تخطو القوات الجوية الأميركية خطوة غير مسبوقة نحو مستقبل القتال الجوي، عبر طائرة X‑62A VISTA، وهي النسخة الوحيدة في العالم من مقاتلة F‑16 القادرة على الطيران الذاتي. وتصفها القوات الجوية اليوم بأنها «مستكشف مسار الذكاء الاصطناعي» الذي يمهد لانتقال جذري في طبيعة العمليات الجوية، من الطائرات المأهولة تقليديا إلى أنظمة تعتمد على الخوارزميات والاستقلالية المتقدمة.
المشروع، الذي تقوده لوكهيد مارتن بالتعاون مع سلاح الجو الأميركي، لا يهدف إلى إنتاج مقاتلة جديدة بقدر ما يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة في السماء، عبر تعليم أنظمة الذكاء الاصطناعي كيفية التحليق والمناورة واتخاذ القرار القتالي في بيئة حقيقية.
من منصة تدريب إلى مختبر طيران حي
تعود قصة X‑62A VISTA إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، عندما طورت القوات الجوية الأميركية طائرة NF‑16D VISTA كمنصة فريدة لمحاكاة خصائص طيران طائرات متعددة أثناء التحليق الحقيقي. كان الهدف آنذاك تدريب طياري الاختبار وتقييم تصاميم مستقبلية دون تكاليف النماذج الأولية.
ومع مرور الوقت، أصبحت VISTA أداة مركزية لاختبار أنظمة تحكم غير مستقرة ونماذج طيران متقدمة. لكن التحول الحقيقي جاء بعد عام 2018، مع تصاعد الاهتمام العسكري العالمي بالذكاء الاصطناعي، حين بدأت وزارة الدفاع الأميركية البحث عن وسيلة لاختبار الخوارزميات خارج المحاكاة الرقمية. عندها، برزت VISTA باعتبارها المنصة المثالية للتحول إلى مختبر طيران حي.
في عام 2021، أعيدت تهيئة الطائرة بشكل جذري بواسطة وحدة Skunk Works التابعة لـ لوكهيد مارتن وبالتعاون مع شركة Calspan، وأعيد تصنيفها رسميا باسم X‑62A VISTA، في إشارة إلى انتقالها من منصة تدريب إلى طائرة تجريبية للذكاء الاصطناعي القتالي.
داخل قمرة قيادة الذكاء الاصطناعي
رغم احتفاظها بالشكل الخارجي لمقاتلة F‑16 ثنائية المقاعد، تختلف X‑62A جذريا من الداخل. فقد زُودت بحزمة متقدمة من خوارزميات الاستقلالية، تتيح للحواسيب التحكم بأسطح الطيران، والاستجابة الفورية للظروف المتغيرة، وتنفيذ مناورات معقدة كانت حكرا على الطيار البشري.
وتعمل هذه الأنظمة تحت إشراف طيار أمان بشري موجود على متن الطائرة، يتدخل فقط عند الضرورة، ما يتيح اختبار قدرات الذكاء الاصطناعي في بيئة حقيقية مع الحفاظ على أعلى معايير السلامة.
من حيث الأداء، تحتفظ X‑62A بخصائص مقاتلة صف أول، إذ تعمل بمحرك من جنرال إلكتريك يولد قوة دفع تصل إلى 28 ألفا و600 رطل مع الحارق اللاحق، ما يسمح لها بالاقتراب من سرعة ماخ 2 وتنفيذ مهام طويلة المدى. لكنها لا تحمل أي أسلحة، إذ يتركز دورها بالكامل على اختبار تفوق البرمجيات على المهارات البشرية.
لحظة مفصلية في 2022
شهد عام 2022 نقطة تحول تاريخية، عندما حلقت X‑62A لفترات طويلة تحت سيطرة وكيل ذكاء اصطناعي تولى قيادة الطائرة فعليا. واعتبرت القوات الجوية الأميركية هذه الرحلات أول مرة يقود فيها الذكاء الاصطناعي طائرة نفاثة تكتيكية في الجو، رغم إبقاء تفاصيل الاختبارات طي الكتمان نظرا لحساسيتها العسكرية.
نحو قتال جوي بلا طيار
تسارعت وتيرة التطوير مع إدماج الطائرة في برنامج Air Combat Evolution التابع لوكالة DARPA، الذي يهدف إلى تدريب الذكاء الاصطناعي على خوض اشتباكات جوية حقيقية. وبين عامي 2022 و2024، نفذت X‑62A سيناريوهات قتال جوي ضمن مدى الرؤية البصرية ضد طيارين بشريين، بينما تولت الخوارزميات التحكم الكامل بالمناورات.
ووصفت هذه الاختبارات بأنها أول مواجهة جوية حقيقية بين إنسان وذكاء اصطناعي في الهواء، ما اعتبره مسؤولون تمهيدا لتحول جذري في العقيدة الجوية.
استشعار أكثر ذكاءً
في خطوة تعكس الانتقال نحو مهام أعقد، أعلنت القوات الجوية الأميركية تزويد X‑62A برادار PhantomStrike من شركة رايثيون، وهو رادار مصفوفة مسح إلكتروني نشط يعتمد على تقنية نيتريد الغاليوم. ويتيح هذا النظام للطائرة اكتشاف الأهداف الجوية والأرضية وتتبعها، ما يسمح باختبار كيفية إدارة الذكاء الاصطناعي للحساسات واتخاذ القرار التكتيكي.
التكلفة والمعنى الاستراتيجي
لا توجد أرقام رسمية معلنة لتكلفة برنامج X‑62A، غير أن خبراء دفاعيين يشيرون إلى أن إعادة توظيف هيكل F‑16 قائم أقل كلفة بكثير من تطوير منصة جديدة بالكامل. ولا ينظر إلى VISTA كمشروع إنتاجي، بل كاستثمار بحثي يهدف إلى خفض المخاطر التقنية قبل إدخال الذكاء الاصطناعي في مقاتلات المستقبل.
هل نراها في الخدمة؟
حتى الآن، لا توجد خطط لتحويل X‑62A إلى مقاتلة عملياتية. فدورها يظل محصورا في الاختبار والتقييم. لكن التقنيات التي يتم التحقق منها على متنها مرشحة للانتقال إلى برامج أكبر، مثل مقاتلات NGAD (السيادة الجوية للجيل التالي) وأنظمة Loyal Wingman غير المأهولة.
اقرأ أيضًا… برنامج NGAD وطائرة F-47: من طائرات الاختبار السرية إلى مقاتلة الجيل السادس
ملامح سماء جديدة
تعكس X‑62A VISTA تحولا عميقا في مفهوم السيطرة الجوية. ففي عالم تتسارع فيه وتيرة الاشتباكات وتزداد كثافة البيانات، قد يصبح الذكاء الاصطناعي شريكا أساسيا في اتخاذ القرار الجوي. ومن هذا المنظور، تبدو X‑62A بمثابة الخطوة العملية الأولى نحو سماء تقودها الخوارزميات بقدر ما يقودها البشر.
المصدر: Interesting Engineering


