تشهد واشنطن خلال الأسابيع الأخيرة حالة من إعادة التقييم داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن واحدة من أبرز أدواته الاقتصادية المرتبطة بالأمن القومي، وهي الرسوم الجمركية الضخمة على واردات أشباه الموصلات. وبحسب مصادر واسعة الاطلاع تحدثت إلى وكالة رويترز، فإن البيت الأبيض ألمح إلى الجهات الحكومية والصناعية بأن هذه الرسوم التي كان مخططاً الإعلان عنها قريباً قد تتأخر، رغم كونها جزءاً أساسياً من خطاب ترامب الاقتصادي منذ حملته الانتخابية.
وقالت أربعة مصادر مطلعة إن مسؤولين أميركيين تواصلوا خلال الأيام الماضية مع جهات في القطاعين العام والخاص، وأبلغوها بأن فرض رسوم تصل إلى 100% على رقائق أشباه الموصلات قد لا يتم قريباً، في تراجع غير معلن عن رسائل سابقة كانت تشير إلى إطلاقها خلال أشهر. وأوضح مصدر رابع أن الإدارة تتصرف حالياً بـ”حذر استراتيجي” لتجنب استفزاز الصين والدخول في مواجهة تجارية شاملة جديدة قد تهدد الإمدادات الحيوية للمعادن النادرة والمكونات الدقيقة التي تعتمد عليها الصناعات الأميركية المتقدمة.
المصادر شددت على أن أي قرار نهائي لم يُتخذ بعد، وأن الإدارة تترك الباب مفتوحاً لفرض رسوم ضخمة «ثلاثية الأرقام» في أي وقت إذا اقتضت الحسابات الأمنية أو السياسية ذلك. لكن التغيير الملحوظ هو انتقال الرسائل الرسمية من وعد بالإعلان القريب إلى محادثات داخلية معمقة حول التوقيت والسيناريوهات المحتملة.
تصريحات رسمية تنفي التغيير… لكن دون تحديد التوقيت
عند سؤال مسؤول في البيت الأبيض وآخر في وزارة التجارة عن تلك الأنباء، نفيا حدوث أي تحول رسمي في السياسة. وقال مسؤول البيت الأبيض نصاً: “هذا غير صحيح”، مضيفاً أن الإدارة “لا تزال ملتزمة بإعادة توطين الصناعات الحيوية لأمننا القومي والاقتصادي داخل الولايات المتحدة”، دون تقديم أي جدول زمني.
أما مسؤول وزارة التجارة فأكد:
“لا تغيير في سياسة الوزارة بشأن رسوم أشباه الموصلات بموجب المادة 232”
وهي المادة التي تستند إليها الإدارة في فرض قيود تجارية على الواردات التي تعتبر مؤثرة على الأمن القومي. ومع ذلك فإن غياب المواعيد المحددة أو أي تفاصيل جديدة حول مستوى الرسوم وحجم المنتجات المشمولة يعزز الانطباع بأن القرار ما زال قيد المراجعة.
مخاوف من ارتفاع الأسعار الأميركية قبل موسم العطلات
يأتي ذلك في لحظة اقتصادية دقيقة، إذ يواجه ترامب ضغوطاً متزايدة من المستهلكين القلقين من ارتفاع الأسعار في موسم العطلات. فالرسوم الجمركية على أشباه الموصلات ستؤدي – بشكل مباشر – إلى زيادة تكلفة الأجهزة الإلكترونية التي تحتوي على شرائح، مثل:
- الهواتف الذكية
- الحواسيب المحمولة
- الشاشات
- الأجهزة المنزلية الذكية
- السيارات وأنظمة القيادة المتقدمة
وكانت رويترز قد كشفت في سبتمبر عن دراسة أميركية لفرض رسوم إضافية على الأجهزة الإلكترونية المستوردة بناءً على العدد الفعلي للرقائق الموجودة بداخلها، وهو توجه غير مسبوق من شأنه رفع أسعار المنتجات ذات الكثافة العالية من الشرائح.
وفي خطوة لاحتواء الغضب الشعبي، قام ترامب الأسبوع الماضي بخفض الرسوم على أكثر من 200 صنف من المنتجات الغذائية، مؤكداً أن الضرائب التي فرضها لم يكن لها “أي مساهمة كبيرة” في التضخم. لكن غياب بيانات رسمية حديثة – بسبب الإغلاق الحكومي الذي عطّل أعمال المكاتب الإحصائية – يقلل من قدرة الإدارة على قراءة رد فعل السوق بشكل دقيق.
الحفاظ على هدنة تجارية هشة مع الصين
تأجيل الرسوم المحتمل يعكس أيضاً رغبة ترامب في الحفاظ على التهدئة التجارية التي تم التوصل إليها الشهر الماضي مع الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال اجتماعهما في مدينة بوسان على هامش قمة APEC. فقد اتفق الطرفان حينها على «تجميد» الخلافات التجارية والتركيز على ملفات أخرى.
ومع ذلك، تشير مصادر رويترز إلى أن مسؤولين أميركيين أبلغوا نظراءهم الصينيين بأن الولايات المتحدة قد تتخذ خلال الأشهر المقبلة خطوات «مرتبطة بالأمن القومي» في مجالات حساسة، خصوصاً أشباه الموصلات، وقد لا تنال رضا بكين.
خلفية أمنية… وتحقيقات تأسيسية لفرض الرسوم
في أبريل الماضي، فتحت إدارة ترامب تحقيقات رسمية حول واردات الأدوية وأشباه الموصلات باعتبار أن الاعتماد على الإنتاج الأجنبي يمثل “تهديداً للأمن القومي”. وتوفر هذه التحقيقات الأساس القانوني لفرض رسوم إضافية واسعة على الواردات، بهدف حماية سلاسل الإمداد الحيوية في حالات الطوارئ.
صناعة الشرائح… القلب النابض للاقتصاد الأميركي
أشباه الموصلات تُعد العمود الفقري لمعظم الصناعات المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات إلى الصناعات الدفاعية والطيران وأنظمة التوجيه الصاروخي والسيارات الكهربائية ذاتية القيادة. لذلك فإن أي اضطراب في وارداتها أو زيادة في تكلفتها يمكن أن ينعكس على الاقتصاد الأميركي بالكامل.
ويرى خبراء أن التردد الحالي يعكس إدراك الإدارة بأن الرسوم قد تعطل مشاريع بناء مصانع رقائق جديدة في الولايات المتحدة، وهي مشاريع تعتمد على حوافز مالية ضخمة ضمن برنامج CHIPS Act الذي أقرته واشنطن لدعم التصنيع المحلي.
تشير تفاصيل التحقيق الذي أجرته “رويترز” إلى أن خطة رسوم أشباه الموصلات لدى إدارة دونالد ترامب ما زالت قائمة، لكنها دخلت مرحلة إعادة تقييم دقيقة تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي، ومخاوف الفوضى التجارية مع الصين، وضغوط الأسعار الداخلية، إضافة إلى ملف سلاسل الإمداد التكنولوجية التي تُعد أساس المنافسة في الاقتصاد العالمي الحديث.
المصدر: رويترز


