناعة يدرك ان هذه الابحاث تشكل اساس النجاح التقني والتجاري في آن واحد.
لكن خلف هذه اللغة الرسمية، تكشف شهادات موظفين حاليين وسابقين في “ديب مايند” و”غوغل” عن صورة اكثر تعقيدا: عالم لامع يفضل الرهانات العلمية الكبرى والغايات الفلسفية الطويلة المدى على الفرص التجارية القريبة، حتى لو تعارض ذلك احيانا مع مصالح المساهمين.
نوبل قبل نموذج ربحي
اشخاص عملوا مع “هاسابيس” قالوا ان تحقيق الارباح لم يكن ابدا الهدف الاول بالنسبة اليه. وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة، وضع الرجل مبكرا هدفا واضحا امام فريقه في “ديب مايند“:
“انجاز ابحاث من وزن يرشح الشركة للفوز بجائزة نوبل”.
بعد انضمامه الى “غوغل“، تشير روايات من داخل الشركة الى انه عارض مشروعات كان يمكن ان تحقق عوائد مالية معتبرة او تمنح “ألفابت” موطئ قدم اقوى في سباق الذكاء الاصطناعي.
ففي وقت مبكر، وقبل صعود “تشات جي بي تي” الى الواجهة، رفض “هاسابيس” عرضا من “اوبن ايه آي” في عام 2019 لانشاء مشروع مشترك يتعلق بالذكاء الاصطناعي المتقدم، وفق اربعة اشخاص مطلعين على ما جرى بين الطرفين. لاحقا، تفاجأ موظفون عندما لم يعط اولوية كبرى لمشروع تطبيقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التداول المالي، شمل محادثات استكشافية مع عملاق ادارة الاصول “بلاك روك”، قبل ان يتفكك المشروع في النهاية.
هذه التفاصيل، التي لم يسبق نشرها، تضاف الى صورة عالم لا يتحدث كثيرا عن الربح والخسارة في العلن. فهو في مقابلاته يفضل الحديث عن “الكون” و”مستقبل البشرية” و”السفر بين النجوم“، اكثر من الحديث عن الهوامش الربحية او نمو الاعلانات.
رؤية كونية.. وسؤال: لماذا لا نحل كل شيء؟
في بودكاست عام 2022، قال
“هاسابيس”:
“ما حلمت به دائما هو ازدهار البشرية الى اقصى حد، والسفر بين النجوم، والعثور على الكائنات الفضائية اذا كانت موجودة. ومع التقدم الكافي في الذكاء الاصطناعي، يمكننا الوصول الى عالم من الوفرة الجذرية، وعلاج الامراض، وحل كثير من التحديات الكبرى“.
زملاؤه في “ألفابت” يرون فيه الشخص الذي يدفع الشركة دوما الى التفكير على هذا المستوى من الطموح. يقول “جيمس مانييكا”، نائب رئيس اول في “غوغل“:
““دائما ستكون لدى ديميس الرؤية الاكثر طموحا وجنونا لكيفية حل اي مشكلة. رد فعله النمطي هو: لماذا لا نجعل هذا متاحا للجميع؟ لماذا لا نحل كل شيء؟”“.
الرئيس التنفيذي ““ساندار بيتشاي”” اشاد به بعد فوزه بنوبل، وكتب على منصة “اكس” ان الجائزة ليست سوى “بداية لما هو قادم“. داخل الشركة، تم تعيينه ليقود جهود الذكاء الاصطناعي على مستوى المجموعة بعد دمج وحدة “غوغل برين” مع “ديب مايند” في اعقاب نجاح “تشات جي بي تي“، في اعتراف واضح بأن الرهان الاستراتيجي على علمه ورؤيته اهم من امتلاك “بائع قوي” يجيد تسويق المنتجات.
استقلال عن “غوغل”.. وخلافات مكتومة
لكن قصة “هاسابيس” مع “غوغل” ليست قصة انسجام كامل. اشخاص عملوا في “ديب مايند” و”ألفابت” قالوا ان الرجل، البالغ من العمر اليوم 49 عاما، سعى لسنوات الى ابقاء شركته في حالة استقلالية نسبية عن الشركة الام.
