أعلنت شركة شيلد إيه آي (Shield AI) حصولها على عقد من البنتاجون لدمج برنامجها المتقدم هايفمايند (Hivemind) داخل طائرات لوكاس (LUCAS) الهجومية منخفضة التكلفة، في خطوة تكشف اتجاهاً أميركياً واضحاً نحو بناء جيل جديد من الأسراب القتالية المستقلة القادرة على العمل بأعداد كبيرة، وتنسيق الحركة، والتكيف مع ساحة المعركة بسرعة أكبر من الأنظمة التقليدية.
القصة لا تتعلق بطائرة مسيرة واحدة، بل بتحول عسكري أوسع داخل وزارة الدفاع الأميركية نحو ما يمكن تسميته الحرب الكمية الرخيصة، أي استخدام أعداد كبيرة من المنصات غير المأهولة منخفضة التكلفة لإرباك دفاعات الخصم، واستنزافه، وفتح ثغرات أمام القوات التقليدية. ووفق إعلان Shield AI، فإن Hivemind سيعمل كـ طيار ذكاء اصطناعي داخل برنامج LUCAS، بما يسمح لمجموعة من المسيرات بالتنسيق والمناورة والتكيف مع الظروف المتغيرة في الوقت الحقيقي بناءً على مدخلات المقاتلين في الميدان.
تأتي أهمية المشروع من أنه يترجم دروس السنوات الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط والبحر الأحمر إلى برنامج أميركي رسمي. فقد أثبتت الحروب الحديثة أن الطائرات المسيرة الرخيصة لم تعد مجرد أدوات مراقبة، بل أصبحت قادرة على تهديد قواعد ومخازن وسفن ومنظومات دفاعية باهظة الثمن. وعندما تكون تكلفة منصة هجومية واحدة في حدود 35 ألف دولار تقريباً، بينما قد تكلف الصواريخ الاعتراضية المستخدمة ضدها مئات الآلاف أو ملايين الدولارات، فإن المعركة تتحول من مواجهة تقنية فقط إلى معادلة اقتصادية قاسية.
ما هي LUCAS ولماذا تهم البنتاجون؟
تعني LUCAS اسم Low-Cost Uncrewed Combat Attack System، أي نظام هجومي قتالي غير مأهول منخفض التكلفة. هذا النوع من المسيرات يُصمم عادة ليكون أحادي الاتجاه، أي أنه لا يعود بعد تنفيذ المهمة، ولذلك يُشار إليه غالباً باسم مسيرة انتحارية أو ذخيرة جوالة. الفكرة العسكرية هنا ليست بناء طائرة مسيرة فاخرة باهظة الثمن، بل إنتاج منصة بسيطة نسبياً يمكن نشرها بأعداد كبيرة وبتكلفة تسمح بتحمل خسارتها.
بحسب النص المتداول، تبلغ تكلفة الطائرة الواحدة نحو 35 ألف دولار، ويصل طولها إلى قرابة 3 أمتار، وهي مزودة برأس حربي ينفجر عند الاصطدام بالهدف. هذه الأرقام تضعها في فئة قريبة من فلسفة الطائرة الإيرانية شاهد 136 (Shahed 136)، التي أثبتت خلال السنوات الأخيرة أن المنصات الرخيصة ذات المدى الكبير يمكن أن تفرض ضغطاً ضخماً على الدفاعات الجوية الحديثة.
LUCAS وشاهد يتميزان بنفس التصميم مع إختلاف بسيط في الحجم. لهذا كانت أميركا تستخدمها في سياسة العلم الزائف, وحتى وسائل إعلامية كبيرة لم تميز الفرق.
المهم في LUCAS أنها لا تمثل فقط نسخة أميركية من مفهوم موجود، بل محاولة أميركية لتحويل هذا المفهوم إلى منصة أكثر ذكاءً وتنسيقاً. الفارق بين مسيرة رخيصة تتحرك وفق مسار معد مسبقاً ومسيرة رخيصة تعمل ضمن سرب ذكي هو فارق هائل. الأولى تمثل تهديداً يمكن توقعه نسبياً، أما الثانية فقد تتحول إلى شبكة جوية تتغير وتتكيف وتوزع الأدوار داخلها.
ما هو Hivemind وكيف يغير قيمة المسيرات الرخيصة؟
برنامج Hivemind هو طبقة برمجية للذكاء الاصطناعي والاستقلالية طورتها Shield AI بهدف تمكين المنصات غير المأهولة من الإحساس، واتخاذ القرار، والمناورة، والتنسيق دون الحاجة إلى تحكم يدوي مستمر من الإنسان. الشركة تقول إن البرنامج يسمح لمشغل واحد بقيادة عدة منصات في وقت واحد خلال عمليات منسقة ومعقدة، بينما يبقى الإنسان مسؤولاً عن قرار الضربة النهائي.
