تتحرك Meta (ميتـا) بقوة جديدة في سباق الذكاء الاصطناعي عبر الاستحواذ على شركة Manus (مانوس) الناشئة، ذات الجذور الصينية والمقر الرئيسي في سنغافورة، في صفقة تُقدَّر قيمتها بين 2 و3 مليار دولار، وفق مصادر مطلعة تحدثت لوكالة رويترز. الصفقة تعكس رهان ميتـا على جيل جديد من أنظمة الـ”وكلاء” الذكيين (AI Agents) القادرة على تنفيذ المهام بشكل ذاتي يتجاوز نمط الدردشة التقليدي.
“الوكيل العام”… من منافس صاعد إلى جزء من منظومة ميتـا
لفتت Manus (مانوس) الأنظار بداية العام عندما أعلنت عن ما وصفته بأنه “أول وكيل ذكاء اصطناعي عام في العالم”، قادر على اتخاذ القرارات وتنفيذ المهام بشكل شبه كامل ذاتياً، مع اعتماد أقل بكثير على الأوامر المباشرة مقارنة بنماذج المحادثة مثل ChatGPT (شات جي بي تي) أو DeepSeek (ديب سيك). هذا التوجه ينسجم مع رؤية مارك زوكربيرج حول مستقبل “الـ AI Agents” الذين يديرون المهام اليومية للمستخدمين والشركات داخل منظومة ميتـا.
تؤكد Manus (مانوس) أن أداء الوكيل الخاص بها يتفوّق على أداة DeepResearch (ديب ريسيرش) من OpenAI (أوبن إيه آي) في مهام البحث والتنفيذ متعدد الخطوات، وهو ما جعلها تُلقَّب في أوساط tech الصينية بأنها “الـ DeepSeek الجديدة”، قبل أن تنقل مقرها من الصين إلى سنغافورة لتقليل المخاطر المرتبطة بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين.
من الصين إلى سنغافورة… ذكاء اصطناعي تحت مجهر واشنطن
على الرغم من أن منتجات Manus (مانوس) ليست متاحة داخل الصين، فإن جذورها الصينية وشراكاتها السابقة تجعل الصفقة تحت أنظار السياسيين والمنظمين في واشنطن. المحلل Jeremy Goldman (جيريمي جولدمان) علّق على الصفقة قائلاً إن مجرد اجتماع كلمتي “China” و”AI” في عنوان خبر بات كافياً لإثارة رد فعل تلقائي لدى صانعي القرار في العاصمة الأميركية، في إشارة إلى حساسية أي استحواذ له صلة بتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة ذات الأصل الصيني.
اللافت أن Manus (مانوس) نقلت مقرها الرئيسي إلى سنغافورة قبل أشهر، في خطوة مشابهة لعدد من الشركات الصينية الناشئة التي تحاول إعادة تموضعها جغرافياً وقانونياً لتقليل مخاطر العقوبات أو القيود الأميركية.
دمج Manus في منتجات ميتـا… من WhatsApp للأعمال إلى Meta AI
أعلنت Meta (ميتـا) أنها لا تنوي إيقاف خدمة Manus (مانوس) الحالية، بل ستواصل تشغيلها وبيعها، مع دمج قدرات الوكيل الذكي المتقدم داخل منتجاتها الاستهلاكية والتجارية، وفي مقدمتها Meta AI (ميتا إيه آي) وخدمات الأعمال على WhatsApp (واتساب).
المحلل Barton Crockett (بارتون كروكيت) من Rosenblatt Securities (روزنبلات سيكيوريتيز) رأى أن الاستحواذ “يتوافق بشكل طبيعي” مع توسّع ميتـا في عالم WhatsApp SMB (واتساب للأعمال الصغيرة والمتوسطة)، حيث يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي إدارة المحادثات مع العملاء، تنفيذ الطلبات، أتمتة خدمة ما بعد البيع، وربط هذه المهام برؤية زوكربيرج لـ”مساعد شخصي ذكي” لكل مستخدم ولكل شركة داخل منظومة ميتـا.