بعد استحواذ “غوغل” على “ديب مايند“، قال عشرة اشخاص لرويترز، حاول هو وشريكاه الحد من تدخل الإدارة العليا في عمل الفريق. وبحسب ثلاثة مصادر، سعى في عام 2015، بعد اعادة هيكلة “غوغل” ضمن “ألفابت“، الى تحويل “ديب مايند” الى وحدة مستقلة تابعة للمجموعة، على غرار ما حدث لاحقا مع وحدة السيارات الذاتية “وايمو“. لكن كبار المسؤولين، ومنهم “روث بورات”، التي تشغل حاليا منصب رئيسة “ألفابت” ومديرة الاستثمار فيها، عارضوا الفكرة.
كانوا يرون ان الذكاء الاصطناعي اصل استراتيجي بالغ الحساسية لا يمكن منحه استقلالا كاملا، خاصة وان “ديب مايند” لم يكن له سوى عميل واحد فعليا هو “غوغل” نفسها. في بيانها لرويترز، قالت الشركة ان “ديب مايند” سعت دائما لاختيار البنية الافضل لتحقيق اهدافها، وان هذا يتطور مع الوقت.
هاجس السلامة ومسؤولية من يملك مفاتيح الذكاء الخارق
ضمن النقاش الداخلي والخارجي حول تنظيم الذكاء الاصطناعي، يكثر حديث “هاسابيس” عن السلامة والمخاطر الوجودية المحتملة اذا ما تطورت النماذج الى مرحلة ذكاء يفوق البشر وخرج عن السيطرة. يرى مقربون منه انه يعتبر نفسه، بحكم خلفيته العلمية، الشخص الاقدر على توجيه هذه التقنية بطريقة مسؤولة، وهي رؤية يتشاركها مع منافسين كثر يرون هم ايضا انهم الاكثر اهلية لحمل هذه المسؤولية.
لكن الواقع يذكره دوما بأن منتجات الذكاء الاصطناعي الحالية، بما فيها “جيميني” من “غوغل“، ما زالت تعاني مشكلات سلامة وامن حقيقية. فقد كشفت تقارير سابقة لرويترز ان بعض النماذج في السوق قادرة على خداع المستخدمين او تسهيل عمليات احتيال جماعية عبر صياغة رسائل تصيد احترافية. وفي سبتمبر الماضي، قالت “غوغل” انها طبقت مزيدا من وسائل الحماية بعد ان برهنت تجارب على ان “جيميني” يمكن استخدامه لانتاج رسائل احتيال تستهدف كبار السن.
“عقل واحد يحكم العالم”.. مخاوف “ايلون ماسك”
الطموحات الكونية لهاسابيس اثارت ايضا مخاوف نافذين آخرين. رجل الاعمال “ايلون ماسك”، الذي كان من اوائل المستثمرين في “ديب مايند” قبل استحواذ “غوغل“، كتب في رسالة بريد الكتروني عام 2016 الى قادة “اوبن ايه آي” ان “ديب مايند” تسعى لبناء “عقل واحد يحكم العالم”.
وقال:
““ديب مايند تسبب لي ضغطا نفسيا هائلا. اذا فازوا، سيكون ذلك خبرا سيئا للغاية”“.
لاحقا، اصبح “ماسك” من الداعمين الاوائل لـ”اوبن ايه آي“، ثم اطلق شركته الخاصة “xAI“. هذه الرسالة ظهرت في وثائق دعوى قضائية متبادلة بينه وبين “اوبن ايه آي” حول هيكلها واهدافها.
ارقام المليارات داخل “ألفابت” فقط
البيانات التنظيمية في بريطانيا تظهر ان “ديب مايند” حققت خلال خمس سنوات حتى 2024 ايرادات تراكمية تزيد عن 7.8 مليار دولار. لكن كل هذه الايرادات جاءت من داخل “ألفابت” نفسها، اي مقابل استخدام منصات الشركة الاخرى لتقنيات “ديب مايند“، بما في ذلك كثير من خدمات “جيميني“. لا توجد اي اشارة الى عائدات من عملاء خارجيين.
في المقابل، تشير البيانات الى ان “ديب مايند” انفقت اكثر من 9.6 مليار دولار من رأسمال “غوغل” على النفقات التشغيلية خلال سعي “هاسابيس” لتحقيق هدفه الاكبر: الوصول الى “الذكاء الاصطناعي العام” او AGI، وهي مرحلة تصبح فيها الانظمة الذكية على قدم المساواة مع البشر في القدرات العامة، وربما تتفوق عليهم.