هذا التفصيل مهم جداً من الناحية القانونية والعسكرية. فالشركة تؤكد أن البشر يظلون داخل دائرة قرار الضربة، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي إدارة الملاحة والتنسيق والتنفيذ الحركي. بمعنى آخر، النظام لا يُقدَّم رسمياً كمنظومة قتل مستقلة بالكامل، بل كمنظومة استقلالية تعاونية تحت إشراف بشري.
الفارق بين Hivemind والطيار الآلي التقليدي هو أن الطيار الآلي عادة يتبع مساراً محدداً مسبقاً ولا يملك مرونة كبيرة إذا تغيرت الظروف. أما Hivemind، وفق الشركة، فيستطيع إعادة توجيه خطة المهمة، والاستجابة للظروف غير المتوقعة، وتجنب العوائق، وتنفيذ مهام مركبة بطريقة أكثر مرونة. هذا يعني أن القيمة الحقيقية ليست في الطائرة وحدها، بل في طبقة الذكاء الاصطناعي التي تحول الكتلة العددية إلى قوة منسقة.
لماذا تعني الأسراب الذكية تغييراً في شكل الحرب؟
في الحرب التقليدية، كان التفوق يعتمد غالباً على المنصات الأغلى والأكثر تطوراً، مثل المقاتلات الشبحية أو الصواريخ الدقيقة أو السفن الضخمة. لكن الحرب الحديثة بدأت تكشف مساراً موازياً: أحياناً يمكن لمنصات رخيصة كثيرة أن تفرض على الخصم تكلفة دفاعية غير محتملة.
إذا أُطلقت مسيرة واحدة، فقد يسهل إسقاطها. أما إذا أُطلقت عشرات أو مئات المسيرات في وقت واحد، فإن الدفاعات الجوية تدخل في اختبار مختلف تماماً. الرادارات يجب أن تتبع عدداً كبيراً من الأهداف، ومراكز القيادة يجب أن تحدد الأولويات، والبطاريات الاعتراضية قد تضطر إلى استهلاك ذخائر باهظة ضد أهداف رخيصة. هنا تظهر فكرة الإغراق الدفاعي، أي دفع الدفاعات إلى حالة تشبع تجعلها غير قادرة على التعامل مع كل الأهداف في الوقت المناسب.
عندما يضاف الذكاء الاصطناعي إلى هذه المعادلة، تصبح الأسراب أكثر خطورة لأنها لا تعتمد فقط على العدد، بل على التنسيق. قد تتوزع المسيرات في مسارات متعددة، وقد تتكيف مع فقدان بعض المنصات، وقد تستمر المجموعة في تنفيذ المهمة رغم التشويش أو انقطاع الاتصالات الجزئي. وهذا هو جوهر مفهوم الاستقلالية التعاونية الذي تتحدث عنه Shield AI.
المعادلة الاقتصادية: 35 ألف دولار مقابل دفاعات بملايين الدولارات
واحدة من أهم نقاط قوة LUCAS هي التكلفة. عندما تكون تكلفة منصة هجومية في حدود 35 ألف دولار، فإن استخدامها بكثافة يصبح منطقياً عسكرياً إذا كان الخصم مضطراً لاستخدام صواريخ اعتراض أو منظومات دفاعية أعلى تكلفة بكثير.
في بعض بيئات الحرب الحديثة، قد يكلف صاروخ اعتراض واحد أكثر من 100 ألف دولار، وقد ترتفع التكلفة إلى مليون دولار أو أكثر بحسب النظام المستخدم. وإذا احتاجت الدفاعات إلى إطلاق أكثر من صاروخ لاعتراض مسيرة واحدة أو للتعامل مع سرب كامل، فإن الكفة الاقتصادية تميل بسرعة لصالح الطرف الذي يملك منصات هجومية رخيصة ومنتجة بكميات كبيرة.
هذا لا يعني أن المسيرات الرخيصة دائماً تنتصر، لكنها تغير طريقة حساب التكلفة. فبدلاً من سؤال: هل المسيرة متطورة جداً؟ يصبح السؤال: هل يستطيع الخصم اعتراض عدد كبير منها دون استنزاف مخزونه وميزانيته؟ هذا ما يجعل LUCAS جزءاً من تحول أكبر في اقتصاديات الحرب، حيث يصبح السعر والعدد وسرعة الإنتاج عوامل حاسمة مثل الدقة والمدى والسرعة.
