يشهد قطاع التكنولوجيا العالمي موجة استثمارات غير مسبوقة، إذ تتسارع الشركات الكبرى في ضخ المليارات لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي دون أي مؤشرات على التباطؤ، رغم التحذيرات المتكررة من احتمال تشكل فقاعة استثمارية قد تذكر بفقاعة الإنترنت في مطلع الألفية.
فقد أصبحت إنفيديا (Nvidia) أول شركة في التاريخ تتجاوز قيمة سوقية قدرها 5 تريليونات دولار، لتترسخ مكانتها كالمحرك الأساسي للثورة التكنولوجية القائمة على المعالجات المتقدمة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي. في الوقت نفسه، أبرمت مايكروسوفت (Microsoft) اتفاقًا جديدًا مع OpenAI يتيح للأخيرة حرية جمع التمويل من دون قيود، مما يمهد الطريق لطرحٍ عام أولي قد تصل قيمته إلى تريليون دولار.
وفي سياق متصل، أعلنت أمازون (Amazon) عن تسريح 14 ألف موظف في إطار إعادة هيكلة داخلية، رغم أن قسم الحوسبة السحابية لديها حقق أفضل أداء له منذ ثلاث سنوات. ويشير محللون إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى توجيه المزيد من الموارد نحو مشاريع الذكاء الاصطناعي التي تستهلك نفقات هائلة في مراكز البيانات والطاقة والمعالجات المتقدمة.
تريليونات الدولارات في الطريق
تتوقع غولدمان ساكس أن يتراوح الإنفاق العالمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بين 3 و4 تريليونات دولار بحلول عام 2030، مع إنفاق جماعي متوقع للشركات الأربع الكبرىى مايكروسوفت، أمازون، ميتا، وألفابت, يبلغ 350 مليار دولار خلال عام 2025 وحده.
وفي مؤشر على امتداد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى القطاعات الصناعية، أشارت أكثر من 100 شركة عالمية في مكالمات أرباحها إلى مشاريع مرتبطة بمراكز البيانات، من بينها هونيويل (Honeywell) وكاتربيلر (Caterpillar) وجي إي فيرنوفا (GE Vernova). وحققت كاتربيلر ارتفاعًا بنسبة 31% في مبيعات قسم الطاقة الخاص بمراكز البيانات خلال الربع الأخير، وهو رقم يعكس الطلب المتزايد على المعدات الثقيلة اللازمة لتغذية هذا التوسع العالمي.
قال جوزيف كريد، الرئيس التنفيذي لشركة كاتربيلر، إن الطلب على حلول الطاقة المخصصة لمراكز البيانات أصبح محركًا رئيسيًا لأعمال الشركة في العامين الماضيين. وأضاف أن النمو الحالي يمثل “فرصة تحول تاريخي في البنية التحتية للطاقة العالمية”.
توسع يتجاوز التكنولوجيا إلى الاقتصاد الكلي
تشير البيانات إلى أن موجة الذكاء الاصطناعي باتت تتغلغل في قطاعات جديدة مثل الطاقة، والصناعات الثقيلة، وتقنيات التبريد المتقدمة، التي أصبحت ضرورية للحفاظ على استقرار تشغيل مراكز البيانات العملاقة. وتقول أياكو يوشيوكا، مديرة المحافظ في Wealth Enhancement Group، إن “المستثمرين اليوم لا ينظرون إلى شركات التكنولوجيا الكبرى فقط، بل إلى النظام البيئي الكامل الذي يدعم الذكاء الاصطناعي من الطاقة إلى التوريد وحتى المعالجات الحرارية.”
ووفقًا لبيانات أوكسفورد إيكونوميكس، فإن 60% من الإنفاق الرأسمالي الأميركي على مراكز البيانات يُنفق على معدات مستوردة، أغلبها من تايوان وكوريا الجنوبية وفيتنام، ما يجعل سلسلة الإمداد العالمية عاملاً حاسمًا في استمرار التوسع. وتؤكد هذه الأرقام أن الذكاء الاصطناعي أصبح قطاعًا يتجاوز الحدود التقنية ليشكل ركيزة جديدة في الاقتصاد العالمي.
قلق متزايد من المبالغة في التقييم
منذ إطلاق ChatGPT في عام 2022، ارتفعت القيمة السوقية للأسهم العالمية بنسبة 46%، أي ما يعادل 46 تريليون دولار، وجاء ثلث هذا النمو من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وفق بيانات Bespoke Investment Group. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن دورة استبدال الرقائق تتسارع بشكل كبير، إذ أصبحت الشركات تضطر إلى تحديث أصولها كل خمس سنوات أو أقل، ما يرفع التكلفة الإجمالية ويقلل فترة استرداد العائدات.
أظهرت تحليلات رويترز أن نسب المبيعات إلى النفقات الرأسمالية لدى عمالقة التكنولوجيا تراجعت بشكل ملحوظ في عام 2025، مما يعكس فجوة متزايدة بين وتيرة الإنفاق والعائد المالي الفعلي. وقالت إيمي هود، المديرة المالية لمايكروسوفت: “كنا نظن أننا سنلحق بالطلب، لكننا لم نفعل. الطلب على الذكاء الاصطناعي ما زال يفوق قدرتنا على مواكبته.”
تمويل ضخم وسباق غير مسبوق على البنية التحتية
بدأت شركات كبرى باللجوء إلى سوق السندات لتأمين تمويل مشاريعها العملاقة. فقد باعت أوراكل (Oracle) سندات بقيمة 18 مليار دولار الشهر الماضي، بينما تخطط ميتا (Meta) لطرح سندات تصل إلى 30 مليار دولار في أكبر إصدار في تاريخها، مما أدى إلى هبوط أسهمها بنسبة 11% فور الإعلان. في المقابل، تنفق مايكروسوفت أكثر من 35 مليار دولار في الربع الواحد على النفقات الرأسمالية المرتبطة بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
ويقول خبراء الاقتصاد إن دورة الذكاء الاصطناعي لا تزال في بدايتها، إذ تمثل الاستثمارات الحالية أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، مقارنة بذروات تاريخية تراوحت بين 2% و5% خلال فترات التحول الكبرى مثل الكهرباء والإنترنت. ويؤكد نيك إيفانز من Polar Capital Technology Trust: “نحن في المراحل الأولى من ثورة الذكاء الاصطناعي، وسرعة الابتكار فيها هي الأسرع منذ عقود.”
في المحصلة، يرى المستثمرون أن سباق الذكاء الاصطناعي العالمي يشبه سباق التسلح الاقتصادي الجديد، حيث تتنافس الدول والشركات لتأمين الموارد والطاقة والمعالجات التي ستشكل مستقبل الاقتصاد الرقمي. ومع أن بعض الأصوات تحذر من تضخم القيم السوقية بشكل مفرط، إلا أن الواقع يشير إلى أن عصر الذكاء الاصطناعي لم يبدأ بعد في بلوغ ذروته.
المصدر: رويترز