من لاعب شطرنج الى صائد جوائز نوبل
ولد “هاسابيس” في لندن لاب قبرصي وام صينية، واظهر مبكرا نهمه للمعرفة وميلا تنافسيا حادا. اصبح من افضل لاعبي الشطرنج الصغار في بريطانيا، وشارك في بطولات دولية. في سن الحادية عشرة، وبعد خسارته مباراة استمرت ثماني ساعات في ليشتنشتاين، خطرت له فكرة سترافقه لاحقا: ماذا لو امكن توجيه كل هذا الجهد الذهني الهائل الى شيء يتجاوز الالعاب؟
هذا الهاجس دفعه لدراسة الفيزياء واسئلة “نظرية كل شيء“، قبل ان يدخل عالم تطوير العاب الفيديو في شركة “Bullfrog Productions” وهو في السادسة عشرة. شارك في تصميم لعبة “Theme Park” التي حققت نجاحا كبيرا في 1994، وذكرت صحيفة “ذا غارديان” لاحقا انها حققت مبيعات بلغت 80 مليون دولار.
بعد حصوله على درجة في علوم الحاسوب من كامبريدج، اكمل دكتوراه في علم الاعصاب، ثم التقى الباحث “شاين ليغ” في لندن، ليؤسسا معا ما اصبح لاحقا “ديب مايند“.
“ما منتجكم؟”.. “اهم شيء في التاريخ”
لم يكن اقناع المستثمرين سهلا. كان السؤال التقليدي الذي يواجههما:
“ما هو منتجكم؟”.
وكان رد “هاسابيس” كما يذكر في وثائقي عن الشركة:
“هذا سؤال تقليدي ومبتذل. منتجنا هو اهم شيء في التاريخ”.
في 2010، التقيا المستثمر الشهير “بيتر ثيل” في مؤتمر، ونجح “هاسابيس” في لفت انتباهه من خلال حديث عن الشطرنج لمنافسة رواد اعمال آخرين على وقته. وفي اوائل 2011، استثمر صندوقه “Founders Fund” اكثر من 2 مليون دولار في “ديب مايند”. في 2013، جاء دور
“ايلون ماسك” ليستثمر نحو 8 ملايين دولار، كما قال لاحقا، بهدف مراقبة تطور الذكاء الاصطناعي عن قرب.
خلال هذه الفترة، لم يكن لدى “ديب مايند” منتج فعلي او ايرادات. كان لديها خطة عشرية لبناء “عميل” ذكاء اصطناعي بقدرات تعادل قدرات دماغ قارض صغير، وفق خمسة اشخاص مطلعين.
في 2013، حققت الشركة اول اختراق علمي لافت بنشر بحث عن شبكة “Deep Q-Network” القادرة على التفوق على البشر في بعض العاب “اتاري”. لكن الشركة لم تسارع الى تجارية هذه التقنية، بل فضلت التركيز على الابحاث.
صفقة الاستحواذ من “غوغل”.. استقلال تحت المظلة
في يناير 2014، تحركت “غوغل” للاستحواذ على “ديب مايند”. ورغم تردد اولي خشية فقدان الاستقلال، قبل المؤسسون العرض في النهاية. ثلاثة مصادر قالت ان قيمة الصفقة بلغت نحو 650 مليون دولار. وبحصة 21% من الشركة، حصل “هاسابيس” على ثروة شخصية كبيرة.
في وثائقي عام 2024، وصف الصفقة بأنها اتاحت لهم “الانضمام الى غوغل مع الحفاظ على استقلاليتنا في لندن، دون التعامل مع المنتجات، والتركيز على البحث الخالص”.
AlphaGo.. مجد علمي وتوتر داخل الشركة
بعد انضمامه، استخدم “هاسابيس” فريقه لمساعدة “غوغل” في مهام محدودة، مثل خفض استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، وتحسين ادارة الطاقة في نظام “اندرويد“. لكنها لم تخلق خطوط اعمال جديدة.
بالتوازي، كان يجهز لمشروع استعراضي ضخم: تعليم برنامج ذكاء اصطناعي لعب لعبة “غو” الصينية القديمة. هكذا ولد “AlphaGo”، الذي تدرب على مباريات بشرية ثم لعب ضد نفسه ملايين المرات. في 2016، هزم “AlphaGo” بطل العالم الكوري الجنوبي “لي سيدول” في مباراة تاريخية في سيول، بعد ان لعب نقلة بدت للخبراء خطأ فادحا قبل ان يتبين انها عبقرية.