من Replicator إلى هيمنة المسيرات
تأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع في البنتاجون بدأ مع مبادرة Replicator التي ركزت على اقتناء آلاف الأنظمة غير المأهولة منخفضة التكلفة والقابلة للاستهلاك، خصوصاً في مسرح المحيط الهادئ. الفكرة كانت واضحة: مواجهة قوة كبرى مثل الصين لا يمكن أن تعتمد فقط على عدد محدود من المنصات الباهظة، بل تحتاج إلى طبقات كثيفة من الأنظمة الرخيصة والمرنة.
النص يشير أيضاً إلى مبادرة هيمنة الطائرات المسيرة وميزانية قد تصل إلى نحو 55 مليار دولار في خطط السنة المالية 2027 لتطوير الطائرات المسيرة وتقنيات الاستقلالية تحت مظلة مجموعة الدفاع للحرب المستقلة DAWG. إذا صح هذا الرقم ضمن الخطط الدفاعية، فهو يعكس أن الموضوع لم يعد تجربة صغيرة، بل تحولاً مؤسسياً ضخماً داخل البنتاجون.
هذه الأرقام تعني أن الذكاء الاصطناعي العسكري لم يعد محصوراً في المقاتلات المتقدمة أو مراكز القيادة، بل ينتقل إلى منصات رخيصة يمكن إنتاجها بكثافة. وهذا قد يفتح سوقاً دفاعياً ضخماً لشركات مثل Shield AI وAnduril وPalantir وغيرها من شركات الدفاع التقني التي تراهن على البرمجيات والاستقلالية أكثر من الاعتماد على المنصات التقليدية وحدها.
لماذا يشبه LUCAS شاهد 136 ولماذا يختلف عنها؟
تُقارن LUCAS كثيراً بالمسيرة الإيرانية Shahed 136 لأنها تنتمي إلى نفس الفلسفة العامة: منصة منخفضة التكلفة، أحادية الاتجاه، مصممة للهجوم على أهداف ثابتة أو شبه ثابتة. لقد استخدمت Shahed 136 على نطاق واسع خلال الحرب في أوكرانيا وأظهرت أن التكنولوجيا البسيطة نسبياً يمكن أن تحقق أثراً استراتيجياً إذا استُخدمت بأعداد كبيرة وعلى مدى طويل.
لكن النسخة الأميركية تسعى إلى إضافة عنصر مختلف: البرمجيات المتقدمة. فالقيمة هنا ليست فقط في محرك أو هيكل أو رأس حربي، بل في قدرة المنصة على العمل داخل سرب، وتلقي أوامر عامة من مشغل واحد، ثم تنفيذ التنسيق الداخلي بطريقة شبه ذاتية. هذه هي النقطة التي يحاول البنتاجون من خلالها تحويل سلاح منخفض التكلفة إلى أداة أكثر تعقيداً.
الفارق الجوهري أن Shahed 136 ترتبط غالباً بصورة “السلاح الرخيص الكثيف”، بينما يسعى مشروع LUCAS المدعوم بـ Hivemind إلى بناء “سلاح رخيص ذكي ومنسق”. هذه المعادلة قد تكون أكثر خطورة لأنها تجمع بين الكمية والمنطق الشبكي.
ما المخاطر والتحديات؟
رغم القوة الظاهرة للفكرة، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في مسيرات انتحارية يفتح أسئلة كبيرة. أولها مسألة التحكم البشري. صحيح أن Shield AI تقول إن الإنسان يبقى مسؤولاً عن قرار الضربة، لكن كلما زادت سرعة المعركة وتعددت المنصات، أصبح الوقت المتاح للقرار البشري أقل. وهذا يطرح سؤالاً أخلاقياً وقانونياً حساساً: إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يظل فعلاً في مركز القرار عندما تتحرك عشرات الأنظمة بسرعة وتتكيف بشكل ذاتي؟
التحدي الثاني هو الحرب الإلكترونية. أي سرب يعتمد على الاستقلالية والتنسيق قد يتعرض للتشويش أو الخداع أو محاولات اختراق أو تعطيل للملاحة. ولذلك ستحتاج هذه الأنظمة إلى مقاومة قوية ضد التشويش، وقدرة على العمل في بيئات محدودة الاتصالات. إعلان Shield AI يشير صراحة إلى العمل في بيئات “ديناميكية ومحدودة الاتصالات”، وهو اعتراف بأن المعركة القادمة لن تمنح هذه المنصات اتصالات مستقرة أو آمنة دائماً.
