شهدت واشنطن يوم الأربعاء كشف اثنين من أبرز أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، عن مشروع قانون جديد يستهدف معالجة ما بات يُنظر إليه باعتباره واحدة من أكبر الثغرات في منظومة الرقابة على تصدير التكنولوجيا الحساسة: منح تراخيص تصدير تمنح ميزة احتكارية لشركات أميركية محددة على حساب منافسيها.
هذا التحرك التشريعي يأتي وسط تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، وبعد أشهر من الجدل الذي أثارته وزارة التجارة الأميركية عندما منحت شركات مثل Intel وQualcomm تراخيص خاصة لتزويد شركة هواوي الصينية برقاقات إلكترونية، بينما لم يحصل منافسوهم، ومنهم AMD وMediaTek، على تراخيص مماثلة رغم تقديم طلبات مشابهة.
وقالت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن وزميلها الجمهوري ريك سكوت، اللذان يقفان خلف مشروع القانون، إن الغرض من هذه الخطوة هو حماية مبدأ تكافؤ الفرص داخل السوق الأميركية ومنع ظهور امتيازات تجارية غير مبررة تمسّ العدالة التنافسية وتحمل مخاطر أمنية.
أزمة الهواوي… شرارة الأزمة التشريعية
اندلعت الأزمة حينما اتهمت شركات أميركية وزارة التجارة بإصدار تراخيص تفضيلية تمنح بعض الشركات الأميركية حق البيع إلى هواوي، بينما حُجبت التراخيص عن شركات أخرى تعمل في السوق نفسها. وقد أثار هذا الوضع استياءً واسعاً، نظراً لأن تراخيص كهذه تمنح شركة ما قدرة حصرية على الوصول إلى سوق ضخم ومكاسب مالية كبيرة.
ورغم أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن قررت لاحقاً إلغاء تراخيص Intel وQualcomm، إلا أن الضرر السياسي كان قد وقع بالفعل، وأعاد الجدل حول كيفية اتخاذ قرارات بهذه الحساسية ودون مراجعة تنافسية واضحة.
ونصّ مشروع القانون على أن “التراخيص الاحتكارية يمكن أن تؤدي إلى اختلالات خطيرة في السوق، وزيادة الهشاشة الاقتصادية والأمنية، والإضرار بمبدأ العدالة في نظام التصدير”.
ما الذي يغيّره مشروع القانون الجديد؟
إذا تم إقراره، سيفرض مشروع القانون على وزارة التجارة الأميركية القيام بما يسمى مراجعة السوق التنافسية قبل الموافقة على أي ترخيص تصدير جديد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعملاء أجانب خاضعين لرقابة الأمن القومي.
وستتطلب المراجعة:
- تقييم ما إذا كان منح الترخيص سيجعل الشركة الأميركية صاحبة الطلب الشركة الوحيدة المخولة لبيع منتج محدد لعميل معين.
- دراسة ما إذا كانت شركات أميركية أخرى قدمت بالفعل طلبات مماثلة أو لديها القدرة التقنية على تقديم المنتج نفسه.
- منع إصدار أي ترخيص في حال كان ذلك سيخلق حالة احتكارية داخلية أو خارجية.
بمعنى آخر: لن يسمح لأي شركة بأن تصبح المورد الوحيد لجهة أجنبية لمجرد أنها تقدمت بطلب أولاً.
تأثيرات واسعة على قطاع أشباه الموصلات
من المتوقع أن يكون لهذا التشريع تأثير مباشر على قطاع أشباه الموصلات، الذي يمثل محور التنافس التكنولوجي بين واشنطن وبكين. فالشركات الأميركية تعتمد بشكل كبير على أسواق خارجية، خصوصاً تلك التي تتطلب تراخيص تصدير مثل الصين.
إذا تم تمرير القانون:
- قد يصبح الحصول على تراخيص التصدير أكثر طولاً وتعقيداً.
- ستزداد شفافية معايير منح التراخيص.
- ستتناقص حالات تشكّل “مورد واحد” لأسواق حساسة.
- ستتقلص احتمالات التمييز بين الشركات الأميركية نفسها.
ويرى خبراء أن هذه الخطوة قد تحد من أرباح بعض الشركات على المدى القصير، لكنها قد تقوي سمعة السوق الأميركية كبيئة عادلة ومستقرة.
رد وزارة التجارة… صمت رسمي
حتى لحظة نشر الخبر، لم تصدر وزارة التجارة الأميركية أي تعليق رسمي بشأن مشروع القانون، رغم ما أثارته الخطوة من اهتمام إعلامي واسع، خصوصاً في ضوء حساسية العلاقة بين واشنطن وبكين واستمرار الولايات المتحدة في تشديد ضوابط تصدير التكنولوجيا عالية التقنية.
يشكل مشروع القانون الجديد محاولة لإعادة ضبط واحدة من أكثر الأدوات حساسية في السياسة التجارية الأميركية: تراخيص تصدير التكنولوجيا المتقدمة. فبينما يواصل المشرعون الضغط لحماية الأمن القومي ومنع وصول التكنولوجيا الحساسة إلى كيانات أجنبية، يسعى المشروع أيضاً إلى حماية الشركات الأميركية من تمييز غير مبرر قد يمنح بعض المنافسين أفضلية ضخمة.
وبينما تستمر المنافسة الأميركية الصينية في التصاعد، يبدو أن إعادة تشكيل نظام التصدير الأميركي سيبقى محوراً رئيسياً للسياسة الصناعية في الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.
المصدر: رويترز