لكن خلف الكواليس، تسبب الحدث في توتر داخل “ألفابت“، بعدما وعد “هاسابيس” بجائزة 1 مليون دولار للفائز دون الحصول على موافقة مسبقة من الادارة المالية، بحسب شخص مطلع. اضطرت “غوغل” لتحويل المبلغ ومنحته لاحقا لجمعيات خيرية، لكن الطريقة ازعجت بعض المسؤولين الذين رأوا فيها تعديا على قواعد الصرف.
من اللعب الى البروتينات.. ومعركة نوبل
واجه “ديب مايند” تساؤلات متزايدة حول جدوى التركيز على الالعاب. وصف احد من تعاملوا مع “هاسابيس” انجازات الشركة بانها “العاب متقنة“، متسائلا: “ماذا يعني ان تكون سيدا في لعبة غو؟ قد يعني الكثير وقد لا يعني شيئا“.
رد “هاسابيس” كان التوسع نحو مجالات ابعد، خاصة الطب. وبحسب ثلاثة مطلعين، طلب من فريقه استهداف مشكلات علمية “من وزن نوبل“. هكذا ولدت جهود “AlphaFold“، البرنامج القادر على توقع شكل البروتينات ثلاثية الابعاد انطلاقا من تسلسل الاحماض الامينية، وهو لغز حير العلماء نصف قرن.
خلال خمس سنوات، تمكن الفريق من تقديم نموذج قلب الموازين في هذا المجال، وتم نشر بياناته لصالح ملايين الباحثين مجانا. في 2024، تقاسم “هاسابيس” وزميله “جون جمبر” الجائزة مع عالم ثالث، ليفوزا بجائزة نوبل في الكيمياء.
للاستفادة من هذا التقدم، اسست “ألفابت” شركة شقيقة باسم “Isomorphic Labs” يقودها ايضا “هاسابيس“، وتركز على استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع تطوير الادوية. الشركة ما زالت في مراحلها المبكرة، ولم تحقق عوائد كبيرة بعد، لكن مؤيديها يرون فيها نموذجا على قدرة الرجل على تحويل العلم البطيء الى فرص تجارية مستقبلية.
مشروع التداول مع “بلاك روك”.. فكرة تختفي بصمت
بالتوازي مع هذه المسارات العلمية، كانت هناك محاولة لاستخدام ذكاء “ديب مايند” في عالم المال. ثلاثة اشخاص قالوا ان الشركة دخلت في 2015 محادثات مع “بلاك روك” حول شراكة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التداول، تحت اسم مبدئي “DeepTick”.
وبحسب ملاحظات اجتماع في لندن في ديسمبر 2015، وصف “هاسابيس” رؤيته امام وفد “بلاك روك” بانها اشبه بـ“برنامج ابولو”، وفق ما نقله احد الحاضرين، موضحا ان المهمة الاولى هي “حل” مسألة الذكاء، ثم “حل كل ما تبقى“. امام هذه الرؤية “السامية” بدت نقاشات الاسواق والارقام لاحقا “سطحية“، كما قال المصدر.
بعد فترة، قررت “ديب مايند” استكمال العمل داخليا دون شريك، وقاد “جو فينتون”، وهو مدير منتج بخلفية في الفيزياء والمالية، فريقا من اكثر من 20 مهندسا وباحثا لبناء نظام يلتهم بيانات مالية حقيقية “مليئة بالضجيج” ويبحث عن استراتيجيات استثمارية.
لكن تعقيد الاسواق المالية كان تحديا كبيرا حتى لهذه الانظمة. في بعض المحاكاة تفوقت الخوارزميات على السوق، لكن اهتمام “هاسابيس” كان موجها الى ملفات اخرى اكبر، بحسب ثلاثة مصادر. وفي النهاية، كما قال احدهم، “تلاشى المشروع بصمت“.
عرض شراكة من “اوبن ايه آي”.. وقرار البقاء وحيدا
حوالي 2019، تقول اربعة مصادر ان قادة “اوبن ايه آي” طرحوا على “هاسابيس” فكرة تعاون غير مسبوقة: اذا اقتربت احدى الشركتين من تحقيق “الذكاء الاصطناعي العام“، تبلغ الاخرى ويتم تنسيق الجهود، بهدف ضمان عدم التضحية بمعايير السلامة.
