الخلفية:

الصين تحسم ملف الدرون… الطائرات المسيرة تُعامل كطائرات رسميا

طائرة مسيرة مدنية تحلق فوق مدينة صينية مع خلفية مطار ومدرج طيران، في إشارة إلى دمج الدرونات ضمن قانون الطيران المدني الصيني.

تستعد الصين لإدخال تحول قانوني جذري في تنظيم الطائرات المسيرة، مع بدء تطبيق تعديلات شاملة على قانون الطيران المدني اعتبارا من 1 يوليو 2026، تُعامل بموجبها الطائرات المسيرة رسميا كـ طائرات كاملة الأهلية قانونيا، بعد أن ظلت لسنوات في منطقة رمادية بين التكنولوجيا الاستهلاكية والنشاط الجوي المنظم.

هذه الخطوة لا تعكس فقط تشديدا تنظيميا، بل تمثل إعادة صياغة كاملة للعلاقة بين الدولة وصناعة الدرون، في وقت تشهد فيه الصين نموا متسارعا فيما يعرف بـ اقتصاد الارتفاعات المنخفضة، الذي بات أحد محركات النمو الصناعي والتقني في البلاد.

منطقة رمادية تنتهي بعد ثلاثة عقود

التعديلات الجديدة تطال قانون الطيران المدني الصيني الصادر عام 1995، حيث يتم توسيعه ليشمل للمرة الأولى الطائرات المدنية غير المأهولة بشكل صريح. ووفقا لما أوردته وسائل إعلام صينية، جرى إضافة فصل مستقل مخصص لـ الطائرات المسيرة، يحدد الأطر القانونية والتنظيمية المتعلقة بـ التصميم والتصنيع والتشغيل والصيانة.

هذا التحديث يضع حدا لـ نظام تنظيمي مجزأ كان يعتمد على لوائح مؤقتة وإرشادات إدارية، ويؤسس بدلا منه مرجعية قانونية واضحة تجعل الدرون جزءا من منظومة الطيران الوطني، بما يحمله ذلك من التزامات ومسؤوليات قانونية مباشرة.

شهادات إلزامية ومسؤولية قانونية مباشرة

بموجب القانون الجديد، يتعين على جميع الأطراف العاملة في قطاع الطائرات المسيرة، بما في ذلك المصممون والمصنعون والمستوردون وشركات الصيانة والمشغلون، الحصول على شهادات اعتماد رسمية من إدارة الطيران المدني الصينية، ما لم ينص القانون على إعفاءات محددة.

ولا يقتصر الأمر على الترخيص المهني، إذ يُلزم القانون كل طائرة مسيرة بالحصول على رمز تعريف فريد مرتبط بـ تسجيل باسم حقيقي، ما يتيح للسلطات تتبع الملكية وهوية المشغل وسجل الاستخدام. ويهدف هذا الإجراء إلى إنهاء الاستخدام المجهول للطائرات المسيرة، وتسهيل المساءلة القانونية في حال وقوع حوادث أو انتهاكات.

تشديد لا يعني حظرا

على عكس الانطباع السائد عن تشديد القوانين، تؤكد مصادر صينية أن الهدف ليس كبح صناعة الدرون، بل تنظيمها وإضفاء طابع مؤسسي عليها. فالقانون الجديد يبني على لوائح مؤقتة صدرت عام 2024، كانت تفرض بالفعل متطلبات اعتماد على الدرونات المتوسطة والكبيرة، مع إعفاء الطائرات الصغيرة والخفيفة.

التعديلات الحالية لا تلغي هذا التدرج التنظيمي، لكنها تحوله من إرشادات مؤقتة إلى قانون دائم، ما يمنح الصناعة وضوحا تنظيميا طويل الأمد ويقلل من المخاطر القانونية والاستثمارية.

السلامة الجوية في صدارة الدوافع

تأتي هذه التغييرات في أعقاب سلسلة حوادث متكررة شهدتها الصين في السنوات الأخيرة، تسببت فيها طائرات مسيرة غير مصرح بها، وأدت إلى تعطيل رحلات مدنية وفرض مناطق حظر طيران مؤقتة حول مطارات ومدن كبرى.

وسجلت السلطات الصينية عدة وقائع لما يعرف بـ الطيران الأسود، وهو استخدام غير قانوني للدرونات، شمل اقتراب طائرات مسيرة من مدارج مطارات، ما استدعى إغلاق المجال الجوي مؤقتا وفرض عقوبات شملت الغرامات ومصادرة المعدات وحتى الاحتجاز الإداري.

ويمنح القانون الجديد الجهات المختصة صلاحيات أوضح للتدخل، ويفرض عقوبات صارمة قد تصل إلى الغرامات المرتفعة، والمصادرة، بل وحتى أحكام بالسجن في الحالات الجسيمة.

اقتصاد الارتفاعات المنخفضة… رهان استراتيجي

ترتبط التعديلات القانونية مباشرة بـ رؤية الصين لتطوير اقتصاد الارتفاعات المنخفضة، الذي يشمل الأنشطة الجوية دون ارتفاع 3000 متر، مثل توصيل الطرود، والخدمات اللوجستية الحضرية، والطائرات المسيرة لنقل الركاب، وسيارات الأجرة الجوية.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن هذا القطاع بلغت قيمته نحو 500 مليار يوان في 2023، مع توقعات بتجاوزه 2 تريليون يوان بحلول 2030، ما يجعله أحد أعمدة النمو الصناعي والتكنولوجي في الصين خلال العقد المقبل.

في هذا السياق، لا يُنظر إلى القوانين الجديدة كأداة ضبط فقط، بل كـ إشارة دعم حكومي طويل الأمد لـ صناعة الدرون، عبر دمجها في الإطار المؤسسي للطيران المدني وحمايتها من الفوضى التنظيمية.

سياق دولي ومواجهة غير مباشرة مع أميركا

يرى مراقبون أن التشريعات الجديدة تحمل أيضا بعدا جيوسياسيا، في ظل القيود المتزايدة التي تفرضها أميركا على الطائرات المسيرة الصينية، بعد تصنيفها من قبل هيئات أميركية كمخاطر محتملة على الأمن القومي.

ومن خلال فرض معايير اعتماد وتتبع صارمة، تسعى بكين إلى تقديم نموذج تنظيمي يمكن استخدامه للدفاع عن سلامة المنتجات الصينية عالميا، وإثبات خضوعها لـ إطار رقابي صارم يتجاوز في بعض جوانبه المعايير الغربية.

وبذلك، تجمع الصين بين تشديد السيطرة الداخلية وتعزيز المصداقية الخارجية، في محاولة لـ ترسيخ موقعها كـ قوة مهيمنة في سوق الطائرات المسيرة العالمي، الذي تسيطر عليه شركات صينية في قطاعات واسعة.

مرحلة جديدة لصناعة الدرون الصينية

مع دخول القانون حيز التنفيذ في 2026، تدخل صناعة الطائرات المسيرة في الصين مرحلة جديدة، تنتقل فيها من النمو السريع غير المنظم إلى التوسع المؤسسي المنضبط. وبينما قد يفرض ذلك أعباء تنظيمية إضافية على بعض الفاعلين، فإنه يفتح في المقابل الباب أمام صناعة أكثر استدامة، وقابلية للتوسع، وقدرة أعلى على المنافسة الدولية.

المصدر: ساوث تشاينا مورنينغ بوست

اقرأ أيضاً