الخلفية:

حملة ترامب للتوظيف في فريق Tech Force تستقطب 25 ألف متخصص في الذكاء الاصطناعي

ترامب

تلقى البيت الأبيض خلال أسابيع قليلة أكثر من 25000 طلب اهتمام من مهندسين وخبراء تقنيين للانضمام إلى فريق Tech Force (تيك فورس)، وهو الكادر الجديد الذي تراهن عليه إدارة الرئيس دونالد ترامب لرفد أجهزة الحكومة الفدرالية بخبرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي، وهندسة البرمجيات، وتحليل البيانات، والبنى التحتية الرقمية. وتعكس هذه الأرقام شهية عالية لدى مجتمع المهندسين للمشاركة في صياغة سياسات الحكومة التقنية من الداخل، وليس فقط عبر القطاع الخاص.

كشف هذه المعطيات سكوت كوبور، مدير مكتب إدارة شؤون الموظفين الحكومي، في منشور على منصة X (إكس)، موضحًا أن هذه القائمة الأولية من المتقدمين ستكون بمثابة “بنك مواهب” تعتمد عليه الإدارة لاختيار النخبة الأولى من الكوادر التقنية التي ستدخل إلى قلب الوزارات والهيئات الأميركية للعمل على ملفات حساسة مرتبطة بالأمن القومي، والخدمات العامة، والتحول الرقمي الشامل للحكومة.

ألف مقعد فقط أمام 25 ألف متقدم طموح

رغم حجم الإقبال اللافت، فإن الدفعة الأولى من برنامج Tech Force لن تتجاوز نحو 1000 مشارك فقط، بحسب ما أوضحه كوبور. وهذا يعني أن المنافسة ستكون شرسة للغاية، مع حاجة المرشحين لإثبات تميزهم ليس فقط في مهارات software engineering (هندسة البرمجيات) وdata engineering (هندسة البيانات)، بل أيضًا في القدرة على فهم تعقيدات العمل الحكومي، والالتزام بالقواعد القانونية والأمنية الصارمة التي تحكم التعامل مع بيانات المواطنين.

وسينضم المقبولون إلى البرنامج لفترة تمتد حوالي عامين داخل مؤسسات حكومية أساسية مثل وزارة الأمن الداخلي، ووزارة شؤون المحاربين القدامى، ووزارة العدل، وجهات فدرالية أخرى، حيث سيعملون على مشاريع تقنية عملية تتضمن تحسين منصات الخدمات الرقمية، وبناء أنظمة معلوماتية مؤمّنة، وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الهجرة والحدود، والرعاية الصحية للمحاربين القدامى، وإنفاذ القانون، ومكافحة الاحتيال.

خلال هذه الفترة، سيكون أمام أعضاء Tech Force فرصة نادرة لرؤية كيفية صناعة القرار من الداخل، وكيف تمر أي أداة تقنية جديدة بسلسلة من المراجعات القانونية والأمنية والمالية قبل أن ترى النور. في المقابل، ستحصل الوزارات المستضيفة على دفعة قوية من الخبرات الحديثة التي اعتادت العمل بمنهجيات agile (أجايل) وثقافة الشركات الناشئة، وهو ما تأمل الإدارة في دمجه تدريجيًا داخل البيروقراطية الفدرالية.

ركن أساسي في أجندة سياسة الذكاء الاصطناعي

يُنظر إلى برنامج Tech Force على أنه أحد أعمدة AI policy (سياسة الذكاء الاصطناعي) لدى إدارة ترامب، التي تحاول سد الفجوة المتزايدة بين سرعة تطور القطاع التقني الخاص وبين بطء الأجهزة الحكومية في تبني الأدوات الجديدة. إدارات أميركية سابقة، مثل إدارة الرئيس جو بايدن، أطلقت مبادرات مشابهة لجذب المواهب التقنية، لكن فريق ترامب يسعى إلى توسيع الحجم، وتسريع وتيرة التوظيف، وربط كل ذلك بسردية واضحة حول “الأمن القومي” و“التنافس مع الخصوم الدوليين في مجال الذكاء الاصطناعي”.

المفارقة أن هذه الحملة تأتي بعد أشهر من تركيز ترامب في بداية ولايته الثانية على تقليص أعداد الوظائف الحكومية، مع استثناءات محدودة للوظائف التي اعتُبرت “ضرورية للأمن القومي”. لذلك ينظر كثيرون إلى Tech Force باعتبارها استثناءً استراتيجيًا من سياسة التخفيض، ورسالة ضمنية بأن امتلاك قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي داخل مؤسسات الدولة أصبح جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي الأميركي نفسه، تمامًا كالقوة العسكرية أو التفوق الاقتصادي.

كما يمنح البرنامج الإدارة فرصة لتحسين صورتها أمام مجتمع المهندسين الذي أبدى في السنوات الأخيرة تحفظات سياسية وأخلاقية على بعض سياسات الحكومة، إذ تحاول Tech Force تقديم نموذج مختلف يقوم على إشراك الخبراء مباشرة في تصميم الأنظمة بدل أن يكون دورهم مجرد تنفيذ قرارات مفروضة من أعلى.

تحديات معقدة في فرز المرشحين وتوزيعهم على الوكالات

أول تحدٍّ أمام مكتب إدارة شؤون الموظفين هو كيفية فرز 25 ألف مرشح إلى قائمة قصيرة تضم فقط ألف اسم، مع موازنة الخبرات التقنية مع الصفات الشخصية والقدرة على تحمّل ضغوط العمل في بيئة ذات طابع سياسي عالي الحساسية. ومن المرجح أن تشمل عملية الاختيار اختبارات تقنية متقدمة، ومقابلات متعددة المراحل مع فرق متخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إضافة إلى تقييمات لسِجل المرشحين في مشاريع مفتوحة المصدر أو مساهماتهم في أبحاث علمية أو منتجات استخدمت على نطاق واسع.