الاجتماع الذي عقد على العشاء في وادي السيليكون عكس قلقا مشتركا من مخاطر السباق، لكن “هاسابيس” فضّل المضي منفردا، مراهنا على تفوق تقني يعتقد انه يملكه.
فرصة “ترانسفورمر” الضائعة.. وعودة “هاسابيس” الى قلب المنتجات
بينما كانت هذه النقاشات تدور، ظهرت تقنية “ترانسفورمر” التي طورها باحثون في “غوغل برين“، ونشرت في ورقة علمية عام 2017. بدلا من بناء منتج تجاري مبكر عليها، فضلت “غوغل” نشر البحث كاملا. استخدمت “اوبن ايه آي” هذه البنية في تطوير النسخ الاولى من “جي بي تي“، وصولا الى “تشات جي بي تي” في 2022، الذي فاجأ العالم و”غوغل” معا.
بعد هذا الحدث المفصلي، قرر “ساندار بيتشاي” دمج “غوغل برين” مع “ديب مايند” تحت اسم “Google DeepMind“، وجعل “هاسابيس” مسؤولا اول عن الذكاء الاصطناعي في المجموعة.
منذ ذلك الحين، اظهر التزاما اكبر بتسريع طرح المنتجات، مثل محرر الصور “Nano Banana” الذي ذكرته الشركة كمثال على نجاح تجاري سريع، اذ قاد الى 5 مليارات طلب صور عبر “جيميني” في وقت قصير.
في فعالية في سويسرا هذا العام، قال “هاسابيس” ان “Isomorphic Labs” ستدخل اول ادوية صممت بالكامل بالذكاء الاصطناعي الى التجارب السريرية قبل نهاية 2025، مع تركيز مبدئي على الاورام السرطانية.
نحو “مساعد كوني”.. مشروع AlphaAssist و”ايرون مان”
من بين المشاريع الاكثر طموحا التي يعمل عليها “هاسابيس” وفريقه حاليا، مشروع يعرف داخليا باسم “AlphaAssist”، بحسب خمسة اشخاص مطلعين، وهو ما قدم للجمهور بشكل اولي تحت مسمى “Project Astra“.
الرؤية تقوم على بناء “مساعد كوني شامل”، يفهم السياق الانساني اليومي بعمق كاف ليقدم توصيات شخصية تعزز الانتاجية والرفاه معا، ويتجاوز حدود المساعدين الرقميين الحاليين مثل الرد على الاسئلة البسيطة فقط.
يتخيل “هاسابيس” هذا المساعد اشبه بشخصيات الخيال العلمي، مثل النظام الذكي “J.A.R.V.I.S” من سلسلة أفلام “Iron Man”، القادر على الفهم والتخطيط والتنفيذ، وليس مجرد محرك بحث صوتي. الفكرة ان يصبح قادرا على تنفيذ مهام معقدة دون الوقوع في اخطاء بسيطة، مع مراعاة معايير امان صارمة.
بين العلم والتجارة.. توازن صعب داخل “ألفابت”
تقدم رويترز هذا الاستقصاء في لحظة تواجه فيها “ألفابت” ضغوطا قانونية ومنافسة غير مسبوقة. فقد خلص قاض اتحادي اميركي في ابريل الى ان “غوغل” تهيمن بشكل غير قانوني على جزء من سوق تقنيات الاعلان. كما تتعرض الشركة لفحص من سلطات مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة واوروبا.
في الوقت نفسه، تظهر منافسة جديدة من “اوبن ايه آي“، التي كشفت الشهر الماضي عن متصفح “ChatGPT Atlas” في تحد مباشر لمتصفح “كروم“.
بين هذه الضغوط، يمثل “ديميس هاسابيس” معضلة داخلية: فهو العالم الذي يريد “حل كل شيء” عبر ذكاء اصطناعي عام، ولو بعد عقود، بينما يريد المستثمرون رؤية عوائد ملموسة اليوم. وبين الرغبتين تحاول “غوغل” الموازنة، وهي تدرك ان من دون طموح كبير لن تحافظ على ريادتها، لكن من دون انضباط تجاري لن ترضي السوق.
حتى الآن، تبدو الكفة مائلة لصالح العلم والبحث طويل المدى في عقل “هاسابيس“، الرجل الذي لا يزال يرى في الذكاء الاصطناعي
““اهم شيء في التاريخ”“، وفي ارباح اليوم مجرد تفصيل في رحلة اطول بكثير نحو فهم الكون نفسه.
المصدر: رويترز