عملياً، تستطيع Meta (ميتـا) عبر هذه الصفقة تسريع الانتقال من نموذج “الروبوت الذي يجيب” إلى نموذج الوكيل الذي يخطط وينفذ: يحجز مواعيد، يدير حملات إعلانية، ينسّق عمليات خدمة العملاء، ويتكامل مع منصات التجارة الإلكترونية دون الحاجة لتدخّل يدوي مستمر.
استثمار ثقيل في الوكلاء الأذكياء… وسباق تسليح بالاستحواذات
تأتي صفقة Manus (مانوس) بعد سلسلة تحركات قوية من Meta (ميتـا) لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي، من بينها الاستثمار في شركة Scale AI (سكايل آي إيه آي) بتقييم بلغ نحو 29 مليار دولار، واستقطاب أسماء بارزة في قطاع البيانات والنماذج الضخمة، بينهم المؤسس والرئيس التنفيذي Alexandr Wang (ألكسندر وانج) كشريك استراتيجي رئيسي.
الصفقة الحاليّة تختلف في أن Manus (مانوس) ليست مجرد مزوّد بيانات أو أداة متخصصة، بل منصة وكلاء ذكية كاملة يمكن زرعها مباشرة داخل منتجات ميتـا. هذا يعطى الشركة قفزة زمنية في سباق “الـ Agentic AI” في مواجهة منافسين مثل OpenAI، Google (جوجل)، وMicrosoft (مايكروسوفت) الذين يطوّرون بدورهم وكلاء قادرين على إدارة البريد، المستندات، الاجتماعات والمهام اليومية.
من جهة التمويل، جمعت Manus (مانوس) خلال العام 75 مليون دولار بتقييم يقارب 500 مليون دولار قبل الاستحواذ، في جولة قادتها شركة Benchmark (بنشمارك) بمشاركة مستثمرين من بينهم HSG (المعروفة سابقاً باسم Sequoia Capital China (سيكويا كابيتال تشاينا))، وصناديق مثل ZhenFund (جين فاند)، إضافة إلى العملاق Tencent (تينسنت)، وفق بيانات PitchBook (بيتش بوك).
هذه الأرقام تعني أن خروج المستثمرين عبر صفقة ميتـا تم بقفزة تقييمية كبيرة في فترة زمنية قصيرة، ما يعكس شدة الطلب على الأصول المرتبطة بوكلاء الذكاء الاصطناعي المتقدمين.
أسئلة تنظيمية واستراتيجية… لكن ميتـا تمضي إلى الأمام
رغم أن الصفقة مرشحة لتواجه تدقيقاً من الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة، خصوصاً مع وجود استثمارات سابقة من شركات صينية كبرى، فإن موقع مقر Manus (مانوس) الحالي في سنغافورة وغياب نشاط لها داخل الصين يمنحان ميتـا مساحة حركة قانونية أوسع من التعامل المباشر مع شركة صينية داخل البر الرئيسي.
في المقابل، سيُراقب المنظمون عن كثب كيف ستستخدم Meta (ميتـا) قدرات الوكلاء الذكيين الجديدة، خاصة في ضوء النقاشات المتصاعدة عالمياً حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حماية البيانات، ومنع إساءة استخدام الأنظمة القادرة على اتخاذ قرارات شبه ذاتية.
مع ذلك، تبدو ميتـا مصممة على تحويل منصاتها، من Facebook (فيسبوك) إلى Instagram (إنستغرام) وWhatsApp (واتساب) وMeta AI (ميتا إيه آي)، إلى بيئة مزدحمة بوكلاء ذكاء اصطناعي يديرون الإعلانات، المحتوى، وخدمات الأعمال، في وقت باتت فيه هذه القدرات عنصر تنافس رئيسي مع عمالقة وادي السيليكون الآخرين.
في المحصلة، يضيف استحواذ Meta (ميتـا) على Manus (مانوس) طبقة جديدة من التعقيد إلى سباق القوى الكبرى على الذكاء الاصطناعي المتقدّم: من جهة هو رهان تقني وتجاري على مستقبل “الوكلاء الذكيين”، ومن جهة أخرى هو ملف جيوسياسي حساس يمسّ علاقة وادي السيليكون بالشركات ذات الجذور الصينية وسط توتر متصاعد بين واشنطن وبكين.
المصدر: رويترز