التحدي الثالث هو التمييز بين الأهداف. كلما أصبحت الأنظمة أكثر استقلالاً، زادت أهمية ضمان أن الخوارزميات لا تسيء تفسير البيئة أو تتعامل مع أهداف غير مقصودة. لذلك ستبقى قواعد الاشتباك والاختبار الميداني والتقييم القانوني جزءاً مركزياً من أي نشر واسع لهذه المنظومات.
كيف ستتأثر الأسواق الدفاعية؟
هذا النوع من العقود يرسل رسالة واضحة إلى السوق: البرمجيات أصبحت قلب السلاح. في الماضي، كانت القيمة الأكبر في الهيكل والمحرك والرادار والذخيرة. اليوم، أصبحت طبقة الذكاء الاصطناعي التي تنسق المنصات وتختصر زمن القرار جزءاً من القيمة الأساسية.
هذا يعني أن شركات الدفاع التقليدية ستواجه ضغطاً متزايداً من شركات دفاع ناشئة تعمل بعقلية وادي السيليكون. شركات مثل Shield AI لا تبيع طائرة فقط، بل تبيع “عقلاً تشغيلياً” يمكن تركيبه على منصات متعددة. وهذا قد يغير طريقة الشراء العسكري، حيث يصبح السؤال ليس فقط أي طائرة نشتري، بل أي نظام استقلالية سيقود هذه الطائرات؟
كما أن التركيز على المنصات منخفضة التكلفة قد يفتح سوقاً ضخمة للدول الحليفة التي لا تستطيع شراء أسراب من الطائرات المقاتلة أو الصواريخ الباهظة، لكنها تستطيع الاستثمار في آلاف المسيرات القابلة للاستهلاك. وهذا قد يغير ميزان القوة في مناطق مثل آسيا والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.
ما الذي يمكن أن نراه بعد ذلك؟
من المتوقع أن يتحرك البنتاجون خلال السنوات المقبلة نحو اختبار أسراب أكبر وأكثر تنوعاً. قد لا تقتصر الفكرة على LUCAS فقط، بل قد تشمل مسيرات استطلاع، ومسيرات تشويش، ومسيرات هجومية، ومنصات بحرية وبرية غير مأهولة تعمل معاً داخل شبكة واحدة.
المسار المرجح هو أن تتحول الأسراب من مجموعات مسيرات متشابهة إلى فرق مختلطة، حيث تقوم منصة بالمراقبة، وأخرى بالحرب الإلكترونية، وثالثة بالإرباك، ورابعة بالهجوم. عندها لن يكون السرب مجرد عدد كبير من الطائرات، بل بنية عملياتية كاملة تعمل ككائن واحد موزع.
قد نرى أيضاً تكامل هذه الأنظمة مع مقاتلات الجيل السادس والطائرات القتالية التعاونية Collaborative Combat Aircraft، حيث تعمل الطائرات المأهولة كقادة جوية لمنصات غير مأهولة منخفضة أو متوسطة التكلفة. إعلان Shield AI يذكر أن Hivemind مستخدم أو مرتبط بمنصات مثل برنامج Collaborative Combat Aircraft في سلاح الجو الأميركي، وطائرة YFQ-44A من Anduril، وطائرة الاختبار البحرية BQM-177، ومروحية UH-72B Lakota، ومنصة Destinus Hornet، ما يعكس طموحاً لجعل البرمجية طبقة مشتركة بين منصات متعددة.
دمج Hivemind في LUCAS ليس مجرد تحديث تقني لمسيرة انتحارية، بل مؤشر على أن الحرب الأميركية القادمة قد تعتمد على مزيج من العدد الكبير والتكلفة المنخفضة والذكاء الاصطناعي والقرار البشري المشرف. هذه المعادلة قد تعيد تشكيل مفهوم القوة الجوية، خصوصاً عندما يصبح بإمكان مشغل واحد قيادة سرب كامل من الأنظمة المستقلة.
لكن هذا التحول يحمل جانبين في الوقت نفسه. من جهة، يمنح الجيوش قدرة على الردع والهجوم بتكلفة أقل وبسرعة أعلى. ومن جهة أخرى، يفتح أبواباً خطيرة أمام سباق تسلح جديد في الأنظمة الانتحارية الذكية، حيث قد تسعى دول كثيرة إلى بناء نسخها الخاصة من هذه المنصات.
في النهاية، السؤال لم يعد ما إذا كانت المسيرات ستصبح جزءاً مركزياً من الحرب، بل إلى أي مدى سيُسمح للذكاء الاصطناعي بأن يدير المعركة قبل أن يضغط الإنسان على زر القرار الأخير.
المصدر: Shield AI