أما التحدي الثاني فيتعلق بكيفية توزيع هذه الكفاءات على الوكالات المختلفة دون خلق فجوات أو تداخل في الأدوار. وزارة الأمن الداخلي قد تركز على مشاريع مرتبطة بتحليل المخاطر، والتنبؤ بأنماط التهديدات، والاستفادة من machine learning (تعلم الآلة) في مراقبة الحدود وتتبع الشبكات الإجرامية. بينما قد تعطي وزارة شؤون المحاربين القدامى الأولوية لتحسين أنظمة السجلات الطبية الإلكترونية، وإنشاء مساعدين رقميين أذكياء لمساعدة الضباط المتقاعدين على حجز المواعيد والوصول إلى مستحقاتهم بسهولة.

أما وزارة العدل فقد تستفيد من خبراء Tech Force في مجالات مثل إدارة الأدلة الرقمية، وتحليل البيانات في قضايا الاحتيال المالي والجريمة المنظمة، وتطوير أدوات تساعد المحققين والمدعين العامين على التعامل مع كميات ضخمة من الوثائق والاتصالات، مع استمرار نقاشات حساسة حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في التحقيقات وعدم السماح لهذه الأنظمة بالتحول إلى “قاضٍ خفي” يتخذ قرارات مصيرية دون رقابة بشرية.

إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تستفيد وكالات أخرى مثل وزارة الطاقة، ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، ووكالات البيئة من وجود مهندسين وخبراء بيانات يساعدونها في مشاريع تتعلق بالطاقة النظيفة، ومراقبة الأوبئة، وتحليل البيانات البيئية، ما يجعل تأثير Tech Force أوسع بكثير من مجرد الأمن السيبراني أو التحول الرقمي الكلاسيكي.

تأثير المبادرة على سوق العمل التقني وصورة الوظيفة الحكومية

الإقبال الكبير على برنامج حكومي مؤقت من آلاف المهندسين وخبراء الذكاء الاصطناعي يشير إلى تغيّر ملحوظ في نظرة كثير من الكفاءات التقنية للقطاع العام. فبدلًا من اعتبار الحكومة جهة بيروقراطية بطيئة ذات أجر وتطور محدود، بدأ كثيرون ينظرون إلى المشاركة في برامج مثل Tech Force كفرصة لبناء سيرة ذاتية قوية عبر العمل على مشاريع ذات أثر وطني واسع تشمل مئات الملايين من المواطنين، وليس فقط مستخدمي تطبيق تجاري محدد.

بالنسبة للمتقدمين، قد تمثّل هذه التجربة أيضًا بوابة لفهم أعمق للإطار التنظيمي والقانوني الذي يحكم الذكاء الاصطناعي والخصوصية والبيانات في الولايات المتحدة، وهو ما يمنحهم لاحقًا ميزة تنافسية إذا عادوا إلى القطاع الخاص أو أسسوا شركات ناشئة تحتاج للتعامل مع الجهات التنظيمية.

في المقابل، تمنح Tech Force الحكومة الأميركية فرصة نادرة لاجتذاب مواهب كانت تفضّل في السابق رواتب أعلى، وأسهم شركات، ومرونة العمل عن بعد. اليوم، يمكن للإدارة أن تعرض مزيجًا من التحديات التقنية المعقدة، والبعد الوطني والرمزي للخدمة العامة، وربما مسارًا وظيفيًا مستقبليًا داخل الأجهزة الرسمية للمرشحين الذين يثبتون نجاحهم خلال فترة البرنامج.

إذا نجحت إدارة ترامب في تحويل Tech Force من مبادرة مؤقتة إلى نموذج مستدام، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة موجة جديدة مما يمكن تسميته “الخدمة العامة التقنية”، حيث يصبح من المألوف أن يقضي مهندسو البرمجيات وعلماء البيانات جزءًا من مسيرتهم المهنية داخل مؤسسات الدولة، قبل الانتقال إلى شركات خاصة أو العكس، بما يخلق جسرًا حقيقيًا بين وادي السيليكون و”وادي” البيروقراطية الحكومية.

مستقبل Tech Force بين الطموح السياسي وواقع البيروقراطية

يبقى السؤال الأهم هو مدى قدرة إدارة ترامب على تجاوز البيروقراطية التقليدية التي عرقلت في السابق مبادرات تقنية حكومية مشابهة. فحتى مع استقطاب أفضل المهندسين، قد يصطدم هؤلاء بجدران من القواعد المعقدة وأنظمة الشراء الحكومي البطيئة، إضافة إلى مقاومة بعض الموظفين القدامى الذين يخشون تغيير أساليب العمل المعتادة.

مع ذلك، إذا استطاعت الإدارة أن تمنح فريق Tech Force مساحة كافية للتجربة والابتكار، وتخفف بعض القيود الإدارية عن المشاريع التجريبية، فقد يتحول البرنامج إلى نقطة تحول حقيقية في طريقة بناء الأنظمة الحكومية، من أنظمة قديمة تعتمد على شركات متعاقدة ضخمة إلى حلول أكثر رشاقة وقابلة للتحديث المستمر.

المصدر: رويترز

 

اقرأ أيضاً