الخلفية:

بالانتير تقاضي مهندسين سابقين أسسوا شركة ذكاء اصطناعي منافسة

رفعت شركة بالانتير تكنولوجيز (Palantir Technologies)، الرائدة في مجال تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، دعوى قضائية موسعة أمام المحكمة الفيدرالية في مانهاتن ضد اثنين من كبار مهندسيها السابقين، متهمة إياهما بانتهاك اتفاقيات السرية واستخدام معلومات داخلية لتأسيس شركة منافسة تحمل اسم Percepta AI. وتأتي هذه القضية في وقت بالغ الحساسية لصناعة الذكاء الاصطناعي، حيث تتسارع وتيرة التطوير وتحتدم المنافسة بين الشركات العملاقة والمبتكرين المستقلين الذين يسعون إلى اقتطاع حصة من السوق.

خلفية الدعوى وأهمية القضية في القطاع التكنولوجي

تُعد بالانتير من أبرز مزودي حلول الذكاء الاصطناعي للحكومات والمؤسسات الأمنية حول العالم، إذ تعتمد عليها وكالات الدفاع والاستخبارات في تحليل البيانات الحساسة ومراقبة المخاطر. وبحسب الدعوى القضائية، فإن المهندسين رادا جاين وجوانا كوهين عملا لسنوات على تطوير خوارزميات تحليل متقدمة تستخدمها بالانتير ضمن أنظمتها الخاصة بإدارة البيانات الضخمة (Big Data). وتشير الدعوى إلى أنهما استغلا وصولهما إلى الشيفرة المصدرية الأساسية وملفات التصميم الداخلي وقواعد بيانات العملاء من أجل تطوير منصة منافسة تمتلك وظائف مشابهة تحت مظلة شركة Percepta AI التي تم تأسيسها في عام 2025.

وتؤكد بالانتير أن هذا الانتهاك يرقى إلى سرقة ملكية فكرية على نطاق واسع، وأن المتهمتين نقلتا تقنيات داخلية تم تطويرها على مدار أكثر من عقد بتمويل حكومي ضخم. وتشير مصادر مطلعة إلى أن بعض الأكواد التي تم العثور عليها في أنظمة Percepta تتطابق بنسبة تتجاوز 60% مع مكتبات برمجية داخلية لبالانتير، ما اعتبرته الشركة دليلاً قاطعاً على استخدام غير مشروع لأصولها التكنولوجية.

تفاصيل الانتهاك وهيكل الشركة الجديدة

بحسب وثائق المحكمة، استقالت رادا جاين من بالانتير في نوفمبر 2024 بعد مشاركتها في تصميم أنظمة تحليل تعتمد على الذكاء الاصطناعي، فيما غادرت جوانا كوهين الشركة في فبراير 2025 عقب عملها على مشاريع موجهة للعملاء في القطاعات الدفاعية والطبية. وبعد أشهر قليلة فقط، أُعلن عن تأسيس Percepta AI بتمويل من صندوق الاستثمار المعروف جنرال كاتاليست (General Catalyst).

توظف Percepta حالياً أكثر من 40 موظفاً، من بينهم ما لا يقل عن 10 موظفين سابقين في بالانتير، ونحو نصف فريقها الحالي من خريجي الشركة نفسها، بمن فيهم المؤسس والرئيس التنفيذي هيرش جاين، شقيق رادا جاين. ويشير هذا إلى وجود شبكة علاقات داخلية أسهمت في تسهيل نقل الخبرات والأنظمة الأساسية من الشركة الأم إلى المشروع الجديد.

البنود القانونية والادعاءات الأساسية

تستند الدعوى إلى اتفاقيات سرية صارمة وقّعها جميع موظفي بالانتير، تنص على منع المنافسة لمدة عام بعد مغادرة الشركة وحظر التواصل مع موظفيها أو عملائها لمدة عامين. كما تحظر الاتفاقيات أي استخدام أو تعديل أو مشاركة لبرامج الشركة أو رموزها البرمجية أو بياناتها المملوكة. وتطالب بالانتير المحكمة بإصدار أوامر قضائية فورية تمنع Percepta من استخدام أي برامج مشابهة لمنتجاتها، بالإضافة إلى تعويضات مالية قد تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات نظراً لحجم الأضرار المحتملة.

