الخلفية:

سطح ذكي من الجيل السادس… الصين تربط 6G بالمقاتلات الشبحية

تكشف أبحاث صينية حديثة عن مسار تكنولوجي غير تقليدي يربط بين اتصالات الجيل السادس 6G والحرب الجوية المستقبلية، عبر تطوير أسطح كهرومغناطيسية ذكية قادرة على تحويل إشارات الرادار المعادية إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام، بدلا من التعامل معها كتهديد يجب تفاديه أو تشويشه فقط. ويعكس هذا التوجه انتقالا من منطق الدفاع السلبي إلى منطق إعادة توظيف المجال الكهرومغناطيسي نفسه كعنصر فاعل في منظومة القتال.

ويتزامن هذا التقدم البحثي مع تسارع برامج المقاتلات الصينية من الجيل السادس المعروفة باسم J-36 وJ-50، ما يشير إلى محاولة صينية لدمج الاتصالات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والتخفي، وإدارة المجال الكهرومغناطيسي ضمن منظومة واحدة متكاملة للسيطرة الجوية، لا تقوم على منصة واحدة معزولة بل على شبكة مترابطة من الطائرات والمستشعرات والأنظمة المساندة.

هذا التقاطع بين الاتصالات والقدرات القتالية يعكس تحولا عميقا في العقيدة التقنية لبكين، حيث لم يعد التفوق الجوي مرتبطا فقط بمنصات أسرع أو أكثر تخفيا، بل بقدرة النظام ككل على إعادة تشكيل البيئة الكهرومغناطيسية المحيطة بساحة المعركة. في هذا السياق، تتحول إشارات الرادار والاتصالات المعادية من أدوات كشف وتهديد إلى موارد تشغيلية يمكن استغلالها في التغذية بالطاقة، أو في تعزيز الوعي الظرفي، أو في دعم الاتصال الشبكي بين المنصات.

ويشير هذا النهج إلى فهم متقدم لطبيعة الصراع الجوي المستقبلي، حيث تصبح السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي شرطا أساسيا للسيطرة الجوية، وحيث يتداخل دور الاتصالات مع الاستشعار والحرب الإلكترونية والطاقة في إطار واحد يصعب فصله أو التعامل معه كأنظمة مستقلة.

سطح كهرومغناطيسي ذكي يحصد الطاقة من الرادار

بحسب ورقة بحثية نُشرت على منصة ResearchGate، طور باحثون في الصين ما يعرف بـ Reconfigurable Intelligent Surface (RIS – سطح ذكي قابل لإعادة التشكيل)، وهو مادة ثنائية الأبعاد مصممة للتحكم بالموجات الكهرومغناطيسية في الزمن الحقيقي. ويتميز هذا السطح بقدرته على تعديل اتجاه الموجات وانعكاسها وطورها، بما يسمح بإعادة توجيه الإشارات أو تشتيتها أو امتصاصها وفقا لمتطلبات النظام.

الميزة الأكثر لفتا للانتباه في هذا التطوير أن السطح لا يكتفي بإدارة الإشارات، بل يحول الطاقة الكامنة في الموجات المحيطة، بما في ذلك إشارات الرادار المعادية أو البث الكهرومغناطيسي البيئي، إلى طاقة كهربائية. وبهذا يتحول الرادار الذي صمم أصلا لاكتشاف الهدف إلى مصدر تغذية محتمل للمنصة المستهدفة.

هذا المفهوم يلغي الحاجة إلى البطاريات التقليدية أو يقلل الاعتماد عليها بشكل كبير، إذ يعمل النظام عبر حصاد الطاقة مباشرة من البيئة الكهرومغناطيسية، سواء كانت إشارات رادار، أو بث اتصالات، أو ضجيجا كهرومغناطيسيا مرافقا لساحات العمليات الحديثة المكتظة بالإشارات.

من الاتصالات إلى التخفي التعاوني الكهرومغناطيسي

يصف الباحثون هذا التطور بأنه يؤسس لما يسمى Electromagnetic Cooperative Stealth (التخفي الكهرومغناطيسي التعاوني)، وهو نهج يتجاوز مفهوم التخفي الفردي التقليدي. في هذا النموذج، تعمل عدة منصات جوية وبرية وفضائية بشكل شبكي لتقليل البصمة الرادارية الإجمالية للمنظومة، بدلا من ترك كل منصة تواجه الاستشعار المعادي بمفردها.

في هذا السيناريو، لا تكتفي الطائرات الشبحية بمحاولة الإفلات من الرادار، بل تعيد توظيف إشاراته كمصدر طاقة واتصال ووعي ظرفي. وبدلا من تقليل الانعكاس فقط، يجري التحكم في كيفية تفاعل الموجات مع المنصات المختلفة، ما يغير صورة الهدف التي يراها الرادار المعادي.

ووفق الدراسة، جرى تحسين أداء هذا النظام عبر دمج تشكيل الحزم، ومسارات الروبوتات، ومعاملات RIS باستخدام خوارزميات التعلم العميق المعزز متعدد الوكلاء. هذه المقاربة تسمح بإدارة الاتصال، والاستشعار، والتخطيط الحركي، وجمع البيانات ضمن منصة واحدة ذاتية الاستدامة، قادرة على التكيف مع بيئة قتالية متغيرة.

دور مزدوج بين 6G والحرب الإلكترونية

لا يقتصر استخدام السطح الذكي على التطبيقات العسكرية البحتة، إذ صُمم ليكون جزءا من بنية اتصالات الجيل السادس 6G. ويعتمد هذا الجيل على دمج الاتصال والاستشعار وتغذية الطاقة في منصة واحدة، بدلا من فصلها إلى أنظمة مستقلة كما هو الحال في الأجيال السابقة.