وتُظهر الوثائق أن الشركة جمعت أدلة تقنية من خلال مراجعة عميقة لأنظمة Percepta كشفت عن تشابهات معمارية في الواجهات البرمجية (APIs) وخطوط الكود الأساسية، الأمر الذي يعزز حججها أمام المحكمة الفيدرالية.

ردود الأفعال والمواقف الرسمية

لم تصدر كل من Percepta AI أو صندوق جنرال كاتاليست أي بيانات رسمية حتى الآن، بينما امتنعت رادا جاين وجوانا كوهين عن التعليق الإعلامي. ومع ذلك، نقلت مصادر في وادي السيليكون عن مقربين من Percepta أن الشركة الجديدة “تعمل وفق نهج مستقل” وأن منتجاتها “مبنية بالكامل من الصفر دون استخدام أي أكواد خارجية”. إلا أن محللين قانونيين أكدوا أن القضية قد تشكل سابقة مهمة في نزاعات الملكية الفكرية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً في ظل غياب تشريعات دولية واضحة تنظم ملكية الأكواد والنماذج التدريبية.

تأثيرات أوسع على صناعة الذكاء الاصطناعي

يرى خبراء الصناعة أن هذه الدعوى تمثل جرس إنذار للشركات الكبرى التي تعتمد على فرق هندسية ضخمة لتطوير أنظمتها. ومع تزايد الطلب على المهندسين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، أصبحت حركة انتقال الكفاءات بين الشركات تمثل خطراً متزايداً على حماية الابتكار. ويخشى العديد من التنفيذيين من أن تتسبب مثل هذه القضايا في تباطؤ التعاون بين الشركات الناشئة والعمالقة التقنيين خوفاً من الملاحقة القضائية أو الاتهام بسرقة الملكية الفكرية.

ويرجح محللون أن تؤدي هذه القضية إلى دفع الشركات نحو تعزيز البنى الأمنية الداخلية وتطبيق تقنيات مراقبة تعتمد على الذكاء الاصطناعي نفسها لرصد الأنشطة المشبوهة في الوصول إلى الشيفرات المصدرية أو نسخ البيانات الحساسة. كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام نقاشات موسعة داخل الكونغرس الأميركي حول تحديث قوانين حماية الابتكار في ظل الثورة التقنية الجارية.

البعد الأخلاقي والتقني للقضية

تسلط القضية الضوء على التحدي الأخلاقي في صناعة الذكاء الاصطناعي: كيف يمكن حماية الابتكار دون خنق حرية الإبداع؟ فبينما ترى الشركات أن بياناتها وخوارزمياتها هي رأس مالها الحقيقي، يعتبر المهندسون أن مهاراتهم وخبراتهم المكتسبة جزء من قدراتهم الشخصية التي لا يمكن تقييدها. ويقول بعض المراقبين إن هذه المواجهة بين حقوق الشركات وحرية العقول المبدعة ستكون سمة دائمة في العقد القادم مع تصاعد أهمية الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي.

القضية بين بالانتير ومهندسيها السابقين تتجاوز مجرد نزاع تجاري؛ فهي تكشف عن صراع أعمق بين الأمان التكنولوجي والابتكار المفتوح. وإذا إنتصرت بالانتير، فقد يؤدي الحكم إلى وضع معايير قانونية جديدة تحد من قدرة المهندسين على نقل خبراتهم بين الشركات. أما إذا خسرت، فسيكون ذلك إشارة قوية على أن صناعة الذكاء الاصطناعي تتجه نحو مزيد من الانفتاح والمنافسة الحرة التي قد تعيد تشكيل خريطة وادي السيليكون بالكامل.

المصدر: رويترز

اقرأ أيضاً