هذه المقاربة تتيح إنشاء محطات قاعدية دقيقة، وأنظمة ترحيل ذاتية التغذية، وأقمار صناعية منخفضة الطاقة، مع تقليل البصمة المادية والتكلفة التشغيلية. كما تسمح بإعادة استخدام الطيف الترددي بمرونة أعلى، عبر الجمع بين وظائف الاتصال والرادار ضمن نفس العتاد.

النماذج الأولية التي وصفها الباحثون قادرة على توجيه الحزم حتى ±45 درجة مع مستويات منخفضة من الفصوص الجانبية، ما يعزز جودة الاتصال في البيئات التي تعاني عوائق خط النظر. وفي الوقت نفسه، يمكن للنظام إنشاء مناطق صمت راديوي مقصودة، تقلل فرص التنصت أو التشويش، وتحد من فاعلية الاستخبارات الإلكترونية المعادية.

تسريع برامج المقاتلات الصينية من الجيل السادس

يتزامن هذا التقدم البحثي مع تقارير عن تسارع تطوير الصين لمقاتلتين من الجيل السادس تعرفان باسم J-36 وJ-50، وفق تقرير لوزارة الدفاع الأميركية صدر في ديسمبر 2025. وتشير التقديرات إلى أن الصين تجاوزت مرحلة المفاهيم النظرية، وانتقلت إلى برامج اختبار طيران نشطة بدعم مباشر من صناعاتها الجوية المتقدمة.

وتشير التوقعات إلى دخول قدرات تشغيلية أولية بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، في جدول زمني يقترب من برامج NGAD وF A-XX الأميركية، ما يعكس سباقا متقارب الإيقاع بين القوى الكبرى في مجال التفوق الجوي المستقبلي.

اقرأ أيضاً.. برنامج NGAD وطائرة F-47: من طائرات الاختبار السرية إلى مقاتلة الجيل السادس

J-36… عقدة قيادة جوية قائمة على الذكاء الاصطناعي

تُوصف J-36 بأنها مقاتلة تفوق جوي بعيدة المدى، تعتمد تصميما بلا ذيل أو بجناح مدمج، ما يقلل البصمة الرادارية ويحسن الكفاءة الهوائية ويوفر حجما داخليا أكبر للوقود. هذا التكوين يسمح بعمليات طويلة المدى في مسارح شاسعة مثل المحيط الهادئ، حيث تشكل المسافة عاملا حاسما في الصراع الجوي.

ومن المتوقع أن تعتمد الطائرة بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي ودمج المستشعرات، لتعمل كعقدة قيادة شبكية. في هذا الدور، لا تقتصر مهمتها على القتال الفردي، بل تشمل توجيه طائرات غير مأهولة، وإدارة مهام الحرب الإلكترونية، وتنسيق الضربات بعيدة المدى ضمن منظومة قتالية مترابطة متعددة الطبقات.

J-50… الذراع البحرية للجيل السادس

إلى جانب J-36، تطور الصين مقاتلة بحرية من الجيل السادس تعرف باسم J-50، صممت للعمل من حاملات الطائرات. وتشير التحليلات إلى أنها ستتضمن تعزيزا هيكليا، وهيكل هبوط أقوى، وربما أجنحة قابلة للطي، لتلبية متطلبات الإقلاع القصير والهبوط العنيف على متن الحاملات.

ويُعتقد أن J-50 ستعتمد على محركين لتوفير قوة وأمان إضافيين أثناء العمليات البحرية، مع تركيز واضح على مهام الدفاع الجوي للأساطيل وإسقاط القوة بعيدا عن السواحل الصينية، خصوصا من حاملات متقدمة مثل Type 003 Fujian.

حلقة وصل بين السطح الذكي والمقاتلات الشبحية

عند الربط بين سطح RIS الذكي وهذه المقاتلات، يتضح مسار استراتيجي أوسع. فالمقاتلات الشبكية من الجيل السادس يمكن أن تستخدم أسطحا ذكية مدمجة في هيكلها أو في منصات مرافقة، لتحويل البيئة الرادارية المعادية إلى مورد طاقة واتصال.

هذا الدمج قد يغير قواعد التخفي جذريا، من مفهوم تقليل البصمة فقط، إلى مفهوم إدارة المجال الكهرومغناطيسي بأكمله. في هذا السياق، يصبح الرادار المعادي جزءا من منظومة الطاقة والوعي الظرفي للطائرة، بدلا من أن يكون أداة كشف أحادية الاتجاه.

ما الذي يعنيه ذلك لتوازن القوة الجوية

إذا نضجت هذه التقنيات كما هو متوقع، فقد تواجه أنظمة الدفاع الجوي التقليدية تحديا مزدوجا. فمن جهة، تفقد إشاراتها جزءا من فاعليتها كأداة كشف، ومن جهة أخرى قد تتحول إلى مصدر طاقة أو بيانات للمنصات المعادية.

هذا التحول يرفع سقف سباق الابتكار في مجالات التخفي، والحرب الإلكترونية، والاتصالات، ويشير إلى أن الجيل السادس من القتال الجوي سيكون معركة شبكات وطاقة ومجالات كهرومغناطيسية بقدر ما هو معركة طائرات وصواريخ، مع إعادة تعريف عميقة لمفهوم السيطرة الجوية في القرن الحادي والعشرين.

المصدر: ResearchGate (ريسيرش جيت) موقع لنشر الأبحاث. 

اقرأ أيضاً